علامات قبول الحج

السؤال

سؤالي لفضيلتكم – يا شيخ – عن علامات قبول الحج، هل هي فعلًا أن يرجع الرجل زاهداً في الدنيا راغبًا في الآخرة؟ وهل إذا رجع الحجيج واستمر على جل معاصيه التي كان يفعلها قبل الحج من تأخير لبعض الصلوات المفروضة حتى تخرج عن وقتها، والمداومة – تقريبًا – على صلاة الصبح بعد شروق الشمس إلا القليل جدًّا من الأيام، وشرب السجائر، ومشاهدة الأفلام التي – كما تعلم حضرتك – لا تخلو من الإسفاف … الخ.

الشاهد: هل هذا دليل على عدم قبول ما قام به هذا الرجل من ( 4 حجات ) متتالية أم أنه يجوز أنها قُبلت ولكنه لم يحافظ على قلبه فعاد للذنوب والمعاصي؟.

سؤالي لفضيلتكم – يا شيخ – عن علامات قبول الحج، هل هي فعلًا أن يرجع الرجل زاهداً في الدنيا راغبًا في الآخرة؟ وهل إذا رجع الحجيج واستمر على جل معاصيه التي كان يفعلها قبل الحج من تأخير لبعض الصلوات المفروضة حتى تخرج عن وقتها، والمداومة – تقريبًا – على صلاة الصبح بعد شروق الشمس إلا القليل جدًّا من الأيام، وشرب السجائر، ومشاهدة الأفلام التي – كما تعلم حضرتك – لا تخلو من الإسفاف … الخ.

الشاهد: هل هذا دليل على عدم قبول ما قام به هذا الرجل من ( 4 حجات ) متتالية أم أنه يجوز أنها قُبلت ولكنه لم يحافظ على قلبه فعاد للذنوب والمعاصي؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

ليعلَم ذلك الرجل أنه يرتكب منكرات من الأفعال وكبائر من الذنوب وبعضها يصل إلى الكفر المخرج من الملَّة، فسؤاله عن قبول حجه وهو مداوم على تلك الأفعال والذنوب من تلبيس الشيطان عليه حيث صرف ذهنه إلى مسألة أخرى غير التي هو واقع فيها، لذا فالجواب على سؤالك أخي السائل أن على ذلك الرجل أن يحذر مما يفعله من ذنوب ومعاص حتى لو لم يحج.

  1. فتعمد تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها منكر عظيم، وقد وقع خلاف بين العلماء في كفره وخروجه من الملَّة بفعله ذاك حتى لو كان ذلك التأخير لصلاة واحدة، وقد ذهب جمعٌ من أهل العلم إلى أنه يكفر بذلك كفرًا أكبر يخرجه من الملة، وهو الذي يرجحه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله.
  2. وشرب الدخان محرَّم؛ لما فيه من الخبث والضرر وإضاعة المال.
  3. والأفلام التي تسأل عنها لا يخفى حكمها على أحد؛ لما تحتوي عليه من محرمات قطعية كالتبرج والفجور في الأقوال والأفعال، ويستوي في ذلك الأفلام العاطفية والبوليسية والعلمية والوثائقية، العربية منها والأجنبية.

ثانيًا:

وأما بخصوص فعل تلك المعاصي وغيرها بعد أن يقوم المسلم بحج بيت الله الحرام: فإن ذلك علامة من علامات نقص الحج وعدم تأثيره فيه بما يصلح حاله، ومن أظهر علامات قبول الحج عند أهل العلم أن يرجع الحاج بحال أفضل مما كان عليه.

* قال الإمام النووي – رحمه الله -:

ينبغي أن يكون بعد رجوعه خيرًا مما كان، فهذا من علامات قبول الحج، وأن يكون خيره مستمرًّا في ازدياد.” الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ” ( ص 180 ).

وإذا أراد المسلم أن يعرف قبول حجه من عدمه وكماله من نقصه: فلينظر في حاله بعد أن يرجع من حجه هل هو أفضل مما كان عليه، ولينظر في أثر حجته على قلبه وجوارحه، ولينظر في طاعته ومعصيته، وليحكم بعد ذلك بنفسه على نفسه، وليبادر إلى ما فيه رضا ربه تعالى قبل أن يفوت عليه الوقت ولا ينفعه الندم.

* قال الشيخ عبد الله بن جبرين – رحمه الله -:

يحب الإنسان أن يكون حجُّه مقبولًا وأن يكون مبرورًا، فلذلك علامات يعرفها من حقق النظر فيها، فإذا رجع الحاج من حجه وقد قُبل حجه وقد أتمَّه: رأيتَه محافظًا على العبادات، ورأيتَه يسابق إلى المساجد، ورأيته يتقرب إلى الله تعالى بنوافل العبادات، ورأيته يفعل الرواتب التي قبل الفرائض وبعدها، ويكثر من ذكر الله، يأتي بالأذكار التي بعد الصلوات تسبيحًا وتكبيرًا وتحميدًا، وما إلى ذلك.

وهكذا أيضًا رأيتَه يتقرب إلى الله بالصدقات، ويعمل فضائل الأعمال من الصلوات ونحوها، فيحاول أن يصلي في الليل تهجدًا، ويحاول أن يصلِّي في وسط النهار الضحى صلاة تطوع، ويحاول أيضًا أن يبكِّر إلى الجمعة والجماعات، ويحاول أن يتقرب إلى الله بالأعمال الخيرية التي يتأدب بها المسلم مع إخوانه المسلمين، فتراه مثلًا يحب المسلمين لأجل أنهم مسلمون.

إذا رجع وقد قُبل حجُّه رأيتَه يبدأ إخوانه بالسلام، ورأيته يحرص على زيارات الصالحين، يتودد إليهم ويتقرب بذلك إلى الله تعالى، ويتقرب بمحبتهم، ورأيتَه أيضا يحب مجالس الذِّكر ومجالس العلم: العلم النافع، ويتزود من المعلومات التي تقربه عند الله سبحانه تعالى.

وكذلك أيضا يتقرب إلى الله تعالى بما يتعلق بحقوق إخوته: فيسلم على من لقيه، ويشمِّت من عطس، ويزور المرضى، ويتبع الجنائز، ويصلي على إخوته إذا مات أحد منهم من المسلمين ولم يكن يعلمهم، ويبذل النصيحة للعالم، يبذل النصيحة لإخوانه المسلمين .

وكذلك أيضًا يدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويبر أبويه، ويصل ذوي أرحامه، ويحسن إلى جيرانه، وما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة.

هذه من آثار الحج المقبول، ومن العلامات التي تدل على أنه قد أثر فيه هذا العمل الصالح، يقول الله تعالى ( إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَن الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ ) فإذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: فإن بقية الأعمال كذلك، ولكن الصلاة لا تنهى إلا من حققها وكملها وأخلص فيها، وكذلك الحج أيضًا ينهى عن الفحشاء والمنكر، ينهى صاحبه المخلص فيه عن الأعمال السيئة.

إذا رأيتَ من أخلص في حجه بعد رجوعه: رأيتَه يغض بصره عن الحرام : ولا ينظر إلى ما يفتنه من الصور الفاتنة أو النساء المتبرجات، أو من الأفلام الخليعة أو ما أشبه ذلك، يحفظ بصره عما يفسد عليه قلبه؛ وذلك لأن البصر مرآة القلب.

كذلك أيضا يحفظ سمعه: فلا يستمع إلى الكلام السيئ، لا يستمع الأغاني ولا يستمع الملاهي، ولا يستمع الغيبة والنميمة والسباب والهجاء وما أشبه ذلك، يصون سمعه فيبتعد عن هؤلاء ونحوهم الذين يتعاطون مثل هذه الأعمال السيئة.

