هل هناك فرق بين المصيبة الحاصلة على الإنسان بتفريطه وتهاونه أم الكل سواء؟ وتفصيل مهم بمسألة القدر.
السؤال
فضيلة الشيخ/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من المعلوم أن الصبر على أقدار الله عز وجل واحتساب أجرها عند الله من عقيدة المسلم, وكذلك الرضا بالمقدور الذي قدره الله عز وجل منزلة من منازل المؤمنين الذين يتفاوتون فيها, فهل هناك فرق بين المصيبة الحاصلة على الإنسان بتفريطه وتهاونه أم الكل سواء؟ بمعنى آخر: إنسان فاته التعليم والجد والاجتهاد في طلب العلم وهو قادر عليه ثم بعد أن بلغ من العمر ما بلغ أخذ يتحسر بل ويصل به الحزن إلى درجة كبيرة ويقول: كيف فرطت أيام كانت الظروف مواتية ومتاحة لي، بينما يرى بعض الإخوان أن هذا الحزن والتأفف فيه اعتراض على القدر؛ لأنهم يقولون لو أراد الله لك ذلك لكان, أرجو التوضيح أكثر لأني لا أستطيع أن أصوغ السؤال إلا بهذه الطريقة؟, ولعل المقصود قد اتضح لفضيلتكم, أسأل الله تعالى أن يهديكم للحق والصواب وأن يحسن لكم العاقبة في الأمور كلها.
الجواب
الحمد لله
- المؤمن الموحد يعلم أن كل شيء إنما هو بقدَر الله تعالى، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ليس ثمة شيء يمكن أن يحجز قدر الله أن ينفذ في خلقه سبحانه وتعالى، وبذا يطمئن قلب المؤمن الموحِّد، ويعلم أن لا مجال للأسى والحزن أن يكونا في حياته؛ لأن أمر الله سبق، ومشيئته نفذت.
قال الله تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [ الحديد / الآية 22 – 23 ] .
وقال تعالى : ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) [ التوبة / الآية 51 ] .
- وإذا كان هذا هو حال المؤمن الموحد لم يكن في حياته ندم على ما فاته، ولن تكون ” لو ” التحسر في قاموسه، وهذا الذي قدَّره الله تعالى على عبده لا يخلو من حالين:
الأول: أن يكون بسبب معصية وقع فيها العبد، فقدَّر الله عليه بسببها مصائب. قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) [ الشورى / من الآية 30 ].
والثاني: أن يكون ذلك ابتلاء من الله لرفع درجته، وتكفير سيئاته.
فماذا يصنع المؤمن الموحِّد بعد أن يعلم هذا ويعتقده اعتقاداً جازماً؟ الواجب عليه إن كانت المصيبة بسبب معصية فعلها، أو آثام ارتكبها أن يبادر إلى التوبة والاستغفار، وأن يرجع إلى ربه ويئوب، ويندم على ما اكتسبه، ويُصلح ما بينه وبين خاله ومولاه، قال تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) [ طه / الآية 82 ].
وإن كانت المصيبة مجرد ابتلاء لرفع الدرجات وتكفير السيئات: فليس أمام المؤمن الموحِّد إلا الرضا بقدر الله، واحتساب ما أصابه لربه تعالى، راجيا الأجور، طامعا في تكفير الذنوب.
وفي كلا الحالين لن يكون قلب المؤمن الموحد إلا قويًّا مطمئنًّا، ولن يصيبه الضعف والخور، بل يبادر إلى الطاعة والعمل، وإن كان عاصيا ترك معاصيه وعاد أفضل مما كان، وإن كان طائعاً ازداد في طاعة خالقه ومولاه.
- والشيطان يحاول إضعاف قلب المؤمن، وإدخال الحزن والأسى على قلبه، ويبذل جهده لقذف العجز في جوارحه، وكل ذلك بقول ” لو ” على ما مضى مما فعله، أو مما لم يفعله، ومع هذا الشر والفساد كله: فهو يجعله يفتري الكذب ويقول: ” لو كان كذا لكان كذا “! وما يدريه أن الأمر كذلك؟ فانظر – رعاك الله – إلى ما يحدثه الشيطان من التحسر والحزن والكذب على قدر الله تعالى، ومع ذلك كله فهو يضعفه عن العمل، ويُعجزه عن الطاعة، ويظل يندب حظه ويتحسر حتى يفوت عمره! وقد أخبرنا الله تعالى أن هذا من فعل المنافقين، وحذَّرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أن نسلك هذا الطريق.
قال الله تعالى: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) [ آل عمران / من الآية 154 ].
وقال تعالى: ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) [ آل عمران / من الآية 168 ].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ, احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَلَا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ, فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ “. رواه مسلم ( 2664 ).
وانظر وتأمل هذا الحديث العظيم، وفيه بيان الفرق بين المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، وفيه الحث على العمل وعدم العجز، وكل ذلك مناسب تماما للنهي عن التحسر بقول ” لو “.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ, احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَلَا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ “. رواه مسلم (2664).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
( كتابة الأعمال كتابة سابقة، وكتابة لاحقة, والكتابة السابقة كتابة على أن هذا سيفعل كذا، وهذه الكتابة لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، لأن المرء لم يكلف بها بعد، وكتابة لاحقة وهي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان حسنة كتبها الله، وإذا فعل سيئة كتبها الله، وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، وبما قررناه يزول الإشكال عند بعض الناس في قول الله تبارك وتعالى: ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) , فإن بعض الناس قد يشكل عليه هذه الآية، كيف يقول عز وجل: ( حتى نعلم ) وهو قد علم؟ فيقال: ( حتى نعلم ) يعني العلم الذي يترتب عليه الثواب، وأما علم الله السابق فإنه لا يترتب عليه الثواب ولا العقاب, والكتابة السابقة معناها أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ كل شيء، كما جاء في الحديث الصحيح :” أن الله لما خلق القلم قال له: اكتب، قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة “, فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، نؤمن بهذا.
قال الله تعالى: ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأَرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير ).
وقال عز وجل: ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأَرض يرثها عبادي الصالحون ) أما الكتابة اللاحقة فهي أن الله سبحانه وتعالى إذا عمل الإنسان عملاً كتبه.
قال الله تعالى: ( كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين ) وهذه الكتابة هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب ( وكل شيء فعلوه في الزبر )، ومعنى الآية: أن كل شيء يفعله الإنسان فإنه مكتوب، فلا تظن أنه يضيع عليك شيء أبداً، كما قال عز وجل: ( ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا ) . سبحان الله، بعد مئات السنين التي لا يعلمها إلا الله يجدونه حاضرا، لا يظلم ربك أحدا، ( وكل صغير وكبير مستطر )، كل صغير وكبير مما يحدث في هذا الكون من المخلوقات، وأوصافها، وأعمالها، ( مستطر )، أي: مسطر في الكتاب العزيز- اللوح المحفوظ – كل صغير وكبير, حتى الشوكة يشاكها الإنسان تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال يكتب، كل صغير وكبير، وإذا آمنت بذلك ويجب عليك أن تؤمن به، فإنه يجب عليك الحذر من المخالفة، فإياك أن تخالف بقولك، أو فعلك، أو تركك، لأن كل شيء مكتوب، قال الله عز وجل: ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) , وما يفعل من فعل كذلك لديه رقيب عتيد؛ لأنه إذا كانت الأقوال تكتب وهي أكثر بآلاف المرات من الأفعال، فما تنطق به لا يحصى، فإذا كانت الأقوال تكتب، فالأفعال من باب أولى، فعليك أن تتقي الله عز وجل ولا تخالف الله. إذا سمعت الله يقول خبرا، فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله يقول شيئا أمرا، فقل: آمنت به سمعاً وطاعة، نهياً آمنت به، وسمعا وطاعة, فاترك المنهي عنه، وافعل المأمور به، ( إن المتقين في جنات ونهر ) هذا مقابل قوله: ( إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ) تفسير القرآن للعثيمين (12 / 29,27).
قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله –:
” قلب الموحد المؤمن، لا يكون محققًا مكملًا للتوحيد حتى يعلم أن كل شيء بقضاء الله جل وعلا وبقدره، وأن ما فعله سبب من الأسباب, والله جل وعلا ماض قدره في خلقه، وأنه مهما فعل فإنه لن يحجز قدر الله جل وعلا، فإذا كان كذلك كان القلب معظمًا لله جل وعلا في تصرفه في ملكوته، وكان القلب لا يخالطه تمني أن يكون شيء فات على غير ما كان، وأنه لو فعل كذا لتغير ذلك السابق، بل الواجب أن يعلم أن قضاء الله نافذ، وأن قدره ماض، وأن ما سبق من الفعل قد قدره الله جل وعلا وقدر نتائجه، فالعبد لا يمكنه أن يرجع إلى الماضي فيغير, وإذا استعمل لفظ ( لو ) أو لفظ ( ليت ) وما أشبهها من الألفاظ التي تدل على الندم، وعلى التحسر على ما فات، فإن ذلك يضعف القلب، ويجعله متعلقًا بالأسباب، منصرفًا عن الإيقان بتصريف الله جل وعلا في ملكوته، وكمال التوحيد إنما يكون بعدم الالتفات إلى الماضي؛ فإن الماضي الذي حصل إما أن يكون مصيبة أصيب بها العبد فلا يجوز له أن يقول: لو فعلت كذا لما حصل كذا، بل الواجب عليه أن يصبر على المصيبة، وأن يرضى بفعل الله جل وعلا, ويستحب له الرضى بالمصيبة.
وإذا كان ما أصابه في الماضي معصية فإن عليه أن يسارع في التوبة والإنابة, وأن لا يقول: لو كان كذا لم يكن كذا, بل يجب عليه أن يسارع في التوبة والإنابة حتى يمحو أثر المعصية, فتبين أن ما مضى من المقدر للعبد معه حالان: إما أن يكون ذلك الذي مضى مصائب، فحالها كما ذكرنا، وإما أن يكون معايب ومعاصي, فالواجب عليه أن ينيب, وأن يستغفر, وأن يقبل على الله جل جلاله, وقد قال سبحانه: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) [ طه / الآية 82].
والشيطان يدخل على القلب، فيجعله يسيء الظن بربه جل وعلا وبقضائه وبقدره، وإذا دخلت إساءة الظن بالله ضعف التوحيد ولم يحقق العبد ما يجب عليه من الإيمان بالقدر والإيمان بأفعال الله جل جلاله؛ ولهذا عقد المصنف هذا الباب؛ لأن كثيرين يعترضون على القدر من جهة أفعالهم، ويظنون أنهم لو فعلوا أشياء لتغير الحال والله جل وعلا قد قدر الفعل وقدر نتيجته، فالكل موافق لحكمته سبحانه وتعالى.
وقول الله تعالى: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) [ آل عمران / من الآية 154 ] , وقوله: ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) [ آل عمران / من الآية 168 ].
تقدم أن قول ( لو ) في الماضي لا يجوز, وأنه محرم, ودليل ذلك واضح من الآيتين, ومناسبة الآيتين للباب ظاهرة: وهو أن التحسر على الماضي بالإتيان بلفظ (لو ) إنما هو من خصال المنافقين, قال جل وعلا عن المنافقين: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) , وقال: ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) , وهذا في قصة غزوة أحد كما هو معروف، فهذا من كلام المنافقين، فيكون استعمال ( لو ) من خصال النفاق، وهذا يدل على حرمتها.
في الصحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن ( لو )، تفتح عمل الشيطان “, ووجه مناسبة هذا الحديث: قوله: ” وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا “, و( لو) هنا كانت على الماضي، وقوله: ” فلا تقل ” نهي، والنهي للتحريم؛ وهذا لأنه سوء ظن؛ ولأنه فتح عمل الشيطان، فالشيطان يأتي المصاب فيغريه بـ ( لو ) حتى إذا استعملها ضعف قلبه وعجز، وظن أنه سيغير من قدر الله شيئًا، وهو لا يستطيع أن يغير من قدر الله شيئًا، بل قدر الله ماض؛ ولهذا أرشده عليه الصلاة والسلام أن يقول: ” قدر الله وما شاء فعل “؛ لأن ذلك راجع إلى قدره وإلى مشيئته، هذا كله من النهي, والتحريم راجع إلى ما كان من استعمال ( لو ) أو ( ليت ) وما شابههما من الألفاظ في التحسر على الماضي، وتمني أن لو فعل كذا حتى لا يحصل له ما سبق، كل ذلك فيما يتصل بالماضي.
أما المستقبل كأن يقول: لو يحصل لي كذا وكذا في المستقبل، فإنه لا يدخل في النهي؛ لأنها حينئذ تكون للتعليق في المستقبل، وترادف ( إن ).
فاستعمال ( لو ) في المستقبل الأصل فيه الجواز، إلا إن اقترن بذلك اعتقاد أن فعله سيكون حاكمًا على القدر كاعتقاد بعض الجاهليين، أنه إن حصل لي كذا فعلت كذا، تكبرًا وأنفة واستعظامًا لفعلهم وقدرتهم، فإن هذا يكون من المنهي؛ لأن فيه تجبرًا وتعاظمًا، والواجب على العبد أن يكون ذليلًا؛ لأن القضاء والقدر ماض، وقد يحصل له الفعل ولكن ينقلب على عقبيه كحال الذي قال الله جل وعلا فيه: ( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ . فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) [ التوبة / الآية 75 – 77 ].
فإنهم قالوا: لئن كان لنا كذا وكذا لنفعلن كذا وكذا، فلما أعطاهم الله جل وعلا المال بخلوا به وتولوا وهم معرضون، فهذا فيه نوع تحكم على القدر وتعاظم، فاستعمال ( لو ) في المستقبل إذا كانت في الخير مع رجاء ما عند الله بالإعانة على أسباب الخير فهذا جائز، أما إذا كان على وجه التجبر والاستعظام، فإنه لا يجوز؛ لأن فيه نوع تحكم على القدر “. كفاية المستزيد بشرح كتاب التوحيد (1 / 449,446).
قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:
” عندما يقع الإنسان في مكروه أو تصيبه مصيبة؛ فإنه لا يقول: لو أني فعلت كذا؛ ما حصل علي هذا! أو: لو أني لم أفعل؛ لم يحصل كذا! لما في ذلك من الإشعار بعدم الصبر على ما فات مما لا يمكن استدراكه، ولما يشعر به اللفظ من عدم الإيمان بالقضاء والقدر، ولما في ذلك من إيلام النفس وتسليط الشيطان على الإنسان بالوساوس والهموم.
والواجب بعد نزول المصائب التسليم للقدر، والصبر على ما أصاب الإنسان، مع عمل الأسباب الجالبة للخير والواقية من الشر والمكروه بدون تلوم.
وقد ذم الله الذين قالوا هذه الكلمة عند المصيبة التي حلت بالمسلمين في وقعة أحد، فقال تعالى: ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) , هذه مقالة قالها بعض المنافقين يوم أحد لما حصل على المسلمين ما حصل من المصيبة، قالوها يعارضون القدر، ويعتبون على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين خروجهم إلى العدو، فرد الله عليهم بقوله تعالى: ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) ؛ أي: هذا قدر مقدر من الله لا بد أن يقع، ولا يمنع منه التحرز في البيوت والتلهف.
وقول ” لو ” بعد نزول المصيبة لا يفيد إلا التحسر والحزن وإيلام النفس والضعف مع تأثيره على العقيدة من حيث إنه يوحي بعدم التسليم للقدر .
ثم ذكر سبحانه عن هؤلاء المنافقين مقالة أخرى، وذلك في قوله تعالى: ( الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ) ، وهذه من مقالات المنافقين يوم أحد أيضًا، ويروى أن عبد الله بن أبي كان يعارض القدر ويقول: لو سمعوا مشورتنا عليهم بالقعود وعدم الخروج؛ ما قتلوا مع من قتل, فرد الله عليهم بقوله: ( قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ) ؛ أي: إذا كان القعود وعدم الخروج يسلم به الشخص من القتل أو الموت؛ فينبغي أن لا تموتوا، والموت لا بد أن يأتي إليكم في أي مكان؛ فادفعوه عن أنفسكم إن كنتم صادقين في دعواكم أن من أطاعكم سلم من القتل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر مقالة ابن أُبَيّ هذه؛ قال: ” فلما انخزل يوم أحد، وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان – أو كما قال -؛ انخزل معه خلق كثير، كان كثير منهم لم ينافق قبل ذلك؛ فأولئك كانوا مسلمين، وكان معهم إيمان هو الضوء الذي ضرب الله به المثل؛ فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق؛ لماتوا على الإسلام، وهؤلاء لم يكونوا من المؤمنين حقًا الذين امتحنوا فثبتوا على المحنة، ولا من المنافقين الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة . . . ” انتهى.
والشاهد منه أن اللهج بكلمة ( لو ) عند حصول المصائب من سمات المنافقين الذين لا يؤمنون بالقضاء والقدر.
فيجب على المؤمن الابتعاد عن التلفظ بهذه الكلمة عندما تصيبه محنة أو مكروه، وأن يعدل إلى الألفاظ الطيبة التي فيها الرضى بما قدر الله والصبر والاحتساب، وهي الألفاظ التي وجه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك, واستعن بالله, ولا تعجزن، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا, ولكن قل قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان “؛ فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى فعل الأسباب التي تنفع العبد في دنياه وآخرته مما شرعه الله تعالى لعباده من الأسباب الواجبة والمستحبة والمباحة، ويكون العبد في حال فعله السبب مستعينًا بالله؛ ليتم له سببه وينفعه؛ لأن الله تعالى هو الذي خلق السبب والمسَبَّب، والجمع بين فعل السبب والتوكل على الله توحيد، ثم نهى عن العجز، وهو ترك فعل الأسباب النافعة، وهو ضد الحرص على ما ينفع؛ فإذا حرص على ما ينفعه، وبذل السبب ثم وقع خلاف ما أراد أو أصابه ما يكره فلا يقل: لو أني فعلت كذا؛ لكان كذا وكذا؛ لأن هذه الكلمة لا تجدي شيئًا، وإنما تفتح عمل الشيطان، وتبعث على التأسف ولوم القدر، وذلك ينافي الصبر والرضى، والصبر واجب، والإيمان بالقدر فرض، ثم أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى اللفظ النافع المتضمن للإيمان بالقدر، وهو أن يقول: ” قدر الله وما شاء فعل “؛ لأن ما قدره الله لا بد أن يكون، والواجب التسليم للمقدور، وما شاء الله فعل؛ لأن أفعاله لا تصدر إلا عن حكمة.
قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -: ” والعبد إذا فاته المقدور له حالتان:
حالة عجز: وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى ( لو ) ، ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم.
والحالة الثانية: النظر إلى المقدور وملاحظته, وأنه لو قدر لم يفته, ولم يغلبه عليه أحد, فأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبه وحال فواته، ونهاه عن قول ( لو ) ، وأخبره أنها تفتح عمل الشيطان؛ لما فيها من التأسف على ما فات والتحسر والحزن ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان، وليس هذا لمجرد لفظ ( لو ) ؛ بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان.
فإن قيل: الرسول قد قال هذه الكلمة حينما أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة ولم يفسخ هو لأنه ساق الهدي؟.
فالجواب عن ذلك: أن قوله صلى الله عليه وسلم: ” لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي “: خبر عن مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، بل هو إخبار لأصحابه أنه لو استقبل الإحرام بالحج؛ ما ساق الهدي، ولأحرم بالعمرة، قال ذلك لهم لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة؛ حثًّا وتطييبًا لقلوبهم لما رآهم توقفوا في أمره؛ فليس هذا من المنهي عنه، بل هو إخبار لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عن ذلك في معارضة القدر “. الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد (1 / 124,121).
قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:
” لا شك أن إثبات القضاء والقدر ووجوب الإيمان بهما وبما تضمناه من أعظم أركان الإيمان؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” الإيمان: أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وبالقدر خيره وشره “، وقال تعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ).
والقدر: مصدر: قدرت الشيء: إذا أحطت بمقداره.
والمراد هنا: تعلق علم الله بالكائنات وإرادته لها أزلًا قبل وجودها؛ فلا يحدث شيء إلا وقد علمه الله وقدره وأراده.
ومذهب أهل السنة والجماعة هو الإيمان بالقدر خيره وشره.
والإيمان بالقدر يتضمن أربع درجات:
- الأولى: الإيمان بعلم الله الأزلي بكل شيء قبل وجوده، ومن ذلك علمه بأعمال العباد قبل أن يعملوها.
- الثانية: الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
- الثالثة: الإيمان بمشيئة الله الشاملة لكل حادث وقدرته التامة عليه.
- الرابعة: الإيمان بإيجاد الله لكل المخلوقات، وأنه الخالق وحده، وما سواه مخلوق.
ومن أدلة المرتبة الأولى والثانية قوله تعالى: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) .
ومن أدلة المرتبة الثالثة قوله تعالى: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) , وقوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ) .
ومن أدلة المرتبة الرابعة قوله تعالى: ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) , وقوله تعالى: ( وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ).
والتقدير نوعان:
1- تقدير عام شامل لكل كائن، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ؛ فقد كتب الله فيه مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة، كما في الحديث الذي رواه أبو داوود في ” سننه ” عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه -؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” أول ما خلق الله القلم، قال: له اكتب! قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة “, وهذا التقدير يعم جميع المخلوقات.
وتقدير مفصل للتقدير العام، وهو أنواع:
- النوع الأول: التقدير العمري؛ كما في حديث ابن مسعود في شأن ما يكتب على الجنين وهو في بطن أمه من كتابة أجله, ورزقه, وعمله, وشقاوته, أو سعادته.
- النوع الثاني: التقدير الحولي، وهو ما يقدر في ليلة القدر من وقائع العام؛ كما قال تعالى: ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) .
- النوع الثالث: التقدير اليومي، وهو ما يقدر من حوادث اليوم من حياة وموت وعز وذل .. إلى غير ذلك؛ كما في قوله تعالى: ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ).
ولا بد للمسلم من الإيمان بالقدر العام وتفاصيله؛ فمن جحد شيئًا منهما؛ لم يكن مؤمنًا بالقدر، ومن لم يؤمن بالقدر؛ فقد جحد ركنًا من أركان الإيمان؛ كما عليه الفرقة القدرية الضالة التي تنكر القدر، وهم في هذا الإنكار على قسمين:
- القسم الأول: القدرية الغلاة الذين ينكرون علم الله بالأشياء قبل كونها، وينكرون كتابته لها في اللوح المحفوظ، ويقولون: إن الله أمر ونهى، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه؛ فالأمر أنف ( أي: مستأنف ) ، لم يسبق في علم الله وتقديره, وهذه الفرقة قد انقرضت أو كادت.
– القسم الثاني: تقر بالعلم، ولكنها تنفي دخول أفعال العباد في القدر، وتزعم أنها مخلوقة لهم استقلالًا، لم يخلقها الله ولم يردها، وهذا مذهب المعتزلة.
وقابلتهم طائفة غلت في إثبات القدر حتى سلبوا العبد قدرته واختياره، وقالوا: إن العبد مجبر على فعله، ولذلك سموا بالجبرية.
وكلا المذهبين باطل لأدلة كثيرة؛ منها:
قوله تعالى: ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ؛ لأن قوله تعالى: ( لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ): يرد على الجبرية؛ لأن الله تعالى أثبت للعباد مشيئة، وهم يقولون: إنهم مجبورون لا مشيئة لهم, وقوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ): فيه الرد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله، وهذا قول باطل؛ لأن الله علق مشيئة العبد على مشيئته سبحانه، ربطها بها وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، فلم يُفَرِّطوا تفريط القدرية النفاة، ولم يُفَرِّطوا إفراط الجبرية الغلاة.
فمذهب سلف الأمة وأئمتها أن جميع أنواع الطاعات والمعاصي والكفر والفساد واقع بقضاء الله وقدره، لا خالق سواه؛ فأفعال العباد كلها مخلوقة لله؛ خيرها وشرها، حسنها وقبيحها، والعبد غير مجبور على أفعاله، بل هو قادر عليها, وقاصد لها, وفاعل لها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: ” الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي هي من العبد، بمعنى أنها قائمة بالعبد وحاصلة بمشيئته وقدرته، وهو المتصف بها والمتحرك بها الذي يعود حكمها عليه، وهي من الله، بمعنى أنه خلقها قائمة بالعبد، وجعلها عملًا له وكسبًا؛ كما يخلق المسببات بأسبابها؛ فهي من الله مخلوقة له، ومن العبد صفة قائمة به واقعة بقدرته وكسبه؛ كما إذا قلنا: هذه الثمرة من الشجرة، وهذا الزرع من الأرض؛ بمعنى أنه حدث منها، ومن الله بمعنى أنه خلقه منها، لم يكن بينهما تناقض . . . ” انتهى.
وقال السفاريني: ” والحاصل أن مذهب أهل السلف ومحققي أهل السنة أن الله تعالى خلق قدرة العبد وإرادته وفعله، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة ومحدث لفعله، والله سبحانه جعله فاعلًا له محدثًا له؛ قال تعالى: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) . . . ؛ فأثبت مشيئة العبد، وأخبر أنها لا تكون إلا بمشيئة الله، وهذا صريح قول أهل السنة في إثبات مشيئة العبد، وأنها لا تكون إلا بمشيئة الله . . . ” انتهى.
وأقول: إن مما يؤيد هذا أن الله أعطى الإنسان عقلًا وقدرة واختيارًا، ولا يحتسب فعله له أو عليه؛ إلا إذا توفرت فيه هذه القوى.
فالمجنون والمعتوه أو المكره لا اعتبار لما يصدر منهم من الأقوال والأفعال، ولا يؤاخذون عليها، مما يدل على أنه ليس بمجبر ولا مستقل بنفسه. والله المستعان.
ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر:
إن من أعظم ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر صحة إيمان الشخص بتكامل أركانه؛ لأن الإيمان بذلك من أركان الإيمان الستة التي لا يتحقق إلا بها؛ كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر طمأنينة القلب وارتياحه وعدم القلق في هذه الحياة عندما يتعرض الإنسان لمشاق الحياة؛ لأن العبد إذا علم أن ما يصيبه فهو مقدر لا بد منه ولا راد له، واستشعر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك “؛ فإنه عند ذلك تسكن نفسه ويطمئن باله؛ بخلاف من لا يؤمن بالقضاء والقدر؛ فإنه تأخذه الهموم والأحزان، ويزعجه القلق حتى يتبرم بالحياة ويحاول الخلاص منها ولو بالانتحار؛ كما هو مشاهد من كثرة الذين ينتحرون فرارًا من واقعهم وتشاؤمًا من مستقبلهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالقضاء والقدر، فكان تصرفهم ذلك نتيجة حتمية لسوء اعتقادهم.
وقد قال الله تعالى: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) , فأخبرنا سبحانه أنه قدر ما يجري من المصائب في الأرض وفي الأنفس؛ فهو مقدر ومكتوب لا بد من وقوعه مهما حاولنا دفعه، ثم بين أن الحكمة من إخباره لنا بذلك لأجل أن نطمئن فلا نجزع, ولا نأسف عند المصائب, ولا نفرح عند حصول النعم فرحًا ينسينا العواقب، بل الواجب علينا الصبر عند المصائب, وعدم اليأس من روح الله، والشكر عند الرخاء, وعدم الأمن من مكر الله، ونكون مرتبطين بالله في الحالتين.
قال عكرمة – رحمه الله -: ” ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن؛ ولكن جعلوا الفرح شكرًا والحزن صبرًا “.
وليس معنى هذا أن العبد لا يتخذ الأسباب الواقية من الشر والجالبة للخير، وإنما يتكل على القضاء والقدر؛ كما يظن بعض الجهال، هذا من أكبر الغلط والجهل؛ فإن الله أمرنا باتخاذ الأسباب، ونهانا عن التكاسل والإهمال، ولكن إذا اتخذنا السبب وحصل لنا عكس المطلوب؛ فعلينا أن لا نجزع؛ لأن هذا هو القضاء المقدر، ولو قدر غيره؛ لكان، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان “. رواه مسلم .
وعلى العبد مع هذا أن يحاسب نفسه ويصحح أخطاءه؛ فإنه لا يصيبه شيء إلا بسبب ذنوبه؛ قال تعالى: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ).
ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر الثبات عند مواجهة الأزمات، واستقبال مشاق الحياة بقلب ثابت ويقين صادق لا تزلزله الأحداث ولا تهزه الأعاصير؛ لأنه يعلم أن هذه الحياة دار ابتلاء وامتحان وتقلب؛ كما قال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) , وقال تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ).
كم جرى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته من المحن والشدائد، لكنهم واجهوها بالإيمان الصادق والعزم الثابت حتى اجتازوها بنجاح باهر، وما ذاك إلا لإيمانهم بقضاء الله وقدره، واستشعارهم لقوله تعالى: ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ).
ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر تحويل المحن إلى منح، والمصائب إلى أجر؛ كما قال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ).
قال علقمة: ” هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم “.
ومعنى الآية الكريمة: من أصابته مصيبة، فعلم أنها من قدر الله، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله؛ هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدًى في قلبه ويقينًا صادقًا، وقد يخلف الله عليه ما كان أخذ منه, أو خيرًا منه، وهذا في نزول المصائب التي هي من قضاء الله وقدره، لا دخل للعبد في إيجادها إلا من ناحية أنه تسبب في نزولها به، حيث قصر في حق الله عليه بفعل أمره وترك نهيه؛ فعليه أن يؤمن بقضاء الله وقدره، ويصحح خطأه الذي أصيب بسببه وبعض الناس يخطئون خطأ فاحشًا عندما يحتجون بالقضاء والقدر على فعلهم للمعاصي وتركهم للواجبات، ويقولون: هذا مقدر علينا! ولا يتوبون من ذنوبهم؛ كما قال المشركون: ( لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ) وهذا فهم سيئ للقضاء والقدر؛ لأنه لا يحتج بهما على فعل المعاصي والمصائب، وإنما يحتج بهما على نزول المصائب؛ فالاحتجاج بهما على فعل المعاصي قبيح؛ لأنه ترك للتوبة, وترك للعمل الصالح المأمور بهما، والاحتجاج بهما على المصائب حسن؛ لأنه يحمل على الصبر والاحتساب.
ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر أنه يدفع الإنسان إلى العمل والإنتاج والقوة والشهامة؛ فالمجاهد في سبيل الله يمضي في جهاده ولا يهاب الموت؛ لأنه يعلم أنه لا بد منه، وأنه إذا جاء لا يؤخر، لا يمنع منه حصون ولا جنود، ( أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ) , ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) , وهكذا حينما يستشعر المجاهد هذه الدفعات القوية من الإيمان بالقدر؛ يمضي في جهاده حتى يتحقق النصر على الأعداء, وتتوفر القوة للإسلام والمسلمين.
وكذلك بالإيمان بالقضاء والقدر يتوفر الإنتاج والثراء؛ لأن المؤمن إذا علم أن الناس لا يضرونه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، ولا ينفعونه إلا بشيء قد كتبه الله له؛ فإنه لن يتواكل، ولا يهاب المخلوقين، ولا يعتمد عليهم، وإنما يتوكل على الله، ويمضي في طريق الكسب، وإذا أصيب بنكسة، ولم يتوفر له مطلوبه؛ فإن ذلك لا يثنيه عن مواصلة الجهود، ولا يقطع منه باب الأمل، ولا يقول: لو أنني فعلت كذا؛ كان كذا وكذا! ولكنه يقول: قدر الله وما شاء فعل, ويمضي في طريقه متوكلًا على الله، مع تصحيح خطئه، ومحاسبته لنفسه، وبهذا يقوم كيان المجتمع، وتنتظم مصالحه، وصدق الله حيث يقول: ( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) . الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ( 1 /278, 285 ).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
” لكن القوة في قوله صلى الله عليه وسلم: ” المؤمن القوي “، تعني قوة الإيمان؛ لأن كلمة ( القوي ) تعود إلى الوصف السابق وهو الإيمان، كما تقول: الرجل القوي، أي في رجولته، كذلك المؤمن القوي يعني في إيمانه؛ لأن المؤمن القوي في إيمانه تحمله قوة إيمانه على أن يقوم بما أوجب الله عليه، وعلى أن يزيد من النوافل ما شاء الله، والضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفا لا يحمله على فعل الواجبات، وترك المحرمات فيقصر كثيرا.
وقوله: ” خير ” يعني خير من المؤمن الضعيف، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ” وفي كل خير “, يعني المؤمن القوي والمؤمن الضعيف كل منهما فيه خير، وإنما قال: ” وفي كل خير ” لئلّا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك.
وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو أن يتكلم الإنسان كلاماً يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين، ومثال ذلك في القرآن قوله تبارك وتعالى: ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) [ الحديد / من الآية 10 ]، لما كان قوله: ( أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ) يوهم أن الآخرين ليس لهم حظ من هذا، قال: ( وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ).
ومن ذلك قوله تعالى: ( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ) [ الأنبياء / من الآية 79 ]، لما كان هذا يوهم أن داود عنده نقص، قال تعالى: ( وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْما وَعِلْما ).
ومن ذلك قوله تعالى: ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) [ النساء / من الآية 95 ] ، فهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” وفي كل خير ” أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، لكن القوي خير وأحب إلى الله.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: ” احرص على ما ينفعك “, هذه وصية من الرسول عليه الصلاة والسلام لأمته، وهي وصية جامعة مانعة, ” احرص على ما ينفعك ” يعني اجتهد في تحصيله ومباشرته، وضد الذي ينفع الذي فيه ضرر، وما لا ينفع فيه ولا ضرر، وذلك لأن الأفعال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ينفع الإنسان، وقسم يضره، وقسم لا ينفع ولا يضر .
فالإنسان العاقل الذي يقبل وصية صلى الله عليه وسلم هو الذي يحرص على ما ينفعه، وما أكثر الذين يضيعون أوقاتهم اليوم في غير فائدة، بل في مضرة على أنفسهم وعلى دينهم، وعلى هذا فيجدر بنا أن نقول لمثل هؤلاء: إنكم لم تعملوا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم؛ إما جهلاً منكم, وإما تهاوناً، لكن المؤمن العاقل الحازم هو الذي يقبل هذه النصيحة، ويحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه.
وهذا حديث عظيم ينبغي للإنسان أن يجعله نبراسا له في عمله الديني والدنيوي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” احرص على ما ينفعك “, وهذه الكلمة كلمة جامعة عامة، ” على ما ينفعك ” أي على كل شيء ينفعك, سواء في الدين أو في الدنيا، فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فقدم منفعة الدين؛ لأن الدين إذا صلح صلحت الدنيا، أما الدنيا إذا صلحت مع فساد الدين فإنها تفسد.
وفي قوله: ” احرص على ما ينفعك ” إشارة إلى أنه تعارضت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى، فإننا نقدم المنفعة العليا؛ لأن المنفعة العليا فيها المنفعة التي دونها وزيادة، فتدخل في قوله: ” احرص على ما ينفعك “.
فإذا اجتمع صلة أخ وصلة عم كلاهما سواء في الحاجة، وأنت لا يمكنك أن تصل الرجلين جميعاً، فهنا تقدم صلة الأخ؛ لأنها أفضل وأنفع، وكذلك أيضاً لو أنك بين مسجدين كلاهما في البعد سواء لكن أحدهما أكثر جماعة, فإننا نقدم الأكثر جماعة؛ لأنه الأفضل، فقوله: ” على ما ينفعك ” يشير إلى أنه إذا اجتمعت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى فإنها تقدم الأعلى.
وبالعكس إذا كان الإنسان لا بد أن يرتكب منهيًّا عنه من أمرين منهي عنهما وكان أحدهما أشد، فإنه يرتكب الأخف، فالمناهي يقدم الأخف منها, والأوامر يقدم الأعلى منها.
وقوله عليه الصلاة والسلام: ” واستعن بالله “: ما أروع هذه الكلمة بعد قوله :” احرص على ما ينفعك “؛ لأن الإنسان إذا كان عاقلاً ذكيًّا فإنه يتتبع المنافع ويأخذ بالأنفع ويجتهد، ويحرص، وربما تغره نفسه حتى يعتمد على نفسه وينسى الاستعانة بالله، وهذا يقع لكثير من الناس، حيث يعجب بنفسه ولا يذكر الله عز وجل ويستعين به، فإذا رأى من نفسه قوة على الأعمال وحرصا على النافع وفعلاً له، أعجب بنفسه ونسي الاستعانة بالله، ولهذا قال: ” احرص على ما ينفعك واستعن بالله ” أي لا تنس الاستعانة بالله ولو على الشيء اليسير، وفي الحديث: ” ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ” يعني حتى الشيء اليسير لا تنس الاستعانة بالله عز وجل، حتى ولو أردت أن تتوضأ أو تصلي أو تذهب يمينا أو شمالا أو تضع شيئا فاستحضر أنك مستعين بالله عز وجل، وأنه لولا عون الله ما حصل لك هذا الشيء.
ثم قال:” ولا تعجز ” يعني استمر في العمل ولا تعجز وتتأخر، وتقول: إن المدى طويل والشغل كثير، فما دمت صممت في أول الأمر أن هذا هو الأنفع لك واستعنت بالله وشرعت فيه فلا تعجز.
وهذا الحديث في الحقيقة يحتاج إلى مجلدات يتكلم عليه فيها الإنسان؛ لأن له من الصور والمسائل ما لا يحصى، منها مثلاً طالب العلم الذي يشرع في كتاب يرى أن فيه منفعة ومصلحة له، ثم بعد أسبوع أو شهر يمل، وينتقل إلى كتاب آخر، هذا نقول عنه: إنه استعان بالله وحرص على ما ينفعه ولكنه عجز، كيف عجز؟ بكونه لم يستمر، لأن معنى قوله: ” لا تعجز ” أي لا تترك العمل؛ بل ما دمت دخلت فيه على أنه نافع فاستمر فيه، ولذا تجد هذا الرجل يمضي عليه الوقت ولم يحصل شيئا؛ لأنه أحياناً يقرأ في هذا، وأحياناً في هذا.
حتى في المسألة الجزئية؛ تجد بعض طلبة العلم مثلاً يريد أن يراجع مسألة من المسائل في كتاب، ثم يتصفح الكتاب، يبحث عن هذه المسألة، فيعرض له أثناء تصفح الكتاب مسألة أخرى يقف عندها، ثم مسألة ثانية، فيقف عندها، ثم ثالثة، فيقف، ثم يضيع الأصل الذي فتح الكتاب من أجله، فيضيع عليه الوقت، وهذا ما يقع كثيرا في مثل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – تجد الإنسان يطالعها ليأخذ مسألة، ثم تمر مسألة أخرى تعجبه وهكذا، وهذا ليس بصحيح؛ بل الصحيح أن تنظر الأصل الذي فتحت الكتاب من أجله.
كذلك أيضا في تراجم الصحابة، في الإصابة مثلا لابن حجر – رحمه الله – حين يبحث الطالب عن ترجمة صحابي من الصحابة، ثم يفتح الكتاب من أجل أن يصل إلى ترجمته، فتعرض له ترجمة صحابي آخر، فيقف عندها ويقرؤها، ثم يفتح الكتاب، يجد صحابيًّا آخر، ثم هكذا يضيع عليه الوقت, ولا يحصل الترجمة التي من أجلها فتح الكتاب، وهذا فيه ضياع للوقت.
ولهذا كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبدأ بالأهم الذي تحرك من أجله، ولذلك لما دعا عتبان بن مالك الرسول صلى الله عليه وسلم، قال له: أريد أن تأتي لتصلي في بيتي؛ لأتخذ من المكان الذي صليت فيه مصلى لي، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام ومعه نفر من أصحابه، فلما وصلوا، إلي بيت عتبان واستأذنوا ودخلوا، وإذا عتبان قد صنع لهم طعاماً، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يبدأ بالطعام، بل قال:” أين المكان الذي تريد أن نصلي فيه؟ ” فأراه إياه، فصلى، ثم جلس للطعام، فهذه دليل على أن الإنسان يبدأ بالأهم، وبالذي تحرك من أجله؛ من أجل ألا يضيع عمله سدى.
فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” لا تعجز ” أي لا تكسل وتتأخر في العمل إذا شرعت فيه، بل استمر؛ لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل آخر, ثم تركت ثم شرعت ثم تركت، ما تم لك عمل.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: ” فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا ” ويعني بعد أن تحرص وتبذل الجهد، وتستعين بالله، وتستمر، ثم يخرج الأمر على خلاف ما تريد، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا؛ لأن هذا أمر فوق إرادتك، أنت فعلت الذي تؤمر به، ولكن الله عز وجل غالب على أمره ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) [ يوسف / الآية 21 ] .
ونضرب مثالا لذلك: إذا سافر رجل يريد العمرة، ولكنه في أثناء الطريق تعطلت السيارة، ثم رجع فقال: لو أني أخذت السيارة الأخرى لكان أحسن، ولما حصل علي التعطل، نقول: لا تقل هكذا؛ لأنك أنت بذلت الجهد، ولو كان الله عز وجل أراد أن تبلغ العمرة ليسر لك الأمر، ولكن الله لم يرد ذلك.
فالإنسان إذا بذل ما يستطيع مما أمر ببذله، وأخلفت الأمور؛ فحينئذ يفوض الأمر إلى الله ؛ لأنه فعل ما يقدر عليه، ولهذا قال: ” إن أصابك شيء ” يعني بعد بذل الجهد والاستعانة بالله عز وجل ” فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا كَذا “.
وجزى الله عنا نبينا خير الجزاء؛ فقد بين لنا الحكمة من ذلك، حيث قال:” فإن لو تفتح عمل الشيطان ” أي تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم والهموم، حتى تقول: لو أني فعلت لكان كذا, فلا تقل هكذا، والأمر انتهى، ولا يمكن أن يتغير عما وقع، وهذا أمر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وسيكون على هذا الوضع مهما عملت؛ ولهذا قال: ” ولكن قل: قدر الله ” أي هذا قدر الله، أي تقدير الله وقضاؤه، وما شاء الله عز وجل فعله ( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) [ هود / من الآية 107 ] ، لا أحد يمنعه أن يفعل في ملكه ما يشاء، ما شاء فعل عز وجل.
ولكن يجب أن نعلم أنه سبحانه وتعالى لا يفعل شيئاً إلا لحكمة خفيت علينا أو ظهرت لنا، والدليل على هذا قوله تعالى: ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) [ الإنسان / الآية 30 ] ، فبين أن مشيئته مقرونة بالحكمة والعلم، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه، فصار في العاقبة خيراً له ، كما قال تعالى: ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) [ البقرة / من الآية 216 ] ، ولقد جرت حوادث كثيرة تدل على هذه الآية، من ذلك: قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من الرياض متجهة إلى جدة، وفيها ركاب كثيرون، يزيدون عن ثلاثمائة راكب، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة الانتظار، فغلبته عيناه حتى نام، وأعلن عن إقلاع الطائرة، وذهب الركاب وركبوا، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب، فندم ندامة شديدة؛ كيف فاتته الطائرة؟ ثم إن الله قدر بحكمته أن تحترق الطائرة وركابها, فسبحان الله! كيف نجا هذا الرجل؟ كره أنه فاتته الطائرة، ولكن كان ذلك خيرا له.
فأنت إذا بذلت الجهد، واستعنت بالله، وصار الأمر على خلاف ما تريد، لا تندم، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد انتهى الأمر وراح، وعليك أن تسلم الأمر للجبار عز وجل قل: قدر الله وما شاء فعل.
ووالله، لو أننا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا كثيراً، لكن تجد الإنسان منا؛ أولاً: لا يحرص على ما ينفعه، بل تمضي أوقاته ليلاً ونهاراً بدون فائدة، تضع عليه سدى. ثانياً: إذا قدر أنه اجتهد في أمر ينفعه ثم فات الأمر ولم يكن على ما توقع، تجده يندم، ويقول: ليتني ما فعلت كذا، ولو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا ليس بصحيح، فأنت أدّ ما عليك، ثم بعد هذا فوض الأمر لله عز وجل.
فإذا قال قائل: كيف أحتج بالقدر؟ كيف أقول: قدر الله وما شاء فعل؟.
والجواب أن نقول: نعم؛ هذا احتجاج بالقدر، ولكن الاحتجاج بالقدر في موضعه لا بأس به، ولهذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ) [ الأنعام / الآية 106 – 107 ] ، فبين له أن شركهم بمشيئته، والاحتجاج بالقدر على الاستمرار في المعصية هذا حرام لا يجوز، لأن الله قال: ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ) [ الأنعام / من الآية 148 ]، لكن الاحتجاج بالقدر في موضعه هذا لا بأس به، فإن النبي عليه الصلاة والسلام دخل ذات ليلة على عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد عليه الصلاة والسلام فوجدهما نائمين، فقال لهما: ” ما منعكما أن تقوما؟ ” يعني تقوما تتهجدان، فقال علي: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله؛ لو شاء أن نقوم لقمنا، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وهو يضرب على فخذيه، ويقول: ( وَكَانَ الْإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ) [ الكهف / من الآية 54].
هذا جدال لكن احتجاج علي بن أبي طالب في محله؛ لأن النائم ليس عليه حرج، فهو لم يترك القيام وهو مستيقظ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” رفع القلم عن ثلاثة ” ولا يبعد أن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يختبر على بن أبي طالب: ماذا يقول في الجواب؟ وسواء كان ذلك أم لم يكن, فاحتجاج علي بالقدر هنا حجة؛ وذلك لأنه أمر ليس باختياره؛ هل النائم يستطيع أن يستيقظ إذا لم يوقظه الله؟… لا إذن هو حجة.
فالاحتجاج بالقدر ممنوع إذا أراد الإنسان أن يستمر على المعصية ليدفع اللوم عن نفسه، نقول مثلاً: يا فلان، صل مع الجماعة، فيقول: والله لو هداني الله لصليت، فهذا ليس بصحيح, يقال لآخر: أقلع عن حلق اللحية، يقول: لو هداني الله لأقلعت، وأقلع عن الدخان, يقول: لو هداني الله لأقلعت، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يحتج بالقدر ليستمر في المعصية والمخالفة.
لكن إن وقع الإنسان في خطأ وتاب إلى الله، وأناب إلى الله وندم وقال: إن هذا الشيء مقدر علي، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه؛ نقول: هذا صحيح، إن تاب واحتج بالقدر فليس هناك مانع ). شرح رياض الصالحين للعثيمين (12 / 32,24) .
سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:
ما حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر مع ذكر الدليل؟.
فأجاب:
” الإيمان بالقضاء والقدر هو أحد أركان الإيمان الستة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ” الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه “. رواه الإمام مسلم في ” صحيحه ” ( 1/36، 37، 38 ) من حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، وهو جزء من الحديث.
وقال صلى الله عليه وسلم:” احرص على ما ينفعك، ولا تعجزنَّ، فإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان ). رواه الإمام مسلم في ” صحيحه ” ( 4/2052 ) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -، وهو جزء من حديث طرفه:” المؤمن القوي خيرٌ……..”.
والله جل وعلا يقول: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) [ القمر / الآية 49 ].
فالإيمان بالقضاء والقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، ومن لم يؤمن بالقضاء والقدر؛ فإنه يكون قد ترك أحد أركان الإيمان الستة؛ فلا بد من الإيمان بالقضاء والقدر.
وليس معنى هذا أننا نقول: العبد مجبر! ونلغي الأعمال والأسباب كما تقول الجبريَّةُ، لكننا نؤمن بالقدر، ونعمل بالأسباب؛ لأن الله أمرنا باتخاذ الأسباب, وبالعمل وبتجنُّب الأشياء المضرَّة؛ فالذي أخبرنا أن كل شيء بقضائه وقدره؛ أمرنا بالأعمال، وأمرنا بفعل الأسباب، والأعمال والأسباب من قضاء الله وقدره؛ فالقضاء والقدر يعالَجُ بالقضاء والقدر، ولهذا لمَّا سافر عمر بن الخطاب إلى الشام وبلغه وقوع الوباء فيه وعزم على الرجوع قال له بعض أصحابه: أتفرُّ من قدر الله يا أمير المؤمنين؟! قال: نعم؛ نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله. انظر: صحيح البخاري ” ( 7/20-21 ) من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله عنه -“.
والمؤمن لا يزال في قدر الله عز وجل؛ فهل يعمل ويكتسب ويتسبَّب، وكل هذا من قدر الله عز وجل، أمَّا أن نقول: إن العبد مجبَرٌ، وإن كان مقدَّرٌ له شيء سوف يحصل، وإلا لم يحصل له! ونترك الأسباب! هذا هو قول الجبريّة الضَّالّة “. المنتقى من فتاوى الفوزان (6 / 2,1) السؤال رقم: ( 33 ).
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ: آنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ, قَالَ: فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي, قَالَ: نَعَمْ, فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى “. رواه البخاري (4459) , ومسلم (2652) .
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله –:
” فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: لرسوله صلى الله عليه وسلم: ( اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين. ولو شاء الله ما أشركوا ) (1) . فأخبر أن شركهم واقع بمشيئة الله تعالى.
قيل له: الجواب عنه: أن الله تعالى: أخبر أن شركهم واقع بمشيئته تسلية لرسوله ( لا دفاعاً عنهم، وإقامة للعذر لهم، بخلاف احتجاج المشركين على شركهم بمشيئة الله فإنما قصدوا به دفع اللوم عنهم وإقامة العذر على استمرارهم على الشرك, ولهذا أبطل الله احتجاجهم ولم يبطل أن شركهم واقع بمشيئته.
فإن قال قائل: ما الجواب عما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” احتج آدم وموسى وفي لفظ: تحاج آدم وموسى, فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى, فحج آدم موسى ثلاثاً “. وعند أحمد: ” فحجه آدم “. أي غلبه في الحجة.
قيل له: الجواب من وجهين:
أحدهما: أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يعتب على آدم في معصية تاب منها إلى الله تعالى: فاجتباه ربه وتاب عليه وهدى, فإن هذا بعيد جداً أن يقع من موسى – عليه الصلاة والسلام -, وهو أجل قدراً من أن يلوم أباه ويعتب عليه في هذا، وإنما عنى بذلك المصيبة التي حصلت لآدم وبنيه وهي الإخراج من الجنة الذي قدره الله عليه بسبب المعصية, فاحتج آدم على ذلك بالقدر من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب، لا على المعايب, فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: ” احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان “. رواه مسلم.
فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تفويض الأمر إلى قدر الله بعد فعل الأسباب التي يحصل بها المطلوب ثم يتخلف.
ونظير هذا أن يسافر شخص فيصاب بحادث في سفره فيقال له: لماذا تسافر؟ فيقول: هذا أمر مقدر والمقدر لا مفر منه، فإنه لا يحتج هنا بالقدر على السفر؛ لأنه يعلم أنه لا مكره له, وأنه لم يسافر ليصيبه الحادث، وإنما يحتج بالقدر على المصيبة التي ارتبطت به وهذا هو الوجه الذي اختاره الشيخ المؤلف في هذه العقيدة.
الثاني: أن الاحتجاج بالقدر على ترك الواجب، أو فعل المحرم بعد التوبة جائز مقبول؛ لأن الأثر المترتب على ذلك قد زال بالتوبة فانمحى به توجه اللوم على المخالفة، فلم يبق إلا محض القدر الذي احتج به لا ليستمر على ترك الواجب، أو فعل المحظور ولكن تفويضا إلى قدر الله تعالى: الذي لا بد من وقوعه.
وقد أشار إلى هذا ابن القيم في شفاء العليل وقال: إنه لم يدفع بالقدر حقًّا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به، وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلاً محرماً، أو يترك واجباً فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقًّا ويرتكب باطلاً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) .
( لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه, وأنهم لم يندموا على فعله, ولم يعزموا على تركه, ولم يقروا بفساده, فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه، وندم، وعزم كل العزم على أن لا يعود, ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعاً فالاحتجاج بالقدر باطل، ثم ذكر حديث علي – رضي الله عنه – حين طرقه النبي صلى الله عليه وسلم وفاطمة ليلاً فقال: ” ألا تصليان “. الحديث.
وأجاب عنه بأن احتجاج علي صحيح ( ولذلك لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ) صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح……….
