مقدار دعاء القنوت وترتيله

السؤال

ما حكم ترتيل دعاء القنوت وتطويله لأكثر من ( 20 دقيقة )، مع ما يتخلله من دعاء أشبه ما يكون بالكلام؟

الجواب

الحمد لله

أولا:

القنوت في صلاة الوتر سنة مستحبة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت بعض الأحاديث في بيان صيغة دعاء القنوت.

عن الْحَسَن بْن عَلِيٍّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – قال:

عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ:

” اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ “.  رواه أبو داود (1425) والترمذي (464) وحسنه، وصححه ابن عبد البر في ” الاستذكار ” (2/285) والنووي في ” الأذكار ” (86).

ثانيا:

الزيادة على الصيغة الواردة لا بأس بها، فإن المقام مقام دعاء، والدعاء أمره واسع، والزيادة فيه مشروعة، كما أنه لا يتعين الالتزام بالصيغة المأثورة، بل يجوز الدعاء بكل صيغة مأثورة وغير مأثورة.

يقول النووي – رحمه الله – في ” المجموع ” (3/477-478):

” قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: قول من قال يتعين ( أي الدعاء الوارد ) شاذ مردود، مخالف لجمهور الأصحاب، بل مخالف لجماهير العلماء، فقد حكى القاضي عياض اتفاقهم على أنه لا يتعين في القنوت دعاء … وقال صاحب الحاوي: يحصل بالدعاء المأثور وغير المأثور ” انتهى.

وجاء في ” الموسوعة الفقهية ” (34/63):

” وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة ” انتهى.

وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – في ” الشرح الممتع ” (4/52):

” ولو زاد على ذلك فلا بأس لأن المقام مقام دعاء ” انتهى.

ثالثا:

ما هو مقدار القنوت؟ وهل يشرع التطويل فيه أم لا؟.

إذا تأملنا في حديث الحسن بن علي السابق، نجد أن الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم له دعاء مختصر موجز، لا يكاد يستغرق الدقائق المعدودات، مما يدل على أن الأولى في دعاء القنوت هو الاختصار والاقتصار على جوامع الدعاء.

جاء في مغني المحتاج (1/369) :

” قال في المجموع عن البغوي: وتكره إطالة القنوت كالتشهد الأول، وقال القاضي حسين: ولو طَوَّلَ القنوت زائدًا على العادة كُره ” انتهى.

ولكن لما جاء عن بعض الصحابة الزيادة في دعاء القنوت، والتوسع في صيغته ( انظر سنن البيهقي 2/210-211).

دل ذلك على أنه لا حرج من التطويل أحيانًا بالقدر الذي لا يشق على الناس، خاصة في العشر الأواخر من رمضان، حين يلتمس الناس ليلة القدر.

جاء في الموسوعة الفقهية (34/63):

” وله أن يزيد ما شاء مما يجوز به الدعاء في الصلاة “.

قال المجد ابن تيمية: فقد صح عن عمر – رضي الله عنه – أنه كان يقنت بقدر مائة آية، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ” انتهى.

يقول ابن القيم في ” بدائع الفوائد ” (4/921): 

– ” اختلف قوله ( يعني الإمام أحمد ) في قدر القيام في القنوت:

فعنه: بقدر ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ), أو نحو ذلك، وقد روى أبو داود، وسمعت أحمد سئل: عن قول إبراهيم: القنوت قدر ( إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّت )، قال: هذا قليل، يعجبني أن يزيد.

وعنه: كقنوت عمر.

وعنه: كيف شاء.

وجه الأولى: أنَّه وَسَط من القيام، والثانية: فعل عمر، والثالثة: أن طريقه الاستحباب، فسقط التوقيت فيه ” انتهى.

والأحسن في هذا كله والله أعلم هو الاعتدال، فإن خير الأمور الوسط، وقد نهت الشريعة أن نشق على الناس، ولا أرى من يطيل الدعاء أكثر من عشرين دقيقة إلا وقد شق على من خلفه، وأطال إطالة فاحشة، خاصة إذا اعتاد ذلك في كل ليلة.

سئل الشيخ ابن عثيمين السؤال التالي ” فتاوى علماء البلد الحرام ” (152):

” بعض أئمة المساجد في رمضان يطيلون الدعاء، وبعضهم يُقَصّر، فما هو الصحيح؟.

فأجاب – رحمه الله -:

” الصحيح ألا يكون غلو ولا تقصير، فالإطالة التي تشق على الناس منهي عنها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا بلغه أن معاذ بن جبل أطال الصلاة في قومه، غضب عليه غضبًا لم يغضب في موعظة مثله قط، وقال لمعاذ بن جبل: ” يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنتَ؟ “. رواه البخاري (6106) ومسلم (465).

فالذي ينبغي أن يقتصر على الكلمات الواردة، أو يزيد.

ولا شك في أن الإطالة شاقة على الناس وترهقهم، ولا سيما الضعفاء منهم، ومِن الناس مَن يكون وراءه أعمال، ولا يُحِبُّ أن ينصرف قبل الإمام، ويشق عليه أن يبقى مع الإمام، فنصيحتي لإخواني الأئمة أن يكونوا بَيْنَ بَيْنَ، كذلك ينبغي أن يترك الدعاء أحيانًا، حتى لا يظن العامة أن الدعاء واجب ” انتهى.

رابعا:

أما ما سألت عنه من حكم ترتيل دعاء القنوت، وتحسين الصوت به، فقد سئل عنه الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -، فأجاب جوابًا مفصلًا.

سئل – رحمه الله – كما في ” فتاوى البلد الحرام ” (153) ما يلي:

بعض أئمة المساجد يحاول ترقيق قلوب الناس، والتأثير فيهم، بتغيير نبرة صوته أحيانًا، في أثناء صلاة التراويح، وفي دعاء القنوت، وقد سمعت بعض الناس يُنكر ذلك، فما قولكم – حفظكم الله – في هذا؟.

فكان جوابه:

” الذي أرى أنَّه إذا كان هذا العمل في الحدود الشرعية، بدون غلو، فإنه لا بأس به، ولا حرج فيه، ولهذا قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم: ” لَو كُنتُ أَعلَمُ أَنَّكَ تَستَمِعُ إِلَى قِرَاءَتِي لَحَبَّرتُهُ لَكَ تَحبِيرًا ” أي: حسَّنتُها وزينتها.

فإذا أحسن بعض الناس صوتَه، أو أتى به على صفة ترقِّقُ القلوب، فلا أرى في ذلك بأسًا، لكنَّ الغلو في هذا، لكونه لا يتعدى كلمةً في القرآن إلا فعل مثل هذا الفعل الذي ذكر في السؤال، أرى أنَّ هذا من باب الغلو، ولا ينبغي فعله، والعلم عند الله ” انتهى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة