يهودي يكذِّب القرآن ويزعم أن اليهود لا يقولون بأن عُزَيرًا ابن الله ولا أن يد الله مغلولة
السؤال
يهودي يسألني عن القرآن فيقول: نحن لا نقول بأن شخص ” عزير ” نبي الله ابن الله، ولا يوجد نص بذلك، ولا نقول إن يد الله مغلولة، ولا أننا أبناء الله ولا أحباؤه، ولم يؤمن بالقرآن لهذا السبب. أرجو حل هذا الإشكال لو سمحتم، فهو يريد أدلة، ويقول إنها محض ادعاءات عليهم.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لو تفكر ذاك اليهودي في حاله وحال ما استشكله قليلًا لعلم أنه إنما أوتي من اعتداده بنفسه ومن جهله بدينه وتاريخه وجهله بشرع الله تعالى؛ ولو كان ما ذكره الله تعالى عن أجداده اليهود ليس له واقع لسارع أولئك الأجداد إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الطعن في القرآن أنه يقول ما ليس بصحيح من اعتقاد وقول أجداده اليهود، وهذا لم يحصل، فدلَّ ذلك على جهل هذا المعترض وأنه إنما تكلم بما ليس له به علم، ولم يكن أجداده ليضيعوا هذه الفرصة الثمينة لو أن الله تعالى قد ذكر عنهم ما ليس من قولهم واعتقادهم!.
ثانيًا:
ولسنا نشك في صحة ما ذكره الله تعالى عن أولئك اليهود، ومن أصدق من الله حديثًا؟! ومن أصدق من الله قيلًا؟! لكن هذا اليهودي المُستشكِل يجهل أن لغة العرب يجوز فيها نسبة القول للطائفة والجماعة ولا يلزم أن تكون من قولهم جميعًا، بل قد يكون القائل بعضهم ويُنسب القول لجميعهم، ومن الحكمة في ذلك ها هنا: أن سكوت باقي الطائفة عن إنكار القول يعني إقرارهم للقول، فيصح – حينئذٍ – أن يُنسب للطائفة جميعها.
ثالثًا:
والأقوال التي ذكرها الله تعالى في كتابه مما استشكله ذاك اليهودي لم يذكر الله تعالى أنها في كتب اليهود ودينهم، بل هي أقوال قد قيلت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من قبَل طائفة من اليهود فأنزل الله تعالى القرآن بذلك وتوعدهم على قولهم الفاحش ذاك، وكون اليهودي هذا لا يقول بتلك الأقوال فلن يغيِّر هذا من الأمر شيئًا، فهي أقوال قد قيلت يقينًا، والتبرؤ منها لا يعني أنها لم تُقل.
- قولهم ” العزير ابن الله “:
وقد نُقل هذا القول عن بعض يهود المدينة، ونقل عن فرقة ” الأصبهانية ” اليهودية.
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قال ابن العربي في ” شرح الترمذي ” تبرأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن العزير ابن الله، وهذا لا يمنع كونه كان موجودًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك نزل في زمنه واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردَّ ذلك ولا تعقبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم لا جميعهم، بدليل: أن القائل من النصارى إن المسيح ابن الله طائفة منهم لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل وتحول معتقد النصارى في الابن والأب إلى أنه من الأمور المعنوية لا الحسية فسبحان مقلب القلوب.” فتح الباري ” ( 3 / 359 ).
* وقال أبو بكر الجصاص – رحمه الله -:
قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ) قيل: إنه أراد فرقة من اليهود قالت ذلك، والدليل على ذلك: أن اليهود قد سمعت ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنكره، وهو كقول القائل ” الخوارج ترى الاستعراض وقتل الأطفال ” والمراد: فرقة منهم لا جميعهم، وكقولك ” جاءني بنو تميم ” والمراد: بعضهم، قال ابن عباس: قال ذلك جماعة من اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك وهم سلام بن مشكم، ونعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وليس في اليهود من يقول ذلك الآن فيما نعلم وإنما كانت فرقة منهم قالت ذلك فانقرضت. ” أحكام القرآن ” ( 4 / 299 ).
* وقال الماوردي – رحمه الله -:
فإن قيل: فإذا كان ذلك قول بعضهم فلم أضيف إلى جميعهم؟.
