وجد لقَطة منذ سنة فأخذها لنفسه ولم يعرِّفها ثم لما أراد تعريفها ضاعت منه

السؤال

وجدت لقطة منذ سنَة في ” تاكسي ” وأخذتها، ولظروف مرَّت بي لم أعلن عنها علمًا بأنها لأناس خليجيين وأنا في مصر، والآن أبحث عنها في كل مكان لأقوم بالإعلان عنها فلم أجدها، فماذا أفعل؟ وإن كانت غالية فهل يمكن أن أتصدق بجزء من ثمنها؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا يجوز للمسلم الذي يجد لُقَطة يُباح لها التقاطها أن يُقدِم على أخذها إذا عرَف من نفسه عدم القدرة على حفظها وتعريفها، وأما إذا نوى واجدها أن يتملكها أو أن لا يعرِّفها: فهو آثم لغصبه مال غيره، وفي حال ضياع اللقطة منه فيضمنها لصاحبها مطلقًا سواء حصل تفريط منه في حفظها أو لم يحصل.

* قال شرف الدين الحجاوي – رحمه الله -:

” وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره إن أمِن نفسه على ذلك وإلا فهو كغاصب ” انتهى من ” زاد المستقنع ” ( ص 139 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – شارحًا -:

قوله: ” وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره إن أمنَ نفسه على ذلك “:

قوله: ” وله ” اللام هنا للإباحة، وهي في ضد المنع؛ لأنه لما قال ” حرُم أخذه ” قال: ” وله ” فهي في مقابل المنع، أي: لا يحرم عليه التقاط غير ذلك.

لكن هل الأفضل أن يلتقطه، أو الأفضل ألا يلتقطه، أو يحرم عليه أن يلتقطه؟.

يقول المؤلف: يحرم عليه إذا لم يأمن نفسه على ذلك، فإن كان لا يأمن نفسه أنه لو أخذه أنفقه إن كانت دراهم، أو ذبحه إن كانت شاة : فإنه يحرم عليه أخذه، ويكون حكمه حكم الغاصب.

أما إذا كان يعرف من نفسه أنه قادر على إنشاد الضالة: فهنا نقول فيه تفصيل: إن كان له قوة وقدرة على التعريف: فالأفضل أخذها، وإن كان يخشى ألا يقدر أو أن يشق عليه: فالأفضل تركها، وعلى هذا فقوله ” وله ” اللام للإباحة التي في مقابل المنع، وإلا فإنه قد يكون الأفضل تركها وقد يكون الأفضل أخذها.

فإن أمِن نفسه على ذلك ولم يخف عليها: فله الأخذ، لكن السلامة أولى فيتركها، فكم من إنسان أخذ اللقطة على أنه سيعرفها ثم يتهاون أو يأتيه شغل يمنعه من تعريفها، وما أشبه ذلك.

قوله: ” وإلا ” أي: وإلا يأمن نفسه على ذلك.

قوله: ” فهو كغاصب ” فيحرم عليه أخذه.

انتهى من ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 10 / 366 ، 367 ).

ثانيًا:

إذا عُلم أن من التقط لقطة لنفسه أو أنه لن يعرِّفها فإنه يكون غاصبًا: فإنه يترتب عليه ضمان هذه اللقطة على كل حال.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

” وإذا لم يعرِّفْها ولم يسلُك بها سنَّتها وغيَّب وكتم ولم يُعلم الناس أن عنده لقطة ثم قامت عليه البينة بأنه وجد لقطة ذكروها، وضمها إلى ( نفْسِه )، ثم ادَّعى تلفها: ضمِنَ؛ لأنه بذلك الفعل خارج عن حدود الأمانة ” انتهى من ” التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ” (3/122، 123 ).

ومعنى ضمانها: أنه يلزمه أن يردَّ عين اللقطة – وما تولَّد منها – لصاحبها إن عرفه في أي وقت ولو بعد سنوات، فإن كانت على حالها: ردَّ عينها، وإن نقصت قيمتها بالاستعمال أو بغيره: ضمن قيمة النق.

وإن ضاعت عين اللقطة أو تلفت فمعنى ضمانها: أنه يرد مثلها إن كانت من المثليات، ويرد قيمتها – وقت التصرف بها – إن كانت من المتقوَّمات غير المثليات.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 30 / 16 ): ” والضمان يكون برد العين إذا كانت موجودة، وإلا فعلى الغاصب مثلها إن كانت مثلية، أو قيمتها إن لم تكن مثلية ” . انتهى.

والخلاصة:

  1. أنه لم يكن يحل لك أخذ تلك اللقطة وفي نيتك أنك تتملكها ولا تعرفها.
  2. عليك التوبة من هذا الفعل، وحُكم فعلك أنه ” غصب ” تضمن به اللقَطة وإن كان ضياعها بغير تفريط منك.
  3. وعليك الإعلان عنها والتعريف بها ولو مرَّ عليها ما مرَّ من وقت، خلافاً لمن قال بسقوط التعريف بعد الحول، وسواء أدركت الحول الأول أم لم تدركه فقد سقط تملكك للقطة – على فرض وجودها – لأنك تركت التعريف في بعض الحول الأول.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

” ويتخرج أن لا يسقط التعريف بتأخره; لأنه واجب، فلا يسقط بتأخيره عن وقته، كالعبادات وسائر الواجبات، ولأن التعريف في الحول الثاني يحصل به المقصود على نوع من القصور، فيجب الإتيان به; لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ).

فعلى هذا إن أخَّر التعريف بعض الحول: أتى بالتعريف في بقيته، وأتمه من الحول الثاني، وعلى كلا القولين لا يملكها بالتعريف فيما عدا الحول الأول; لأن شرط الملك التعريف في الحول الأول، ولم يوجد ….

ولو ترك التعريف في بعض الحول الأول: لم يملكها أيضا بالتعريف فيما بعده; لأن الشرط لم يكمل، وعدم بعض الشرط كعدم جميعه، كما لو أخل ببعض الطهارة أو ببعض السترة في الصلاة “. انتهى – مختصرًا – من ” المغني شرح مختصر الخرقي ” ( 6 / 6 ، 7 ).

  1. ويتم التعريف بها في الصحف والسفارات التي تظن أن أصحابها يتبعون لبلدانها، وتعرِّفها حتى لو تصرفتَ بها أو ضاعت منك؛ لعلَّ أصحابها يظهرون لأخذ حقهم منك، وحقهم هو: قيمة تلك اللقطة عند أخذك لها، فإن عفوا عنك بعد علمهم بتضييعك لها: فقد برأت ذمتك، وإن طالبوا بقيمتها: فهو حقهم يجب عليك إعطاؤه لهم.
  2. إن لم يظهر أصحابها: فعليك التصدق بقيمة اللقطة عنهم في وجوه الخير المختلفة، وإن ظهر أصحاب اللقطة بعد التصدق عنهم وثبت أنها لهم: فهم بالخيار إما أن يمضوا الصدقة وإما أن يطالبوك بقيمتها وقت التصرف بها.

* قال علماء اللجنة الدائمة – لمن سأل عن عدم تعريف شاة حتى تناسلت -:

” يلزمك أن تقوِّم هذه الشاة وما تناسل منها ثم تتصدق بقيمتها بالنية عن صاحبها؛ حيث إنك لم تقُم بتعريفها عند عثورك عليها بين غنمك، فإن جاء صاحبها: فهو مخيَّر بين أن يأخذها وما تناسل منها، وبين أن يتنازل عنها ويمضي الصدقة التي تصدقتَ بها عنه “. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 471 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة