أوصاها زوجها أن لا تخلع أساورها الذهبية طوال عمرها فمات قبلها فهل تنفِّذ وصيته؟
السؤال
امرأة عمرها ( 76 سنة )، تلبس أساور من الذهب على معصميها أعطاها إياها زوجها، وقد عهد إليها أن لا تنزعها أبدًا طوال حياتها، وإذا ماتت فلتُقطع هذه الأساور تقطيعًا. الآن مات هو، فماذا تفعل ؟ فكما هو معلوم أن المتوفاة عنها زوجها يجب أن لا تلبس الذهب ولا تتعطر… الخ لمدة أربعة أشهر، فكيف تصنع؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
قد ذكرنا في جواب سابق ما يجب على المرأة المتوفى عنها زوجها أن تجتنبه من الأشياء، وهي: الخروج من البيت في النهار إلا لحاجة وفي الليل إلا لضرورة، ولبس الجميل من الثياب، والتزين بالذهب وعموم الحلي، ووضع العطور إلا إن طهرت من حيض أو نفاس فتستعمل شيئًا يسيرًا، والتكحل.
ويضاف إلى ماذكرناه هناك ” الخضاب ” وهو ” الحنَّاء ” فتمنع المرأة المعتدة من وفاة زوجها من استعمال الحناء في يديها أو رجليها بقصد الزينة، وسنذكر دليل ذلك فيما يأتي إن شاء الله.
وعلى المرأة المعتدة من وفاة زوجها أن تجتنب ما سبق ذِكره طيلة فترة العدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها بالشهور القمرية، وهذه العدة لعموم النساء إلا الحامل فإن عدتها تنتهي بوضع الحمل.
والدليل على ما قلناه مما يجب عليها اجتنابه:
- عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ ).رواه البخاري ( 5028 ) ومسلم ( 938 ).
العْصب: ثياب من اليمن فيها بياض وسواد.
النبذة: القطعة اليسيرة، والقسط والأظفار – وفي رواية مسلم ( ظفار ) -: نوعان مِن الطيب معروفان .
والمراد به: أنها تتطهر بذلك وتتطيب بهِ عند الطهارة من الحيض أو النفاس؛ لأجل قطع الروائح الكريهة والتنظف، لا على معنى التطيب.
- عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رضِيَ الله عنها عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ( الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنْ الثِّيَابِ وَلَا الْمُمَشَّقَةَ وَلَا الْحُلِيَّ وَلَا تَخْتَضِبُ وَلَا تَكْتَحِلُ ). رواه أبو داود ( 2304 ) ورواه النسائي ( 3535 ) بدون قوله ( وَلَا الْحُلِيَّ ). وقد بوَّب الإمام ابن حبَّان على الحديث في ” صحيحه ” (10/144) بقوله ” ذِكر الزجر عن أن تلبس المعتدة الحلي أو تختضب “.
( المعصفر ): المصبوغ بالعُصفر، ( الممشَّقة ) المصبوغ بالمِشق وهو الطين الأحمر.
- عن الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ وفيه قول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها ( امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ) قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ. رواه الترمذي ( 1204 ) وصححه وأبو داود ( 2300 ) والنسائي ( 3530 ) وابن ماجه ( 2031 ).
ثانيًا:
وبما سبق ذكره من الأدلة وما أحلنا عليه من الأجوبة: يتبين أنه لا يجوز للمرأة المتوفى عنها زوجها لبس شيء من الحلي أثناء عدتها.
وليس للزوج على زوجته طاعة إلا في حياته، وأيًّا كان أمر تلك الطاعة سواء في حياته أم بعد وفاته فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ( لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ). رواه البخاري ( 7257 ) ومسلم ( 1840 ).
والأقرب أن يعدَّ ما قاله لها من باب الوصية، ووصيته لها بأن تبقى على لبس تلك الأساور حتى وفاتها: وصية باطلة لا يجوز تنفيذها؛ لمخالفتها للشرع الذي نهاها عن لبس ذلك الحلي من الذهب.
* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
بالنسبة إلى الوصية التي تخالف الشرع هل تنفَّذ أم لا؟ وكيف يتصرف الموصَى إليه في هذه الوصية؟.
فأجاب:
الوصايا المخالفة للشرع لا تعتد، الوصايا إذا خالفت الشرع: لا تنفذ، لا ينفذ منها إلا ما وافق الشرع، فإذا أوصى الإنسان – مثلًا – في ماله بأكثر من الثلث: لا ينفذ إلا الثلث إلا برضا الورثة المرشدين إذا رضوا بالزيادة، وإذا أوصى بمال في معصية كأن يشترى به خمر أو يشترى به شيء من آلات ملاهي: لا تنفذ الوصية، وهكذا، لا بد من أن الوصية تكون موافقة للشرع، أو أوصى للورثة، لبعض الورثة، ( لا وصية لوارث)، لا بد أن تكون الوصية موافقة للشرع، مطابقة للشرع. ” فتاوى نور على الدرب ” (شريط رقم 420 ).
وعليه: فعلى تلك المرأة التي زوجها أن تبادر إلى خلع تلك الأساور، ولتلبسها بعد انتهاء عدتها، وعسى الله أن يرحم زوجها، وأن ييسر لها أمرها ويوفقها لما فيه رضاه.
والله أعلم.