قيل: لأن من لم يقله عند نزول القرآن لم ينكره، فلذلك أضيف إليهم إضافة جمع وإن تلفظ به بعضهم .” تفسير الماوردي ” ( 2 / 353 ).
* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
عن قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ) كلهم قالوا ذلك أم بعضهم؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( يُؤْتَى بِاليَهُودِ يَوْمَ القِيَامَة فَيُقَالُ لَهُم مَا كُنْتُم تَعْبُدونَ؟ فَيَقُولُونَ: العُزَيْر ) الحديث – متفق عليه -، هل الخطاب عام أم لا؟.
فأجاب:
الحمد لله، المراد باليهود جنس اليهود كقوله تعالى ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ ) لم يقل جميع الناس ولا قال: إن جميع الناس قد جمعوا لكم؛ بل المراد به: الجنس، وهذا كما يقال الطائفة الفلانية تفعل كذا وأهل الفلاني يفعلون كذا، وإذا قال بعضهم فسكت الباقون ولم ينكروا ذلك: فيشتركون في إثم القول، والله أعلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 15 / 47 ).
وما ذكرناه هنا هو قاعدة الرد على استشكالات ذاك اليهودي، فالأقوال التي ذكرها الله تعالى عن اليهود ثابتة عنهم ولا شك، وهي عن بعضهم لا جميعهم، والنسبة إلى الجنس مع أن القائل طائفة منهم أسلوب عربي معروف، وإنكار القول بتلك الأقوال الآن لا يعني أنها لم تُقل، ولو اكتفينا بهذا لكنَّا قد رددنا الإشكالات من أصلها، لكننا سنزيد في التوكيد، ونذكر باقي الأقوال وقائليها.
- قولهم ” يد الله مغلولة “:
* قال القرطبي – رحمه الله -:
قوله تعالى ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) قال عكرمة: إنما قال هذا ” فنحاص بن عازوراء ” لعنه الله، وأصحابه، وكان لهم أموال فلما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قال ذلك لهم؛ فقالوا: إن الله بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء، فالآية خاصة في بعضهم، وقيل: لما قال قوم هذا ولم ينكر الباقون صاروا كأنهم بأجمعهم قالوا هذا.
” تفسير القرطبي ” ( 6 / 238 ).
* وقال ابن كثير – رحمه الله -:
وقد قال عكرمة: إنها نزلت في ” فنْحاص ” اليهودي عليه لعنة الله، وقد تقدم أنه الذي قال ( إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) آل عمران/ 181، فضربه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له ” شاس بن قيس “: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ).
وقد رد الله عز وجل عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ). ” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 146 ).
- قولهم ” نحن أبناء الله وأحباؤه “:
وهذه الجملة قد تختلف عن سابقتيها بأنها مما قاله بعض اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مما حرَّفوه من كتاب ربهم تعالى.
جاء في ” الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور ” ( 2 / 169 ) للدكتور حكمت بن بشير بن ياسين – حفظه الله – ما نصُّه:
أخرج الطبري بسنده الحسن من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نعمان بن أضاء، وبحري بن عمرو، وشأس بن عدي، فكلموه، فكلمهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته، فقالوا: ماتخوفنا يا محمد! نحن والله أبناء الله وأحباؤه ! كقول النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) إلى آخر الآية. انتهى.
* وقال ابن كثير – رحمه الله -:
ثم قال تعالى رادًّا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: ” أنت ابني بكري”، فحملوا هذا على غير تأويله، وحَرّفوه، وقد ردَّ عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني: ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه وحظْوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 68، 69).
* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
ومن مقالات اليهود والنصارى أن كلاًّ منهما ادعى دعوى باطلة يزكون بها أنفسهم بأن قال كل منهما ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) ، والابن في لغتهم هو الحبيب، ولم يريدوا البنوة الحقيقية، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح . ” تفسير السعدي ” ( ص 227 ).
فهذا ما تيسر من رد إشكالات ذاك اليهودي، وبه يتبين أن الرجل ينكر أمرًا معلومًا مشتهرًا في التاريخ مما قاله أجداده القدماء من الباطل، وليعلم أن الأمر كان متاحًا لأن يكذِّب أولئك الأجداد ما ذكره الله تعالى عنهم، فلما لم يفعلوا عُلم أنه نقل صحيح، فعسى الله أن يهدي قلبه للإسلام ويشرح صدره للإيمان.
والله أعلم.