وكذلك أيضًا إذا رأيتَ الذي قُبل حجُّه رأيتَه أيضًا حافظًا للسانه: يحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة وقول الزور وشهادة الزور والسباب واللعن والشتم والبهتان والكذب والآثام، والكلام السيئ كله، يحفظه عن أن يتكلم في أحد بسوء أو ببهتان أو ما أشبه ذلك، فإذا لم ينته عن مثل ذلك فإنه يخاف أن حجه غير مبرور، وأنه لم يستفد من حجه إلا التعب، إلا السهر والنصب والخسران المبين، أما إذا رأيتَه وقد حفظ لسانه, وقد انشغل لسانه بما يحبه ربه من الأذكار والعبادات والطاعات: فإنك تستدل بهذا على أنه من المقبولين إن شاء الله.

وهكذا أيضًا يحفظ بقية بدنه: فيحفظ يديه: فلا يبطش بهما إلى ما حرمه الله، لا يمد يده إلا إلى ما فيه مصلحة أو ما أمر به، إلا ما كلف به، وكذلك أيضًا لا يمشي بقدميه أو يركب متوجهًا إلا إلى خير، فالذي مثلا تراه يمشي نحو مجالس اللهو والباطل، أو مجالس المعاصي والمحرمات وما أشبهها تقول: هذا لم يستفد من عمله، هذا ما أفاده حجه، يخاف أنه لم يتأدب بالآداب الشرعية التي رغب الله فيها والتي أحبها.

كذلك أيضًا تراه بعد هذا العمل الصالح: تراه بعده قد حفظ ماله، حرص على ألا يعمل عملًا أو يكتسب كسبًا محرَّمًا، أو كسبًا فيه شبهة: بل تكون أعماله ومكاسبه خاضعة للشرع لا يتعامل بمعاملة محرمة أو مكروهة أو فيها شيء من شبهة الحرام وما أشبهه؛ حتى يكون كسبه حلالًا بعيدًا عن المحرمات.

نقول: إن هذه من آداب الحج، ولا شك أيضًا أنها من آداب المسلم في حياته سواء حج أو لم يحج، سواء أن تيسر له الحج في هذا العام أو قد حج في الأعوام الماضية، أو قد عزم على الحج في السنوات المستقبلة أو ما أشبه ذلك، فمن تأدب بها رجي بذلك قبول أعماله، ومن رفض أن يتأدب بها خشي عليه رد أعماله.

وقد كان السلف – رحمهم الله تعالى – يهتمون بإتقان الأعمال وبإكمالها، ثم بعد ذلك يدخل عليهم الهم، وأحاديث النفس أحدهم: هل قُبلت منَّا أعمالنا أو لم تقبل منَّا؟ هل أعمالنا مما قبلها الله وأثاب أو يثيب عليها أم أنها مردودة؟ حتى كان بعضهم ينادى فيقول: ” ليت شعري مَن المقبول منَّا فنهنيه ومن المردود منا فنعزيه، أيها المقبول: هنيئًا لك، أيها المردود: جبر الله مصيبتك “.

ثم يستدلون على القبول بالأعمال الخيرية التي هي أثر من آثار الأعمال الصالحة، وعلى الرد وعدم القبول بالأعمال السيئة، فيقولون: مَن رجع من الحج وقد قُبل حجُّه: رأيناه تائباً من الذنوب، ورأينا عليه آثار الطاعة؛ وذلك لأنه عاهد الله تعالى عهودًا مؤكدة، من ذلك عهده بالتلبية؛ فإن التلبية هي إجابة الله تعالى.

الحاج والمعتمر إذا قال: ” لبيك “: فإن هذا عهد، عهد بين العبد وبين ربِّه، ” لبيك ” يعني: أنا مقيم على طاعتك، فلا بد أن يكون صادقًا في هذه المعاهدة، فيبقى طوال حياته ملتزمًا بأمر الله تعالى، محافظاً على طاعته؛ حتى يكون من المقبولين، وإنما يتقبل الله من المتقين.  انتهى.

 

http://ibn-jebreen.com/book.php?cat=8&book=224&toc=8769&page=7652&subid=33281

 

– ولا مزيد على ما قاله الشيخ رحمه الله، ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة