حكم الدفاع عن النفس والمال وهل من يقتل يكون شهيدا وتفصيل معنى الشجاعة
السؤال
ورد في أحد الأحاديث أنه جاء رجل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وسأله عن رجل يريد أخذ ماله فقال له: ” لا تعطه مالك ” إلى أن قال له: ” هو في النار “.
هل معنى هذا أنه بلغ منزلة الشهداء مثل الشهيد الذي يموت في المعركة وله نفس الكرامات منها عدم سؤاله في القبر، وهو من الأحياء عند ربهم؟ وهل يعتبر من قتل شخصا يريد أن يسرقه ليس آثما؟ وهل الدفاع عن النفس فرض عين؟ وكيف يصبح الإنسان شجاعا؟ هل بتقوية الإيمان فقط أم بخوض معارك؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
نص الحديث:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ, قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ, قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ, قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ. رواه مسلم ( 140 ).
وقوله صلى الله عليه وسلم في حق المقتول دون ماله إنه ” شهيد ” نصٌّ في أن له أجر الشهيد الوارد في السنَّة، لكن لا يلزم من هذا أنه في درجته ومنزلته؛ لما هو معروف من تفاوت درجات شهداء القتال أنفسهم فيما بينهم، كما أن أحكام شهيد القتال الدنيوية لا تطبَّق عليه، لذا فهو يغسَّل ويكفَّن.
قال النووي – رحمه الله -:
واعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:
أحدها: المقتول في حرب بسبب من أسباب القتال، فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفي أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا وهو المبطون, والمطعون, وصاحب الهدم, ومن قتل دون ماله, وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدًا فهذا يغسل ويصلى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء, ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: مَن غلَّ في الغنيمة وشبهه من وردت الآثار بنفي تسميته شهيداً إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل, ولا يصلى عليه, وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة. ” شرح مسلم ” ( 2 / 65 ).
ثانيا:
كما أنَّ الحديث نصٌّ في عدم إثمه إن قتلَ مَن أراد أخذ ماله؛ إذ هو مأذون له في الشرع أن يقاتله، ولو أدى ذلك إلى قتله له.
قال النووي – رحمه الله -:
وأما أحكام الباب ففيه جواز قتل القاصد لأخذ المال بغير حق سواء كان المال قليلاً أو كثيراً لعموم الحديث، وهذا قول لجماهير العلماء.
وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا كالثوب والطعام, وهذا ليس بشيء والصواب ما قاله الجماهير.
” شرح مسلم ” ( 2 / 65 ).
ثالثا:
لا يختلف العلماء في وجوب الدفاع عن الحريم، وأما الدفاع عن المال فجائز غير واجب، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: ” فلا تعطه مالك ” أي: لا يلزمك أن تعطيه.
وأما حكم الدفاع عن النفس: ففيه خلاف بين العلماء:
فذهب الحنفية والمالكية إلى وجوب الدفاع عن النفس، ولا فرق عندهم بين أن يكون الصائل مسلماً أو كافراً أو بهيمة.
واختلف الشافعية على أقوال ثلاثة، أظهرها: وجوب الدفاع عن النفس في حال كان الصائل كافراً أو بهيمة، وأما إن كان مسلماً: فلا يجب الدفاع عن النفس، بل يجوز الاستسلام له.
وذهب الحنابلة إلى وجوب الدفاع عن النفس إلا في زمان الفتنة.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 28 / 103 – 105 ):
– اختلف الفقهاء في حكم دفع الصّائل على النّفس وما دونها:
فذهب الحنفيّة – وهو الأصحّ عند المالكيّة – إلى وجوب دفع الصّائل على النّفس وما دونها، ولا فرق بين أن يكون الصّائل كافرا أو مسلما، عاقلا أو مجنونا، بالغا أو صغيرا، معصوم الدّم أو غير معصوم الدّم، آدميًّا أو غيره.
واستدلّ أصحاب هذا الرّأي بقوله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ).
فالاستسلام للصّائل إلقاء بالنّفس للتّهلكة؛ لذا كان الدّفاع عنها واجبا.
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إن كان الصّائل كافرا والمصول عليه مسلما وجب الدّفاع, سواء كان هذا الكافر معصوما أو غير معصوم، إذ غير المعصوم لا حرمة له، والمعصوم بطلت حرمته بصياله، ولأنّ الاستسلام للكافر ذلّ في الدّين، وفي حكمه كلّ مهدور الدّم من المسلمين، كالزّاني المحصن، ومن تحتّم قتله في قطع الطّريق ونحو ذلك من الجنايات.
كما يجب دفع البهيمة الصّائلة، لأنّها تذبح لاستبقاء الآدميّ، فلا وجه للاستسلام لها، مثلها ما لو سقطت جرّة ونحوها على إنسان ولم تندفع عنه إلاّ بكسرها.
أمّا إن كان الصّائل مسلماً غير مهدور الدّم فلا يجب دفعه في الأظهر، بل يجوز الاستسلام له، سواء كان الصّائل صبيًّا أو مجنونا، وسواء أمكن دفعه بغير قتله أو لم يمكن، بل قال بعضهم: يسنّ الاستسلام له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” كن كابن آدم ” – يعني هابيل – ولما ورد عن الأحنف بن قيس قال: خرجت بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تريد؟ قلت: أريد نصرة ابن عمّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: ” إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النّار. قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنّه أراد قتل صاحبه “.
ولأنّ عثمان – رضي الله عنه – ترك القتال مع إمكانه، ومع علمه بأنّهم يريدون نفسه، ومنع حرّاسه من الدّفاع عنه – وكانوا أربعمائة يوم الدّار – وقال: من ألقى سلاحه فهو حرّ، واشتهر ذلك في الصّحابة – رضي الله عنهم – فلم ينكر عليه أحد.
ومقابل الأظهر – عند الشّافعيّة – أنّه يجب دفع الصّائل مطلقاً، أي سواء كان كافرا أو مسلما، معصوم الدّم أو غير معصوم الدّم، آدميًّا أو غير آدميّ؛ لقوله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ).
وفي قول ثالث عندهم: أنّه إن كان الصّائل مجنونا أو صبيًّا فلا يجوز الاستسلام لهما؛ لأنّهما لا إثم عليهما كالبهيمة.
وذهب الحنابلة إلى وجوب دفع الصّائل عن النّفس في غير وقت الفتنة؛ لقوله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) .
ولأنّه كما يحرم عليه قتل نفسه يحرم عليه إباحة قتلها.
أمّا في زمن الفتنة، فلا يلزمه الدّفاع عن نفسه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” فإن خشيت أن يبهرك شعاع السّيف، فألق ثوبك على وجهك “.
ولأنّ عثمان – رضي الله عنه – ترك القتال على من بغى عليه مع القدرة عليه، ومنع غيره قتالهم، وصبر على ذلك, ولو لم يجز لأنكر الصّحابة عليه ذلك.
انتهى.
والأظهر من الأقوال: وجوب الدفاع عن النفس، وهو قول الجمهور، لكن ينبغي التنبه إلى أن الصائل يُدفع بالأسهل فالأسهل، ولا يجوز مباشرة قتله مع القدرة على دفعه بغير القتل، ولو بالهرب.
رابعا:
والسؤال عن الشجاعة يقتضي منا تبيين بعض المسائل حولها، ومنها:
أ. أن فضيلة الشجاعة هي حيث تكون لتحقيق منفعة في الدين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
ومما ينبغي أن يعلم أن الشجاعة إنما فضيلتها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله، وإلا فالشجاعة إذا لم يستعن بها صاحبها على الجهاد في سبيل الله: كانت إمَّا وبالاً عليه إن استعان بها صاحبها على طاعة الشيطان، وإما غير نافعة له إن استعملها فيما لا يقربه إلى الله تعالى. ” منهاج السنة النبوية ” ( 8 / 86 ).
وقال ابن القيم – رحمه الله –:
والشجاعة تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك بعنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال: ” ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب “، وهو حقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه.
” مدارج السالكين ” ( 2 / 308 ).
ب. وليس الشجاع هو من قَتل كثيرا، بل الشجاع هو قوي القلب، وهو الذي يملك نفسه عند الغضب، فإذا أضيف إليهما قوة في البدن كان شجاعا كاملا، ولا شك أن النبي صلى الله عليه كان أشجع الناس، كما وصفه أصحابه – رضي الله عنهم -، ومنهم من كان يتقي به في المعركة، وهو من الأبطال، ولما فرَّ بعض أصحابه من ” حنين ” ثبت وقاتل.
عَنْ أَنَسٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ, وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ وَقَالَ: وَجَدْنَاهُ بَحْرًا. رواه البخاري ( 2665 ) ومسلم ( 2307 ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وكمال الشجاعة هو الحلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” ليْس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب “.
” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 432 ) .
وقال – رحمه الله -:
والشجاعة تفسر بشيئين:
أحدهما: قوة القلب وثباته عند المخاوف، والثاني: شدة القتال بالبدن، بأن يقتل كثيرا ويقتل قتلا عظيما.
والأول: هو الشجاعة، وأما الثاني: فيدل على قوة البدن وعمله.
وليس كل من كان قوي البدن كان قوي القلب ولا بالعكس، ولهذا تجد الرجل الذي يقتل كثيرا يقال: إذا كان معه من يؤمِّنه إذا خاف أصابه الجبن وانخلع قلبه، وتجد الرجل الثابت القلب الذي لم يقتل بيديه كثيرا ثابتا في المخاوف، مقداما على المكاره، وهذه الخصلة يحتاج إليها في أمراء الحروب وقواده ومقدميه أكثر من الأولى؛ فإن المقدَّم إذا كان شجاع القلب ثابتاً أقدم وثبت ولم ينهزم فقاتل معه أعوانه، وإذا كان جبانا ضعيف القلب ذل ولم يقدم ولم يثبت ولو كان قوي البدن.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان أكمل الناس في هذه الشجاعة التي هي المقصودة في أئمة الحرب ولم يقتل بيده إلا أبيّ بن خلف، قتله يوم ” أُحُد “، ولم يَقتل بيده أحداً لا قبلها ولا بعدها، وكان أشجع من جميع الصحابة، حتى أن جمهور أصحابه انهزموا يوم ” حنين ” وهو راكب على بغلة والبغلة لا تكر ولا تفر وهو يقدم عليها إلى ناحية العدو وهو يقول:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
فيسمِّي نفسه، وأصحابه قد انكفوا عنه، وعدوه مقدم عليه، وهو مقدم على عدوه على بغلته والعباس آخذ بعنانها، وكان عليٌّ وغيره يتقون برسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أشجع منهم وإن كان أحدهم قد قتل بيده أكثر مما قتل النبي صلى الله عليه وسلم. ” منهاج السنة النبوية ” ( 77 – 79 ).
ج. وأما كيف يكتسب هذه الشجاعة؟ فيمكنه ذلك من خلال أمور، منها:
- تقوية قلبه بالإيمان والتوكل والثقة بالله تعالى.
- قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والنظر في غزواته.
- قراءة سير الشجعان من مجاهدي الإسلام وأبطاله.
والله أعلم.


