يجمعون الصدقات والتبرعات فهل يأخذون منها أجرة لهم؟
السؤال
نحن مجموعة من الشباب نقيم في الدانمارك بصورة دائمة، أنتم تعلمون أنه لا توجد دولة إسلامية تساعدنا لبناء مسجد، قمنا منذ اثني عشر عاماً باستئجار مكان نصلي فيه الجمعة والصلوات الخمس، والآن ضاق المكان علينا وارتفع الإيجار كثيرا، فعزمنا بعد التوكل على الله عز وجل أن نشتري مكانا خاصًّا بنا ليكون مسجدا فبدأنا نسافر إلى الدول الأوربية المجاورة نجمع فيها الأموال لشراء المسجد، والسؤال هو: هل ينطبق علينا قول الله تعالى: ( والعاملين عليها )؟؛ حيث أننا نترك الأهل والأولاد لأيام قد تطول وقد تقصر، وقد وقع خلاف بيننا، فمنا من يرى أنه يحق لنا أن نأكل ونشرب ونشتري ما نشتهي دون إسراف، وقسم يقول لا يحق لنا، فنريد حكم الله في ذلك؛ لقوله تعالى: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ).
نرجو منكم الإسراع في الرد علينا لأجل المصلحة، جزاكم الله خيرا على ما تقدمون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
الحمد لله
الأفضل أن يكون القائمون على الأعمال الخيرية من المتطوعين وممن عرف بحسن الخلق والدين والأمانة، خشية من تعرضهم لفتنة المال، وذبًّا عن عرضهم من اتهامهم بالباطل، وحفاظا على أموال المسلمين.
فإن لم يوجد أحد من المتطوعين لهذه الأعمال فلا حرج على الذين يسعون لجمع التبرعات من المحسنين من أخذ أجرة مقابل عملهم هذا، على أن تكون هذه الأجرة غير مبالغ بها، بل تكون أجرة أمثالهم من العاملين في هذا الباب.
وإذا كان للعاملين على جمع الزكاة نصيب منها حتى لو كانوا أغنياء, فإن جمع التبرعات من الصدقات النافلة أولى بالجواز، وننبه إلى أن كلا الفريقين إنما استحق الأجرة مقابل عمله، لا مقابل فقره وحاجته.
قال الشيخ ابن عثيمين:
العاملون على الزكاة مستحقون بوصف العمالة، ومن استحق بوصف أعطي بقدر ذلك الوصف، وعليه: فيعطون من الزكاة بقدر عمالتهم فيها، سواء كانوا أغنياء أم فقراء؛ لأنهم يأخذون الزكاة لعملهم لا لحاجتهم، وعلى هذا فيُعطون ما يقتضيه العمل من الزكاة، فإن قدر أن العاملين عليها فقراء: فإنهم يعطون بالعمالة، ويعطون ما يكفيهم لمدة سنة لفقرهم؛ لأنهم يستحقون الزكاة بوصفين العمالة عليها والفقر، فيعطون لكل من الوصفين … .
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 18 / السؤال رقم 351 ).
وننبه إلى أمر آخر مهم، وهو أن بعض الناس يُعطى مالا ليوصله إلى مستحقيه من الفقراء أو يُعطى تبرعات لمسجد أو غيره، فيظن نفسه من العاملين عليها فيأخذ منها قدرا معيَّنا، وهذا حرام لا يجوز؛ لأن العامل على الزكاة أو في الصدقات له عمل يقوم به من السعي والجمع والكتابة والتسليم، واليد هنا يد أمانة لا يد عامل، فالواجب عليه أداء الأمانة على وجهها وعد أخذ شيء منها.
سئل الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله –:
رجل غني أرسل زكاته لشخص، وقال: فرقها على نظرك، فهل يكون هذا الوكيل من العاملين على الزكاة ويستحق منها؟.
فأجاب بقوله:
ليس هذا الوكيل من العاملين عليها ولا يستحق منها؛ لأن هذا وكيل خاص لشخص خاص، وهذا هو السر – والله أعلم – في التعبير القرآني حيث قال: ( وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَـٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ؛ لأن ” على ” تفيد نوعاً من الولاية، كأن ” العاملين ” ضمنت معنى ” القائمين “، ولهذا صار الذي يتولى صرف الزكاة نيابة عن شخص معين لا يعد من العاملين عليها، والله أعلم.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 18 / السؤال رقم 275 ).
وحتى مصاريف السفر لا يجوز له خصمها من المبلغ الذي اؤتمن على إرساله لمستحقيه.
سئل الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله – أيضا –
شخص طلب منه إيصال مبلغ زكاة مال إلى الخارج وبشكل شخصي, فهل يجوز له التصرف بأن يقتطع من مبلغ الزكاة مصاريف السفر، علما أن لا يمكنه تحمل ذلك شخصيًّا؟ وجزاكم الله خيرا.
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل له أن يأخذ من الزكاة شيئاً لهذا السفر، لأن الواجب على من عليه الزكاة أن يوصلها إلى الفقير من ماله هو، فإذا كان يريد أن يذهب إلى مكان يحتاج إلى مؤنة سفر، فإنه يأخذ من صاحب المال الذي أعطاه مؤنة السفر، وأما حق الفقراء فيجب أن يُؤدى إليهم خالصا.
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 18 / السؤال رقم 276 ).
وننبه إلى أمر أخير وهو أنه لا يجوز لكم إذا جمعتم أموال زكاة أن تجعلوها في بناء المسجد، فمصارف الزكاة معلومة محصورة ليس منها بناء المساجد والمراكز.
ونسأل الله تعالى أن ييسر أمركم وأن يعينكم في مهمتكم هذه، وأن تكونوا دعاة خير وسنة.
والله أعلم.