لا بد للإنسان من الإيمان بالقدر؛ لأنه أحد أركان الإيمان الستة، ولأنه من تمام توحيد الربوبية، ولأن به تحقيق التوكل على الله تعالى: وتفويض الأمر إليه مع القيام بالأسباب الصحيحة النافعة، ولأن به اطمئنان الإنسان في حياته حيث يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ولأن به ينتفي الإعجاب بالنفس عند حصول المراد، لأنه يعلم أن حصوله بقدر الله، وأن عمله الذي حصل به مراده ليس إلا مجرد سبب يسره الله له، ولأن به يزول القلق والضجر عند فوات المراد، أو حصول المكروه لأنه يعلم أن الأمر كله لله فيرضى ويسلم.
وإلى هذين الأمرين يشير قوله تعالى: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير . لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ).
ولا بد للإنسان أيضا من الإيمان بالشرع وهو ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أمر الله ونهيه، وما يترتب عليهما من الجزاء ثوابا أو عقابا, فيقوم بما يلزمه نحو الأمر والنهي، ويؤمن بما يترتب عليهما من الجزاء.
وذلك لأن الإنسان مريد فلا بد له من فعل يدرك به ما يريد، ويدفع به ما لا يريد، ولا بد له من ضابط يضبط تصرفه لئلّا يقع فيما يضره، أو يفوته ما ينفعه من حيث لا يشعر، والشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل هو الذي يضبط ذلك، ويصدر الحكم به، ويكون به التمييز بين النافع والضار, والصالح والفاسد؛ لأنه من عند الله العليم، الرحيم، الحكيم “. مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (4 / 144,142).
سئل علماء اللجنة الدائمة:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم مجيبًا لجبريل عليه الصلاة والسلام، حيث سأله عن الإيمان: ” الإيمان أن تؤمن بالله . . . وتؤمن بالقدر خيره وشره “. رواه مسلم، وثبت في (الصحيحين) : ” احتج آدم وموسى “, وفي لفظ: ” تحاج آدم وموسى … يا آدم أنت أبونا خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة, فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى ثلاثًا “. وعند أحمد: ” فحجه آدم “.
كيف نوفق بين العبارتين: الأولى وهي: ” وتؤمن بالقدر خيره وشره “، وبين العبارة الثانية وهي: ” أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة “، واحتجاج آدم بالقدر في قوله:” أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ “.
وظاهر الحديث عدم التسليم لقدر الله تعالى من جهة موسى عليه الصلاة والسلام وهذا ممتنع عليه، نريد توضيحًا وبيانًا، بارك الله فيكم.
فأجابوا:
” موسى عليه السلام لام آدم عليه السلام على المصيبة التي حصلت له ولذريته، وهي: إخراجهم من الجنة بسبب الذنب الذي ارتكبه ولم يلمه على الذنب نفسه؛ لأنه قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، فاحتج آدم – عليه السلام – بالقدر السابق على حصول هذه المصيبة، والاحتجاج بالقدر على المصائب مشروع من أجل أن يمنع الجزع والتسخط، قال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) ، وقال تعالى: ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) . قال علقمة: ” هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم “، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” احرص على ما ينفعك, واستعن بالله, ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان “. أخرجه مسلم في (صحيحه ) فتاوى اللجنة الدائمة2 (2 / 510,509).
الشيخ عبد العزيز بن باز, الشيخ عبد العزيز آل الشيخ, الشيخ عبد الله بن غديان, الشيخ صالح الفوزان, الشيخ بكر أبو زيد.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
هل في محاجة آدم وموسى إقرار للاحتجاج بالقدر؟ وذلك أن آدم احتج هو وموسى فقال له موسى: ” أنت أبونا خيبتنا أخرجتنا ونفسك من الجنة “, فقال له آدم: ” أتلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني؟ ” فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” فحج آدم موسى، فحج آدم موسى “. أي غلبه بالحجة, وآدم احتج بقضاء الله وقدره؟.
فأجاب:
” هذا ليس احتجاجا بالقضاء والقدر على فعل العبد ومعصية العبد، لكنه احتجاج بالقدر على المصيبة الناتجة من فعله، فهو من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، ولهذا قال: ” خيبتنا وأخرجتنا، ونفسك من الجنة “, ولم يقل: عصيت ربك فأخرجت من الجنة, فاحتج آدم بالقدر على الخروج من الجنة الذي يعتبره مصيبة، والاحتجاج بالقدر على المصايب لا بأس به، أرأيت لو أنك سافرت سفراً وحصل لك حادث، وقال لك إنسان: لماذا تسافر لو أنك بقيت في بيتك ما حصل لك شيء, فستجيبه: بأن هذا قضاء الله وقدره، أنا ما خرجت لأجل أن أصاب بالحادث، وإنما خرجت لمصلحة، فأصبت بالحادث، كذلك آدم – عليه الصلاة والسلام -، هل عصى الله لأجل أن يخرجه من الجنة؟ لا, فالمصيبة إذاً التي حصلت له مجرد قضاء وقدر، وحينئذ يكون احتجاجه بالقدر على المصيبة الحاصلة احتجاجاً صحيحا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” حج آدم موسى، حج آدم موسى “. وفي رواية للإمام أحمد: ” فحجه آدم” يعني غلبه في الحجة.
مثال آخر: رجل أصاب ذنبا وندم على هذا الذنب وتاب منه، وجاء رجل من إخوانه يقول له: يا فلان كيف يقع منك هذا الشيء, فقال: هذا قضاء الله وقدره. فهل يصح احتجاجه هذا أو لا؟ نعم يصح؛ لأنه تاب، فهو لم يحتج بالقدر ليمضي في معصيته، لكنه نادم ومتأسف، ونظير ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، دخل ليلة على علي بن أبي طالب وفاطمة – رضي الله عنهما -فقال: ” ألا تصليان؟ ” فقال علي- رضي الله عنه -: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، فإن شاء الله أن يبعثنا بعثنا, فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم، يضرب على فخذه وهو يقول: ( وكان الإنسان أكثر شيء جدلا ) فالرسول صلى الله عليه وسلم، لم يقبل حجته، وبين أن هذا من الجدل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن الأنفس بيد الله، لكن يريد أن يكون الإنسان حازما فيحرص على أن يقوم ويصلي. على كل حال تبين لنا أن الاحتجاج بالقدر على المعصية بعد التوبة منها جائز، وأما الاحتجاج بالقدر على المعصية تبريرا لموقف الإنسان واستمرارا فيها فغير جائز “. مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (2 / 83) السؤال رقم: ( 206 ).
ومن فاته التعليم في الصغر: فليكن ندمه على تفريطه دافعا له لاستثمار ما بقي من عمره، لا أنه يضعف ويعجز ويترك التعلم، ومن فاته الحج في شبابه: فليبادر في أول فرصة لكي يحج ولا ينبغي له أن يتوانى ويكسل أكثر وأكثر، وهكذا في طاعة وخير فاته، فإنما عليه أن يؤمن بأنه قدر الله، ولا ينبغي له أن يعجز، وعليه أن يكون قويًّا، ويحرص على ما ينفعه، وإن كان ما فات بسبب معاصيه: فليفعل كل ما سبق ذكره، ويضيف إليه: التوبة الصادقة من الذنوب والآثام، وليسأل ربه تعالى أن يرزقه اعتقادا حسناً، وأن يوفقه لما يحب ويرضى من القول والعمل.
ونرجو أن يكون ما ذكرناه كافياً للإجابة على السؤال، ونرجو منك تأمله مرة، ومرَّة، وستجد فيه بغيتك وزيادة.
– ونسأل الله أن يوفقك، ويهديك، ويثبتك على الخير.
والله أعلم.


