طلب قرضًا, فقال له صاحبه: أشتري لك سيارة, وأبيعها لك بالأقساط, وأنت تبيعها نقدًا!
السؤال
احتجت مبلغ من المال فقال لي زميلي بالعمل: أشتري لك سيارة جديدة، وأبيعها لك بالأقساط بزيادة عن ثمنها الأصلي، وأنت قم ببيعها نقدا واستفد من ثمنها، فوافقتُ، فجاء زميل لنا ثالث، وقال: أنا أشتري منك السيارة نقدا.
والسؤال هو: هل يجوز لزميلي أن يبيع السيارة لزميلنا الثالث ويعطيني ثمنها قبل أن تنقل ملكيتها باسمي؟ يعني: أن تكون استمارة السيارة باسمه, ويبيعها للثالث رأسًا, ويعطيني ثمنها؟ أم لا بد أن تنقل باسمي, وأنا الذي أقوم ببيعها على الطرف الثالث؟. أفتونا مأجورين.
الجواب
الحمد لله
ليست المشكلة في مسألتك هو أنه يجوز لك بيع السيارة قبل تسجيلها باسمك أم لا؛ فإنه لا يشترط تسجيل السيارة باسم المشتري حتى يجوز له بيعها، وليست المشكلة في بيعك السيارة نقدا بعد أن اشتريتها بالأقساط؛ فإن هذه المعاملة تسمى ” التورق “، وفيها خلاف بين العلماء، ونرى أنها جائزة -، وإنما في مسألتك مشكلتان:
الأولى: أن أصل العقد ليس بيعاً ولا شراء، وإنما هو قرض ربوي، تمت الحيلة فيه على الربا عن طريق البيع والشراء، فزميلك لو أعطاك مبلغاً ثم طالبك بأكثر منه: لكان ذلك رباً صريحاً، وهو يريد أن يتوصل لعين الربا فيبذل ثمن السيارة ويأخذ منك أكثر مما دفع، فالنتيجة واحدة، وهو عقد ربوي ولا شك، وهو ليس فيه إثم الربا فقط، بل وفيه إثم التحيل على الشريعة للوصول لعقد محرَّم.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
واعلم أنه كلما احتال الإنسان على محرم: لم يزدد إلا خبثا، فالمحرم خبيث، فإذا احتلت عليه: صار أخبث؛ لأنك جمعت بين حقيقة المحرم، وبين خداع الرب عز وجل، والله سبحانه لا تخفى عليه خافية، وإنما الأعمال بالنيات.
” الشرح الممتع ” ( 8 / 211 ).
والثاني: أنك تريد بيع السيارة قبل قبضها وحيازتها، وهو أمر محرَّم.
وقد ذكر الشيخ العثيمين – رحمه الله – شروطاً لجواز التورق، ومن هذه الشروط: القبض والحيازة للسلعة.
قال – رحمه الله – في بيان شروط جواز التورق -:
- أن لا يبيعها المستدين إلا بعد قبضها وحيازتها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلّم نهى عن بيع السلع قبل أن يحوزها التجار إلى رحالهم، فإذا تمَّت هذه الشروط الأربعة: فإن القول بجواز مسألة ” التورق ” متوجهٌ كيلا يحصل تضييقٌ على الناس.
” المداينة ” ( ص 3 ) .
وعلى كل حال:
فلا نرى جواز هذه المعاملة البتة، فإنه حتى كنت ستقبض السيارة في ملكك، وتحوزها: فإن أصل إنشاء المعاملة بينك وبين زميلك إنما هو للتوصل للقرض الربوي، فلا هو بالتاجر، ولا أنت بالمشتري في واقع الأمر، إنما أنت مقترض، وهو مُقرض.
وإذا أردت أن تكون معاملتك شرعية فاشتر سيارة بالأقساط من أي جهة تبيع السيارات كذلك، ولا تُدخل أحدا بينك وبين البائع، بل اشتر منه مباشرة، ثم بِعها لغير الجهة التي اشتريتها منهم نقداً، ونرجو أن يكون ذلك جائزاً، وبخاصة أنك تحتاج للمال، ولا تجد من يقرضك.
وينبغي التنبه إلى أننا لم نجعل المعاملة بين السائل وزميله ” مرابحة “؛ وذلك أن السائل طلب ديناً فعرض عليه زميله تلك الطريقة للتوصل للقرض! وليست المسألة أن السائل يريد الشراء عن طريق زميله، ولا أن زميله كان يمتلك السيارة وأراد أن يبيعها للسائل، بل الأمر كله قائم على تحيل من زميله ليتوصل للقرض الربوي المحرَّم.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
تقدمتُ بطلب إلى إحدى الشركات لشراء سيارة بالتقسيط، فأبلغوني بقيمة القسط والدفعة الأولى، وأبلغوني أنه إذا لم تكن السيارة موجودة أنهم يشترونها ثم يبيعونها عليَّ بالتقسيط، وإذا زالت رغبتي أنا فلي الحق أن أتراجع عن شرائي.
ولكن بعد فترة أبلغوني بأن السيارة انتهت – كأنهم اشتروها – فسألتهم: هل كُتِبَت باسم الشركة؟ فقالوا: لا، إنما عليك الحضور وأخذ أوراقها وتسجيلها باسمك في المرور وتسجيل السيارة، وأخبرني بأنه قد تكون وصلت إلى معرض يتعاملون معه أو لم تصل بعد السيارة.
فلا أدري هل هذه الطريقة شرعية أم لا؟ وما هي الطريقة الشرعية؟.
فأجاب:
أولا: إذا كانت السيارة ليست عند البائع، ولكن باع عليك سيارة على أساس أنه يشتريها لك ثم يبيعها: فهذا حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحكيم بن حزام:” لا تبع ما ليس عندك “.
أما إذا كان وعدا، ولم يعقد معك عقدا إلا بعد أن اشتراها: فإن باعها عليك بما اشتراها به: فلا بأس؛ لأنه ليس هناك ربا، إذا باعها برأس ماله، أما إذا باعها عليك بربح: فإن هذا الربح ربا، لكنه ليس ربا صريحا، بل هو ربا مغلف بصورة عقد ليس بمقصود، فإن البائع لم يقصد الشراء لنفسه من الأصل إنما قصد الشراء لك، فيكون كالذي أقرضك القيمة بزيادة، وهذا هو الربا بعينه.
وأما إذا كانت السلعة موجودة عند البائع، وقال: هذه السيارة نحن نبيعها بأربعين ألفاً نقداً، وإذا كنت تريدها بالتقسيط فنحن نبيعها عليك بخمسين ألفًا فقَبِلَ: فلا بأس، لا بأس إذا كنت تريد أن تستعمل السيارة، أما إذا كنت تريد أن تبيعها للانتفاع بثمنها: فهذه مسألة يسميها العلماء: ” مسألة التورق “، وفيها خلاف بين العلماء، منهم من أجازها، ومنهم من قال: لا تجوز.
أما قول بعضهم: إني لا ألزمك بالسيارة إن شئت فاتركها: فهذا كلام فارغ؛ لأن الرجل لم يأت ويقول أريد السيارة بعينها ثم بعد ذلك يتراجع، أبدا.
فالذي نرى: أن هذه الطريقة حرام، وإذا أردت بدلها: فاذهب إلى صاحب معرض عنده سيارات، وقل له: أنا أريد أن تبيع لي هذه السيارة مقسطة, وآتي لك بكفيل يغرم لك الثمن عند حلول الأجل، وإن شئت أيضًا أرهن السيارة، وهكذا تسلم من هذه الحيل. ” لقاءات الباب المفتوح ” ( 30 / السؤال رقم: 15 ).
والله أعلم.


