أحسن لزوجته كثيرًا، ثم غاب عنها فعصت ربها خانته!

السؤال

أنا متزوج منذ ثمان سنوات، ولدي ولد عمره خمس سنوات، وبنت عمرها سنتان، عندما تزوجت لم تكن زوجتي هي ما أطمح إليه، من حيث الجمال، وكان فيها بعض العيوب، وخاصة داخل جسمها، رغم أنني دفعت مهرًا قدره ( مائة وثلاثون ألف ريال سعودي )، ولكنني رضيت بالاستمرار معها؛ احتسابًا للأجر، ولأني كنت أرحمها كثيرًا، وأعطف عليها؛ لأن أمها متوفية من صغرها، كما أنها كانت تحبني، وتعلق أملها فيَّ بعد الله، عندها قررت تدريسها في الجامعة، وأحضرت لها شغالة لكي تساعدها، ولم أقصر معها في أي شيء، وكانت تحمد الله، وتشكرني على معاملتي لها، وازداد حبها لي، وأنا صرت لا أستغني عنها، وفي السنة الأخيرة من دراستها: ابتُعثت أنا لدراسة الدكتوراة في الخارج، وطلبتْ مني أن أتركها تكمل السنة المتبقية عليها، فتركتُها عند أخيها، وكنت أحوِّل لها شهريًّا ( 3000 ريال )، وكانت متفوقة في دراستها، وكنت أكلمها من الخارج كل يوم، كما أنني كنت أتردد عليهم كل شهرين، وأقضي حوالي ( 10 أيام ) معهم، كل هذا حتى لا يشعروا بالفراق، ولكي أعفها، وأعف نفسي.

وبعد انتهائها من الدراسة: أخذتُ إجازة لمدة شهرين؛ لكي أقضيها معهم، ومن ثم آخذها هي والأولاد معي للخارج، ولكنني أحسست بأنها تغيرت كثيرا، حتى إنها لم تستقبلني جيِّدًا، وأصبحت متعلقة بالأغاني، وتكره الحجاب، وتسب الهيئة، وفجأة ومن غير المعتاد صارت تضع جوالها على الصامت، فحاولت أن أفتش جوالها، فارتبكت، وأحسست أن فيه شيئًا غير صحيح، ولكن لم أجد إلا صورًا شبه عارية، ورسائل غرامية، ادَّعت أنها جمعتْها لكي ترسلها لي، فبعد أن حلفت لي بالله على ذلك: سامحتُها.

وقبل سفرنا للخارج بثلاثة أيام: طلبتْ مني أن أوصلها لملاهي خاصة بالعوائل؛ لكي تودع صديقاتها؛ لأنهن مجتمعات من أجل توديعها، ورغم أنني كنت مشغولًا كثيرًا بأمور السفر، وليس لديَّ أي وقت: أوصلتها للملاهي، وتركنا الأولاد عند خالتهم، على أن أعود لها بعد ثلاث ساعات، وعندما عدت لها، واتصلت: وجدتُّها بقسم ” هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر “، حيث أفادوني أنهم قبضوا عليها وهي تريد الذهاب في سيارة أجرة لبيت شخص لها علاقة معه منذ شهرين، حيث ستكون هي راكبة سيارة الأجرة، وهو يعطيها الوصف بالجوال، حتى لا يقعوا في يد الهيئة، ولكن الله كشفهم.

بعدها أنا جُنَّ جنوني، ورفضت استلامها، وتركت أخاها يستلمها، ثم أوصلتها لأهلها، ولم أخبرهم بشيء؛ من أجل الستر عليها، وتقديرًا لما كان بيننا، كما أنني وضعت الأولاد عند والدي، حتى الآن أنا لم أطلقها، رغم أنني كرهتها؛ لأنها كفَرت العشرة بيننا، وخانت، وكذبت، وغدرت، واستغفلتني، ولكن ما يحيرني هم الأولاد، أنا الآن لي شهران محتار، وأفكر كثيرًا، وقد يؤثر هذا على دراستي.

أرجو نصحي، والإشارة عليَّ؛ لكي أتخذ القرار الصحيح، وما هو الحل الصحيح لمثل وضعي؟ ثم هل سكوتي عليها حتى الآن هو مقبول شرعً1ا, أم فيه شيء من الدياثة؟ ثم إنها اتصلت عليَّ تريد أن تكون فقط شغالة، تربي أولادها، ولا تريد مني أي شيء سوى أنها تربي أولادها، فهل لو حققت لها هذا، وتزوجت أنا بأخرى هل في ذلك ما يمنع شرعًا؟.

أيضا أثناء وقوع المشكلة حاول الأهل والأقارب التدخل، فقلت لهم أنا: كل شي انتهى، وأننا انفصلنا، ولم أصرح بالطلاق، ولم أكن أنويه، بل كنت أنوي التريث، والتفكير في الأمر، فهل وقع الطلاق؟ وهل من حقها حضانة الأولاد فيما لو قررتُ الطلاق؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يعظم أجرك في مصيبتك، وأن يوفقك لما فيه رضاه، وقد أعجبنا فيك تماسك موقفك، وثقل كلامك، مما يدل على شخصية رزينة، تتصف بعقل راجح، ووعي ناضج.

ثانيًا:

وبخصوص ما فعلته زوجتك: لا شك أنه منكر عظيم، وإثم مبين، فقد عصت ربَّها، وخانت زوجها، وكفرت نِعَم الله عليها، وكفرت عشرة زوجها، وإحسانه إليها، فالواجب عليها من التوبة: أصدقها، ومن الطاعة: أفضلها، ومن الندم: أشده، ومن الاستغفار: أكثره.

ثالثًا:

وأما بخصوص ما تستنصحنا بفعله: فأمامك ثلاثة خيارات:

الأول: قبولها زوجة لك، وأمًّا لأولادك، وهذا يعني أن ترجعها من بيت أهلها لبيتها، ولكنَّ هذا الأمر مشروط بشرطين:

  1. من جهتها: أن ترجع بتوبة صادقة تُحدثها، وبندم شديد تبديه، على ما فعلته من معصية، وخيانة، فإن رأيت صدقاً في توجهها للطاعة، وإنابة لربها بعد معصيتها تلك: فلك أن ترجعها لبيت الزوجية، وقد ترجع أحسن مما كانت عليه، وتصبح أفضل من حالها الأول، مع تنبيهها على حرمة الموسيقى، وحرمة سب أهل العلم والفضل والدعوة.
  2. ومن جهتك: أن تنسى ما حدث من زوجتك، ولا تعيرها بذنبها، ولا تفتح على نفسك باب الريبة والشك، وليس يحل لك إمساكها لتنتقم منها، وتضرها، قال تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) [ البقرة / من الآية 231 ].

– فإن كان الشرطان يمكن أن يتحققا: فإرجاعها هو خيارك الأول.

الثاني: قبولها أمًّا لأولادك، وزوجة لك، لكن دون جماعها، بل ترضى بها تربي أولادك، وتقوم على رعايتهم، ودون تطليق، حتى يمكنك رؤيتها، والحديث معها، دون حرجٍ شرعي، وليس لها الرجوع عن قولها، ولا المطالبة بحقها لو تزوجت عليها – مثلًا -، وهذا مشروط بتوبتها توبة صادقة؛ لأنها إن كانت عصت ربَّها، وخانت زوجها، مع وجود زوج يعفها بالحلال: فكيف ستصنع إن لم يكن لها زوج يفعل ذلك، ومع انعدام الرقابة الزوجية منه؟!.

ودليل هذا الخيار:

عن عائشة في قوله تعالى: ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا ) قالت: أُنزلت في المرأة تكون عند الرجل، فتطول صحبتها فيريد طلاقها فتقول: لا تطلقني وأمسكني وأنت في حل من النفقة علي والقَسم لي، فذلك قوله: ( فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا. والصلح خير ). رواه البخاري ( 2548 ) ومسلم (3021 ).

وفي رواية البخاري: عن عائشة – رضي الله عنها – ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضاً ) قالت: هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كبَرًا أو غيره, فيريد فراقها, فتقول: أمسكني, واقسم لي ما شئت, قالت: فلا بأس إذا تراضيا.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

الرجل إذا قضى وطرًا من امرأته وكرهتها نفسه، أو عجز عن حقوقها, فله أن يطلقها, وله أن يخيِّرها، إن شاءت أقامت عنده ولا حق لها في القسم والوطء والنفقة أو في بعض ذلك بحسب ما يصطلحان عليه، فإن رضيت بذلك لزم, وليس لها المطالبة به بعد الرضا، هذا موجب السنة ومقتضاها، وهو الصواب الذي لا يسوغ غيره، وقول من قال: إن حقها يتجدد فلها الرجوع في ذلك متى شاءت: فاسد، فإن هذا خرج مخرج المعاوضة, وقد سماه الله تعالى صلحًا، فيلزم كما يلزم ما صالح عليه من الحقوق والأموال، ولو مكنت من طلب حقها بعد ذلك: لكان فيه تأخير الضرر إلى أكمل حالتيه ولم يكن صلحاً، بل كان من أقرب أسباب المعاداة، والشريعة منزهة عن ذلك، ومن علامات المنافق أنه إذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، والقضاء النبوي يرد هذا. ” زاد المعاد ” ( 5 / 152 ، 153 ).

الثالث: تطليقها، وتسريحها بإحسان، قال تعالى: ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) [ البقرة / من الآية 231 ].

وبسبب ما فعلته زوجتك من معصية وخيانة: فإنه يجوز لك التضييق عليها من أجل أن تتنازل عن مؤخرها، أو أن تدفع لك مهرها المقدم وتتنازل عن مؤخره، قال تعالى: ( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) [النساء / من الآية 19 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله -: الفاحشة المبينة: النشوز، والعصيان، واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله: الزنا، والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك، يعني: أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم. ” تفسير ابن كثير” ( 1 / 467 ).

وهذا الخيار نوصيك به في حال عدم توبتها، أو عدم الثقة بتوبتها، وكذا في حال أن يبقى لما فعلت أثر على حياتك معها، تُفقد فيه الثقة بتصرفاتها، وأفعالها، أو مع تعييرها وإيذائها.

رابعًا: وقد أحسنت في سترك عليها، و ” من ستر مسلمًا, ستره الله في الدنيا والآخرة ” وحاشاك أن تكون ديوثًا؛ فإن الديوث هو الذي يرى الخبث في أهله ويسكت عنه.

* قال البهوتي الحنبلي – رحمه الله -:

قال الشيخ – أي: ابن تيمية -: ” إذا كانت تزني لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال بل يفارقها, وإلا كان ديوثًا “. انتهى.

وورد لعن الديوث, واللعن من علامات الكبيرة على ما يأتي، فلهذا وجب الفراق، وحرمت العشرة، ولا بأس بعضلها في هذا الحال والتضييق عليها لتفتدي منه لقوله تعالى: ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ). ” كشاف القناع ” ( 5 / 232 – 233 ) ، وانظر ” مجموع الفتاوى ” لابن تيمية (32 / 141 ) وفي هذا الموضع قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

– والديوث: الذي لا غيرة له، وفي الصحيح عن النبي أنه قال: ” إن المؤمن يغار، وإن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه “. انتهى.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 31 / 340 – 341 ):

ومَن لا يغار على أهله ومحارمه: يُسمَّى: ” ديّوثًا “، والدّياثة من الرّذائل الّتي ورد فيها وعيد شديد، وما ورد فيه وعيد شديد يعدّ من الكبائر عند كثير من علماء الإسلام، جاء في الحديث: ” ثلاثة لا ينظر اللّه عزّ وجلّ إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجّلة، والدّيّوث “- رواه النسائي ( 2561 )، وصححه الألباني في ” صحيح سنن النسائي “-. انتهى.

 

ونسأل الله تعالى أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يسدد رأيك، ويقوِّم فهمك.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة