هل يجوز أن يتعالج عند من يزعم أنه يتعامل مع طبيب من الجن المسلم؟

السؤال

إذا تعالجت عند رجل عنده أطباء مسلمون من الجن، فهل يفسد صومي؟

الجواب

الحمد لله

أولا:

يحرم الذهاب للكهنة والعرافين من أجل التكهن بعلم الغيب أو من أجل العلاج، ولا يجوز تصديق هؤلاء فيما يزعمونه مِن خوارق أو مِن تعامل مع الجن المسلم؛ لأن هذه دعوى لا يعجز عنها أعظم الكهنة والعرّاَفين كفرا، والأصل في هؤلاء الكذب، ومن كان صادقا منهم في نفسه فلا يجوز له أن يدَّعي أنه يتعامل مع جن مسلم، ولا يجوز له الانسياق وراء ادعاءاتهم أو شيء من أفعالهم، فباب الاستدراج عند الجن عظيم، ويخشى على هذا أن يقع في الكفر الأكبر.

وزعم التعامل مع جن مسلم فيه محاذير كثيرة، ومنها:

  1. أنه فعل لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه، وقد أسلم طائفة من الجن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتعامل معهم ولم يستعن بهم مع حاجته لذلك، وكذا أصحابه – رضي الله عنهم -، وقد وجدت الحاجة للاستعانة بهم في قتال المرتدين وعلاج المصابين، ولم يكن شيء من ذلك في زمانهم.
  2. وكيف لهذا المتعامل أن يُثبت أن الجن الذي يتعامل معه أنه من المسلمين؟ فالجن عالم غيبي عنا وهو يرانا ولا نراه فكيف سيُثبت لنفسه أنهم مسلمون فضلاً عن قدرته أن يثبت ذلك لغيره؟ وقد ثبت في حوادث كثيرة كذب زعم مثل هذا الادعاء منهم، وثبت أيضًا استدراج كثير من المتعاملين مع من يزعمون أنهم مسلمون حتى وقعوا في الكفر.
  3. ولا ينبغي لمسلم أن يغتر بنجاح علاج أحد ورؤية أثر ذلك في الواقع، فها هو الدجال يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أخرجي كنوزك فتخرج، فهل يغتر المسلم به ويصدقه في دعواه؟! وبعض الأمراض والآفات تكون من الجن أصلا، ويمكن أن يكف الجن عن ذلك المريض لفترة ثم سرعان ما يعود له.

قال علماء اللجنة الدائمة:

يجوز للمسلم أن يذهب إلى طبيب أمراض باطنية أو جراحية أو عصبية أو نحو ذلك ليشخص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية غير المحرمة شرعًا حسب ما يعلمه في علم الطب؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية، وقد أنزل الله تعالى الداء وأنزل الدواء عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، ولا يجوز أن يذهب إلى الكهنة الذين يزعمون معرفة الغيب؛ ليعرف منهم مرضه، ولا يجوز له أن يصدقهم فيما يخبرونه به فإنهم يتكلمون رجمًا بالغيب أو يستحضرون الجن؛ ليستعينوا بهم على ما يريدون، وهؤلاء شأنهم الكذب، والاستعانة بالجن شرك أكبر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة “. رواه مسلم.

وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من أتى كاهناً فصدقه بما يقول, فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم “. رواه البزار بإسناد جيد، ولا يجوز له أن يخضع لما يزعمونه علاجًا من صب رصاص ونحوه على رأسه فإن هذا من الكهانة، ورضاه بذلك مساعدة لهم على الكهانة والاستعانة بشياطين الجن، كما لا يجوز لأحد أن يذهب إلى من يسأله من الكهان من سيتزوجه ابنه أو عما يكون من الزوجين أو أسرتيهما من المحبة والعداوة والوفاق والفراق؛ فإن ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 1 / 373 ، 374 ).

وسئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – رحمه الله – عن: حكم استخدام الجن من المسلمين في العلاج إذا لزم الأمر؟.

فأجاب:

لا ينبغي للمريض استخدام الجن في العلاج ولا يسألهم، بل يسأل الأطباء المعروفين، وأما اللجوء إلى الجن فلا؛ لأنه وسيلة إلى عبادتهم وتصديقهم؛ لأن في الجن من هو كافر، ومن هو مسلم، ومن هو مبتدع، ولا تعرَف أحوالُهم، فلا ينبغي الاعتماد عليهم، ولا يسألون، ولو تمثلوا لك، بل عليك أن تسأل أهل العلم والطب من الإنس، وقد ذم الله المشركين بقوله تعالى: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) [ سورة الجن / 6 ] ؛ ولأنه وسيلة للاعتقاد فيهم والشرك، وهو وسيلة لطلب النفع منهم والاستعانة بهم، وذلك كله من الشرك.

” مجلة الدعوة ” ( العدد 1602 ، ربيع الأول 1418 هـ ، ص 34 ).

وقال الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله -:

لا يستعان بالجان، لا المسلم منهم ولا الذي يقول أنه مسلم؛ لأنه قد يقول مسلم وهو كذاب من أجل أن يتدخل مع الإنس، فيُسد هذا الباب من أصله، ولا يجوز الاستعانة بالجن ولو قالوا إنهم مسلمون؛ لأن هذا يفتح الباب.

والاستعانة بالغائب لا تجوز سواء كان جنيًّا أو غير جني، وسواء كان مسلما أو غير مسلم، إنما يستعان بالحاضر الذي يقدر على الإعانة، كما قال تعالى عن موسى: ( … فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ … ) [ القصص / 15 ]، هذا حاضر ويقدر على الإغاثة فلا مانع من هذا في الأمور العادية.

” السحر والشعوذة ” ( ص 86 ، 87 ).

ثانيا:

والصائم يجب عليه أن ينزه صومه عن كل مخالفة فيه، والذهاب إلى الكهنة والعرافين إما أن يكون كفرا وإما أن يكون كبيرة – كما سبق تفصيله -، وهو غير لائق بمن ترك طعامه وشرابه لربه تعالى، فمن ترك المباح في أصله – وهو الطعام والشراب – فحري به ترك المحرَّم في كل الأحوال، والذهاب إلى من يزعم أنه يتعامل مع أطباء من الجن المسلم أيضًا لا يجوز لا من صائم ولا ومن غير صائم، لكنه لا يفسد الصوم بل ينقصه.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة