ولاية النكاح من هو الأحق بها؟ وهل للأولياء التحكم في تصرفات موليتهم؟.

السؤال

لي بنت عمرها أربعة عشر عاما، توفي والدها وأنا حامل بها في الشهر الثامن، توظفتُ لأنفق عليها مع والدي – حفظه الله -، وشارك اثنان من إخوتي في الإنفاق، وخاصة وأني أسكن معهم في بيت والدي، لها ستة أعمام، وتوفي جدها لأبيها قبل ثلاث سنوات، وحالتهم المادية متوسطة، ولم يشاركوا بالإنفاق عليها بتاتا، كما لم يسألوا عنها، أو عن صحتها، كما أنهم لا يأتون حتى لزيارتها، كنت أذهب بها أنا أو والدي أو حتى والدتي إليهم لرؤيتها في بعض الأوقات أو المناسبات.

والآن تقدم لي شخص للزواج، وفوجئت بأنهم يطالبون الولاية، أو الوصاية عليها، ويمنعونها حتى من السفر مع أهلي بحجة ولايتهم عليها، فهل الولاية لهم عليها؟ وهل يجب عليها الإذن منهم عند كل خروج؟ وهل إذا امتنعت أنا عن الزواج تسقط ولايتهم عليها؟ مع العلم أنه لوالدها مرتبان شهريان من الحكومة، وهم يستلمون المرتب الأول، وقدره أكثر من ( عشرين ألف ريال )، وأنا أستلم المرتب الثاني، وقدره ( ثلاثة آلاف ريال )، فما الموقف الشرعي الذي ينبغي عليَّ فعله تجاه الراتب الأول؟.

الجواب

الحمد لله

أولا:

ما فعلتيه من الإحسان لابنتك والرعاية لها أمرٌ تشكرين عليه، ولك فيه أجر، وما فعله أعمامها معها من التقصير في رعايتها، وترك الإنفاق عليها – مع قدرتهم على ذلك: أمرٌ يذمون عليه، وقد قال تعالى: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّا يَرَهُ ) الزلزلة/ 7 ، 8.

ثانيا:

وقد بلغت ابنتك من العمر ما يجعل أمرها بيدها، سواء في التصرف في أفعالها، أو في أموالها – إن كانت رشيدة -، وليس لأحدٍ من أعمامها عليها ولاية؛ لأن الظاهر أنها بلغت، وقد انتهى في حقها أحكام الحضانة.

ولذا فإن زعمهم أنهم أولياؤها في التصرف في أفعالها، وتعليقهم ذلك بزواجكِ: ليس من الشرع في شيء، فلا داعي للقلق، وليس ثمة وجه لقولهم البتة، والزواج معلق بحكم حضانة الأم لأولادها في حال أن يكونوا صغارا دون سن التمييز، فلا تعلق لأحكام الحضانة بموضوع ابنتك البتة، ولا نعني بهذا أن تكون الأنثى وحدها في مسكنها وتتصرف كيف شاءت، وتخرج مع من تشاء، وتعمل حيث تشاء؛ لأن العار يلحق أهلها بالمخالفة في ذلك، ولكننا نعني أنه لا يُشترط أن تكون ولايتها في مثل هذا على أناسٍ بعينهم من أقرباء وأهل، وحيث وجد الرقيب عليها، والمسئول عن رعايتها فيكفي هذا، وقد تكون أمها الموثوق بدينها وعقلها، وقد يكون جدها لأمها – كما هو الحال في الأخت المسئول عنها -.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 15 / 224  ):

عند الحنفيّة: وتنتهي ولاية الأب على الأنثى إذا كانت مسنّةً، واجتمع لها رأي، فتسكن حيث أحبّت حيث لا خوف عليها، وإن ثيّبا لا يضمّها إلاّ إذا لم تكن مأمونةً على نفسها، فللأب والجدّ الضّمّ، لا لغيرهما كما في الابتداء.

وعند المالكيّة: وبالنّسبة للأنثى، فتستمرّ الحضانة عليها والولاية على النّفس حتّى تتزوّج، ويدخل بها الزّوج.

وعند الشّافعيّة: تنتهي الولاية على الصّغير – ذكرا كان أو أنثى – بمجرّد بلوغه.

وعند الحنابلة: لا تثبت الحضانة إلاّ على الطّفل أو المعتوه، فأمّا البالغ الرّشيد فلا حضانة عليه، فإن كان رجلاً فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عن أبويه، وإن كانت أنثى لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه، لأنّه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها، ويلحق العار بها وبأهلها، وإن لم يكن لها أب فلوليّها وأهلها منعها من ذلك. انتهى.

وهذا هو قول المذاهب الأربعة، وفيه تبيين لقصدنا في عدم ولاية أعمامها عليه، ووجوب وجود من يكون مسئولا عنها من زوج، أو أم، أو جد.

ثالثا:

والذي لهم من الولاية على ابنتك هو: ولاية النكاح، والذي يتولى أمر النكاح هم العصبات، وهم أعمامها هنا، وليس ذلك لأخوالها، ولا لأجداها من جهة أمها.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والولي: هو مَن يتولى أمرها مِن العصبات، فلا مدخل لذوي الأرحام في عقد النكاح، ولا لمن أدلى بأنثى في عقد النكاح، مثلا: الأب ولي، والابن ولي، والأخ الشقيق ولي، والأخ لأب ولي، والعم الشقيق ولي، والعم لأب ولي، وابن العم الشقيق ولي، وابن العم لأب ولي، المهم: أنهم من العصبات، أما الأخ من الأم: فليس بولي؛ لأنه يدلي بأنثى، وعلى هذا: إذا وُجد امرأة لها أخ من أم، ولها ابن عم بعيد: فالذي يزوجها: ابن عمها البعيد، أما العم لأم يعني : أخا أبيها من الأم هل له الولاية؟: لا؛ لأنه مدلٍ بأنثى، ويخطئ بعض الناس حيث يظن أن الجد من قبل الأم ولي، أو أن الخال ولي، أو أن الأخ من الأم ولي، أو ما أشبه ذلك، هؤلاء ليس لهم ولاية النكاح إطلاقا.

– فالولي – إذا -: مَن كان مِن عصباتها، لا مَن أدلى بأنثى.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 159 / المقدمة ).

* وفي ” الموسوعة ” ( 15 / ولاية الجدّ في النّكاح:

أمّا الجدّ لأمّ وهو من أدلى إلى المرأة بأنثى فلا ولاية له في النّكاح.

انتهى.

رابعا:

ولم تذكري في سؤالك إن كان لكِ أبناء من الذكور، وبكل حال: إن لم يكن لك أبناء ذكور: فإن ولاية النكاح لأعمامها، وإن كان لكِ أبناء ذكور: فإنهم يقدَّمون في ولاية النكاح على أعمامها باتفاق المذاهب الأربعة، أي: أنهم هم الذين يزوجونها، وينظر ترتيب العم في الأولياء: في ” الموسوعة الكويتية “: وقد اختلف أهل المذاهب في ترتيب الأولياء، لكنهم لم يختلفوا في كون ” العم ” بعد الأشقاء، وبعد الأخ لأب.

وعد نفقة أعمامها عليها لا يُسقط ولايتهم عليها – إن لم يكن لها إخوة أشقاء، أو إخوة لأب -، بل ولا يُسقطها فقد عدالتهم، أو فسقهم.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة، وولاية النكاح: لكان بيان هذا للأمة مِن أهم الأمور، واعتناء الأمة بنقله وتوارث العمل به مقدَّما على كثير مما نقلوه، وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العلم بخلافه؟!.

” زاد المعاد ” ( 5 / 461 ).

وإنما تسقط ولاية أحدهم إن كان يمنعها من التزوج، أو يريد تزويجها بفاسق أو فاجر، فتنتقل – والحالة هذه – ولايته إلا من هو أصلح منه، فإن اشتركوا جميعا في منعها: فإلى ولي بعي، فإن لم يوجد: فتنتقل ولايى نكاحها للقاضي الشرعي، أو من يقوم مقامه من أهل المسئوليات الدينية.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإذا تعذر مَن له ولاية النكاح: انتقلت الولاية إلى أصلح مَن يوجد ممن له نوع ولاية في غير النكاح، كرئيس القرية، وأمير القافلة، ونحوه.

” الاختيارات ” ( ص 350 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية “:

وتنتقل ولاية النّكاح إلى البعيد من العصبة، فإن لم توجد عصبة زوّجهنّ بالولاية العامّة كغيرهنّ ممّن لا وليّ لهنّ  لحديث: ( السّلطان وليّ من لا وليّ له ).

انتهى.

خامسا:

وأما بخصوص الراتب الذي يصرف ولكم منه نصيب ولأشقائه منه آخر: فالظاهر أنه يختلف باختلاف وصفه، فبعض الجهات تصرف رواتب شهرية لأنواع معينة من أقرباء المتوفى وأهله، وفي هذه الحال فإن هذا المال ملك لهؤلاء، وإن كان ما يُصرف بعد وفاته هو من استحقاقات الموظف، وادخاراته المباحة: فإنه يكون من تركته، ويُقسم على الورثة كل حسب نصيبه منها، والظاهر لنا أن ما يصرف لأعمامك هو من النوع الأول، وما يُصرف لكم هو من النوع الثاني، وعليه: فما يقبضه أعمامك فهو ملك لهم، وما تقبضونه أنتم فإنه يقسَّم حسب الشرع على الورثة، فإن قبلوا جعله في سياق واحدٍ ليصرف منه على الجميع: فهو حقهم, ولهم مطلق التصرف فيه بما يرونه مناسبا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة