يتهمون زوجة أخيهم بعمل السحر من غير بيِّنة، حكم ذلك، والنصح فيه
السؤال
عندي سؤال أتمنى من سماحتكم إفادتنا وهو: هناك شخص يشيع هو وأخته إشاعة على زوجة أخيهم بأنها تفعل السحر هي وعائلتها، ولم يوجد هناك دليل، علماً بأن هذه الزوجة أعرفها بأنها حاجَّة ومصلية، وأخي عندما سمع هذا الكلام من أخي زوجها أصبح يتكلم عنها بالسوء ويقول أريد أن أسأل عنها، وأصبح كلام على هذه الزوجة في أغلب كلامه. أريد من سماحتكم نصيحة إلى أخي؟.
الجواب
الحمد لله
لم تختلف الشرائع السماوية على حفظ أعراض الناس ودينهم وعقلهم وأموالهم ونفوسهم، ومن وسائل حفظ أعراض الناس لجم الأفواه عن الطعن فيها وقذفها واتهامهما بما ليس فيها، ولذا لم تأت شريعة بإباحة الغيبة ولا بإباحة القذف ولا بإباحة الاتهام بالباطل من غير بينة، وتفاوتت الشرائع في عقوبة من يخالف أمر الله لكنها لم تختلف في تحريم قذف الأعراض والمنع من اتهام البريء بما ليس فيه.
والاتهام للشخص بعمل السحر هو من الاتهام بالباطل في العرض والدِّين، ولا يحل لأحد أن يتهم أحدًا بعمل السحر لآخر أو آخرين إلا أن يثبت ذلك بالبينة الشرعية، وطريق ذلك أمران:
الأول: الإقرار، ونعني به: اعتراف تلك المرأة أنها عملت سحرًا لأحد.
الثاني: الشهادة، ونعني به: شهادة ثقتين على تلك المرأة أنها قامت بعمل سحر لأحدٍ.
وما لم يوجد أحد هذين الأمرين: فإن اتهامها بعمل سحر هو قول منكر واتهام باطل، وفاعل ذلك يستحق الإثم والعقوبة، وقد أمرنا الله تعالى باجتناب الظن، وتوعد على ظلم الآخرين واتهامهم بما ليس فيهم، فقال تعالى في الأولى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا ) الحجرات/ 12، وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا إِخْوَانًا ) رواه البخاري ( 4849 ) ومسلم (2563 ).
وقال تعالى في الثانية: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) الأحزاب/ 58.
* قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:
والمراد بالأذى: أذى القول بقرينة قوله (فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا ) لأن البهتان من أنواع الأقوال، وذلك تحقير لأقوالهم، وأتبع ذلك التحقير بأنه ” إثم مبين “، والمراد بالمبين: العظيم القوي، أي: جُرمًا من أشد الجرم، وهو وعيد بالعقاب عليه.
وضمير ( اكْتَسَبُوا ) عائد إلى المؤمنين والمؤمنات على سبيل التغليب، والمجرور في موضع الحال، وهذا الحال لزيادة تشنيع ذلك الأذى بأنه ظلم وكذب.” التحرير والتنوير ” ( 22 / 105 ).
* سئل الشيخ عبد الرحمن البراك – حفظه الله -:
كيف يستطيع الإنسان أن يكتشف أن فلانا قد قام بعمل سحر له؟ خاصة أن لديه علامات، ولكنها ليست يقينية، ويخاف الواحد أن يكون ظالمًا، إني في حيرة، أرجو إجابتي، والله يحفظكم.
فأجاب:
المبتلى بالسحر أو بما يظن أن سحر لا طريق إلى اكتشاف الساحر الذي سحره أو دبَّر له السحر إلا بإقراره، أو ببيِّنة تشهد بأن فلانا عملَ سحرًا لفلان، أو سعى إلى من يسحره، وأما مجرد الظنون والقرائن الضعيفة : فلا يجوز أن يعوَّل عليها، فلا يجوز أن يعتمد على هذه الظنون والأوهام بلا برهان تؤدي إلى ظلم المتهم، كما لا يجوز الاعتماد في هذا على أخبار الجن الذين في بعض المصروعين، كما لو قال بعضهم إنه مربوط بسحر من فلان أو فلان؛ فإن الجن الذي في الملموس فاسق أو كافر، فلا يجوز تصديقه إذا قال: إن فلانًا عمل سحرًا لفلان: فإن قوله ليس بحجة، فالواجب الحذر من الانسياق مع الظنون وأقوال فسقة الجن أو السحرة؛ فإن مِن السحرة مَن يخبر بمحل السحر وبمن قال به وهو يعتمد في ذلك على أخبار الشياطين، أو يكون كذابًا يقول ذلك من عند نفسه؟
وعلى كل حال: فالجزم بتعيين الساحر بأنه هو الذي قام وعمل السحر لذلك المبتلى من أصعب الأشياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
http://www.islamlight.net/index.php?option=com_ftawa2&task=view&Itemid=0&catid=1466&id=2132
ولما سبق كله: فعلى كل من يطعن على تلك المرأة بأنها تعمل السحر أن يتقي الله تعالى ربَّه، وأن يعلم أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وأن الله تعالى سائله على ما افتراه عليها، وما دام أنه ليس ثمة اعتراف أو شهود فيبقى الأمر في دائرة الظن المذموم، وهذا الافتراء والكذب قد يلحق مثله المتكلم بالباطل فيفتري عليه الناس كما افترى هو على غيره، ولا رادع للناس في القول على الآخرين بالباطل إلا العقوبات التعزيرية في الدنيا، والوعيد الأخروي بالعذاب.
فليحفظ المسلم عليه لسانه، وليلتفت لنفسه، وليبك على خطيئته، وليكف أذاه عن المسلمين.
والله أعلم.


