التربية العقدية للطفل في صغره بين من يؤيد ومن يمنع

السؤال

نحن لم نتعود على سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ الطفولة؛ حيث إن التربية في بلدنا كانت تتم حسب العرف، وليس حسب الدِّين، وأرغب الآن على تعويد صغاري على اتباع السنة النبوية؛ لإيماني الشديد بأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وإنما يوحى إليه، وما يقوله حتى ولو لم نفهمه هو عين الصواب، لكن زوجي يقول: إن تعويد الأطفال على الأدعية النبوية – قبل دخول الخلاء، وقبل الخروج من المنزل، وعدم اللعب في الخارج عند المغرب، وبعد الغروب، وكثرة التعوذ من الشيطان، وغيره من وصايا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم – يربكهم، ويصيبهم بالوسواس، وأن الحديث أصلاً عن الشيطان للأطفال غير محبب ويخوفهم.

أنا مقتنعة يا فضيلة الشيخ بالتربية العقيدية منذ سن الصغر، وأن السنَّة – والفروض طبعاً – إن لم تزرع في الصغر فلن يتعودوا عليها، فما رأيك؟ وأريدك أن تحكم بيننا، علما بأنني لست إنسانا كاملا، وأحاول قدر جهدي أن ألتزم بشرائع الله، وأعوض أي تقصير، أو جهل سابق بحكم عدم تربية أهلنا لنا على شرائع الإسلام.

الجواب

الحمد لله

إن تربية الأولاد من أشق الأعمال على الوالدين، ولذا فإن الأجر يعظم لهما على حسن تربيتهم، والعناية بهم، دينيًّا، وسلوكيًّا، ويكون الأولاد بذلك مصدر سعادة، وأجر الوالدين؛ حيث يكتب الله أجور أعمالهم وطاعاتهم لوالديهم؛ لأنهما السبب في وجودهم، والسبب في تربيتهم، وصلاحهم.

وإن أول ما ينبغي للوالدين الحرص عليه في تلك التربية: هو العناية بأولادهم في جانب الاعتقاد، فيتربَّى الأولاد منذ صغرهم على تعظيم الله تعالى، وعلى القيام بأوامره، والابتعاد عن نواهيه، وعلى حفظ كلامه القرآن الكريم؛ تعظيما لقائله.

ولا يختلف الأمر بخصوص الأدعية والأذكار التي تحفَّظ للولد في صغره، بل هو يصب في ذلك التعظيم بالله تعالى، فيتعلم الولد أنه لا ينجيه من الشر إلا الله، وأن الله تعالى مالك الملك، فيتعود على طلب حاجته من ربه عز وجل، وهذا كله يرسِّخ جانب الاعتقاد السليم في قلب الولد منذ صغره.

ولا نرى لاعتراض أحدٍ على ذلك وجها، بل إننا لنشد على يد كل مربي يسعى في غرس الاعتقاد الصحيح في قلب الأولاد منذ صغرهم، وإننا لنحث الآباء والأمهات على تصحيح المسار في جانب التربية على هذا الاعتقاد السليم.

وإننا لنعجب ممن يخالف في هذا وهو يرى أن الأولاد يتربون على الخوف من الأوهام والخيالات والأشياء المجهولة، فكثيراً ما يُسمع تخويف الأولاد من ” العَو “! أو ” الغول ” أو ” الشبح “! فكيف يرضى المسلم أن تكون مثل الاعتقادات مغروسة في قلب ولده، ولا يرضى أن يتربى على الخوف من الله، والاستعاذة به تعالى؟! وتتنوع الاعتقادات الفاسدة في حياة الأولاد منذ صغرهم بتنوع بيئاتهم، وثقافة مجتمعاتهم، وقد أدركنا بعض تلك البيئات إذا انكسر سنُّ ولد منهم خاطب الشمس قائلاً لها: ” يا شمس خذي سن الحمار! وأعطيني سن الغزال! “، نعم، يخاطب الشمس، ويطلب منها، ويعتقد أن تقبل، وتبدِّل، وكل ذلك برعاية وعناية الآباء والأمهات، فأي وجه لإنكار التربية على العقيدة الصحيحة، والطلب من الله تعالى أن يرزقه خيراً مما أَخذ منه، وأنه تعالى وحده القادر على ذلك؟!.

ولننظر – بإنصاف – إلى السنَّة النبوية لتكون حكما بيننا وبين مخالفينا:

هذا النبي صلى الله عليه وسلم يُردف خلفه ” غلاما ” صغيرا، ويوصيه بوصايا، ولنتأمل هذه الوصايا لذاك الغلام ما هي:

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: ” يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ, إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ, وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ, لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ “.

رواه الترمذي ( 2516 ) وقال: حديث حسن صحيح.

فهذه وصايا النبي صلى الله عليه لذلك الغلام، ولنتأملها مرة أخرى، وسنجد فيها أعظم قواعد الاعتقاد الصحيح، وأدق تفاصيله، بل إن هذه الأبواب قد ضلَّ في عدم فهمها طوائف كثيرة منتسبة للإسلام، راحت تسأل الأموات، والأحجار، وتستعين بالجن، والشياطين، وضلت في باب القضاء والقدر.

وهذه الوصايا الجليلة كانت موجهة من نبي هذه الأمة، ومعلمها، صلى الله عليه وسلم، لغلام صغير، ولم يمنع صغر سنِّه من غرس الاعتقاد الصحيح في قلبه، ونفسه.

قال الدكتور محمد بن عبد العزيز بن أحمد العلي – حفظه الله -:

مما يؤخذ من هذا الجزء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم – أي: قوله: ” يا غلام: إني أعلمك كلمات “ الأمور التالية:

  1. وجوب تعليم الناس العقيدة الصحيحة، وتربيتهم عليها، وعلى العلم النافع، ويكون ذلك بأسلوب مختصر، وكلِم جامع واضح، فلو تأملت هذا الحديث: لوجدته جامعا لمسائل عقدية كثيرة بأسلوب موجز.
  2. الحرص على تربية الناشئة على العلم النافع، ويبدأ بتربيتهم على العقيدة الصافية الخالصة؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وجَّه هذه الكلمات النافعات إلى ابن عباس وهو صغير؛ إذ قال له: ” يا غلام: إني أعلمك كلمات)؛ ليتربى الشاب المسلم على معرفة الله وتوحيده، وحفظ حدوده، يلجأ إلى الله في الرخاء والشدة، ويسأله ويســتعين به، ويتوكل عليه عز وجل، فيصبح شجاعا مقداما؛ لأنه يعلم أنه لا يملك أحد من البشر له نفعا ولا ضرا إلا بإذن الله تعالى، ولأن الله معه ينصره ويؤيده وييسر له أموره، ما دام متمسكا بشرع الله إخلاصا واتباعا.

فعلى الجميع الحرص على غرس الإيمان في نفوس الأبناء، وتربيتهم على فهم أصول الإيمان، والعمل بأحكام الإسلام، وتعويدهم على المراقبة والمحاسبة منذ الصغر، قبل أن تصلهم الفلسفات الإلحادية، والشبهات البدعية، والشهوات المغرضة، وغير ذلك مما تشنه تلك الحملات المسعورة من حرب ضروس ضد شباب الأمة ذكورا وإناثا، مرة باسم التثقيف، وباسم التسلية والترفيه مرات أخرى.

” مجلة جامعة أم القرى “، العدد 23، شوال 1422هـ، ديسمبر ( كانون الأول ) 2001 م

وبما سبق تعلمين أننا معك في تعليم أولادكم القرآن، والأذكار، والأدعية، والتربية على العقيدة السليمة، وغرس ذلك في قلوبهم منذ الصغر.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة