حكم مشاركة المسلم في التجارة مع الكافر والفاسق
السؤال
هل يجوز أن أشترك مع كافر أو فاسق في التجارة؟ وإذا كنتُ شريكا في التجارة مع رجل مسلم فاسق أو كافر، ثم انسحبت لكن بقي رأس مالي عنده على أساس يسدد لي المال نقدا بدل البضاعة في المستقبل، فهل عليَّ زكاة مالي الذي يتجر فيه، علما بأني لا أحصل على أي فائدة من ذلك المال، أم الزكاة على شريكي؟ علما بأن شريكي لا يدفع الزكاة، أو أنه قد يدفع الزكاة لكن في غير مصاريف الزكاة، فإذا لم يدفع زكاة ذلك المال فهل عليَّ زكاة ذلك؟ وأيضا قررنا أن يسدد لي الدَّين الذي عليه بأن نبني بناية لنؤجرها، ففي هذه الحال كيف يكون الزكاة؟ يعني: أني لا أحصل الدَّين الذي على شريكي نقدا، بل عند سداد الدَّيْن الذي عليه سيذهب ذلك المال مباشرة في تكلفة البناية، نرجو منكم التوضيح.
الجواب
الحمد لله
أولا:
الشركة – أو الشراكة – بين طرفين، أو أكثر: جائزة، بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.
أما في الكتاب: ففي قوله تعالى: ( وإنَّ كثيرًا من الخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهم عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ ما هُم ) [ ص / من الآية 24 ]، والخلطاء: هم الشركاء.
وأما السنَّة فقد استدلوا بما روي عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ, فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا “. رواه أبو داود ( 3383 ) وضعفه الألباني، وحسَّنه غيره، وثمة ما يغني عنه.
* ونقل الإجماع أكثر من واحد من العلماء في الجملة على جواز الشراكة.
ثانيا:
وأما بخصوص شراكة الكافر والفاسق: فإن الأصل فيها الجواز.
عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما – قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ” خيبر ” اليهود أن يعملوها، ويزرعوها، ولهم شطر ما يخرج منها.
رواه البخاري ( 2366 ).
– والحديث بوَّب عليه البخاري في كتاب الشركة من صحيحه بقوله: ” باب مشاركة الذمي والمشركين في المزارعة “.
فهذا هو الأصل، لكن ذهب أكثر أهل العلم على كراهة مشاركة الكافر، ومثله الفاسق الذي يختلط ماله الحلال بالحرام، فإن غلب المال الحرام عندهما على الحلال، ومن باب أولى أن يكون كل مالهما حراما: لم تجز مشاركتهما.
– فالشرط الأول لجواز مشاركتهما: أن يكون مالهما حلالاً كله, أو أكثره.
– والشرط الثاني: أن تكون التجارة مباحة في الأصل، فلا يحل للمسلم مشاركة أي أحد في بيع المعازف، أو الخمور، أو المسارح، ودور السينما، وغير ذلك من المحرمات القطعية.
– والشرط الثالث: أن يتولى المسلم أمر تجارته، ولا يترك ذلك للكافر والفاسق؛ خشية من عبثهما بالتجارة، وإدخال ما يحرم من التجارة على ما يحل.
– والشرط الرابع: أن لا تجر تلك المشاركة إلى موالاة الكافر، ومحبته.
ومع هذا: فإننا نرى للمسلم أن يربأ بتجارته أن تخالطها أموال كافر، أو فاسق، وليعلم أن البركة من الله تعالى، وإذا رأى الله مثل هؤلاء الشركاء فإنه قد يمحق بركة تجارتهما، لذا فلو يبحث المسلم عن مثله من أهل الخير والعدل والأمانة ليشاركه: لكان أفضل.
وفي ” الملخص الفقهي ” للشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – ( 2 / 124 ):
وتجوز مشاركة المسلم للكافر بشرط أن لا ينفرد الكافر بالتصرف، بل يكون بإشراف المسلم؛ لئلا يتعامل الكافر بالربا، أو المحرمات إذا انفرد عن إشراف المسلم. انتهى.
وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
هل يجوز للمسلم أن يكون شريكا للنصراني في تربية الأغنام، أو تجارتها، أو أي تجارة أخرى؟ أفيدونا، أفادكم الله.
فأجاب:
فإن اشتراك مسلم مع نصراني، أو غيره من الكفرة في المواشي، أو في الزراعة، أو في أي شيء آخر: الأصل في ذلك: جوازه إذا لم يكن هناك موالاة، وإنما تعاون في شيء من المال، كالزراعة، أو الماشية، أو نحو ذلك، وقال جماعة من أهل العلم: بشرط أن يتولى ذلك المسلم، أي: أن يتولى العمل في الزراعة، أو في الماشية: المسلم، ولا يتولى ذلك الكافر؛ لأنه لا يؤمن.
وهذا فيه تفصيل: فإن كانت هذه الشركة تجر إلى موالاة، أو لفعل ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله: حرمت هذه الشركة؛ لما تفضي إليه من الفساد، أما إن كانت لا تفضي لشيء من ذلك، والمسلم هو الذي يباشرها، وهو الذي يعتني بها، حتى لا يخدع: فلا حرج في ذلك.
ولكن بكل حال: فالأولى به السلامة من هذه الشركة، وأن يشترك مع إخوانه المسلمين، دون غيرهم، حتى يأمن على دينه، ويأمن على ماله، فالاشتراك مع عدو له في الدين: فيه خطر على خلُقه، ودينه، وماله، فالأولى بالمؤمن في كل حال أن يبتعد عن هذا الأمر؛ حفظا لدينه، وحفظا لعِرضه، وحفظا لماله، وحذرا من خيانة عدوه في الدين، إلا عند الضرورة، والحاجة التي قد تدعو إلى ذلك، فإنه لا حرج عليه بشرط مراعاة ما تقدم.
أي: بشرط أن لا يكون في ذلك مضرة على دينه، أو عرضه، أو ماله، وبشرط أن يتولى ذلك بنفسه؛ فإنه أحوط له، فلا يتولاه الكافر، بل يتولى الشركة، والأعمال فيها: المسلم، أو مسلم ينوب عنهما جميعا.
” فتاوى نور على الدرب ” ( 1 / 377 ، 378 ).
* وينظر تفصيل أقوال المذاهب في المشاركة مع الكافر: ” الموسوعة الفقهية ” ( 2 / 312 ، 313 ) .
وما يقال في مشاركة الكافر يقال في مشاركة الفاسق، بجامع العلة بينهما، وهو عدم الأمن من تصرفاته، ومن خشية نزع البركة من الشركة، فمن حيث الأصل: يجوز، والأولى: ترك مشاركتهما، والأصل في المسلم أنه يبغض الكفر والفسق، ويبغض أهلهما، ومن لوازم البغض البعد عن الاتصال بهما، ومشاركتهما، إلا أن يرجو هدايتهما، ويستثمر تلك المشاركة من أجل ذلك، فيكون حينئذٍ على خير، ويُرجى له الأجر.
ثالثا:
وخروجك من الشراكة مع أي أحدٍ كان مع بقاء مالٍ لك في ذمة شريكك بعد المخالصة: يوجب عليك إضافة هذا المال لما عندك، وتزكي الجميع، ولا علاقة لك بعد تلك المخالصة بالتجارة التي بقي عليها شريكك، وإنما لك مال في ذمته، ليس بضاعة، ولا تجارة.
وتبقى تؤدي زكاة ذلك المال الذي في ذمة شريكك حتى يوضع ذلك المال في بناء بناية، وهنا يختلف الحكم بعدها باختلاف الغرض من تلك البناية، فإن كانت بنيت من أجل بيعها، أو بيع شققها: فعليها الزكاة على قيمتها عند حلول الحول، وإن كانت بنيت بغرض التأجير: فلا زكاة عليها، ولا على ما يحصَّل من أجرتها إلا أن يُحبس المال منها معك حولا كاملًا، مع بلوغه للنصاب.
والله أعلم.


