ما معنى مصطلح ” الحرام لغيره “؟ وهل يحرم الطعام على مَن أكل بشماله؟
السؤال
أرجو من فضيلتكم توضيح معنى ” الحرام لغيره “, هل يعني – مثلًا – إذا أحدهم أكل الطعام بشماله يحرم ذلك الطعام عليه لكون الأكل بالشمال حرامًا؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
أ. يقسَّم الحرام عند الأصوليين والفقهاء تقسيمات كثيرة، ومما يفيدنا هنا ذكره: تقسيم الحرام باعتبار الذوات، ويدخل تحته:
- الحرام لذاته، وهو ما حُرِّم لمفسدة خالصة، كالزنا، أو راجحة، كشرب الخمر.
- الحرام لغيره، وهو ما أذِنَ به الشارعُ، ومُنِع باعتبار آخر كالبيع والشراء بعد النداء للجمعة لما في مزاولته تفويت الجمعة، وخطبة الرجل على خطبة أخيه لما فيه من إيغار الصدور، فهذه الأمور إما في ذاتها مطلوبة، أو مباحة، ولكن اقترن بها ما يصيِّرها حرامًا.
ب. والفرقُ بين الحرام لغيره والحرام لذاته:
- 1. الحرام لذاته: الخلل في نفسه، والحرام لغيره: الخلل لوصف عارض طرأ عليه، لولاه كان جائزًا.
- الحرام لذاته: مشتمل على مفسدة ملازمة له، والحرام لغيره: متصف بمفسدة عارضة.
- الحرام لذاته: متعلق باعتبار واحد وهو التحريم، والحرام لغيره: متعلق به اعتباران، متى انفصل أحدهما تخلف التحريم.
- الحرام لذاته: قبيحٌ بعينه، كالزنا، والحرام لغيره: قبحُه بتعلق شيء عارض، كوطء الزوجة في حيضها.
- الحرام لذاته: يعود التحريم لماهيته وأفراده، والحرام لغيره: يعود التحريم لوصف خارج عن الماهية، كخطبة الرجل على خطبة أخيه.
ج. أسبابُ المحرم لغيره:
- المحرم للاقتران، كالصلاة في الأرض المغصوبة.
- المحرم للذريعة، كتحريم النظر إلى المرأة الأجنبية.
- المحرم للاشتباه، كتحريم الصيد إذا اشتبه بالميتة.
- المحرم للتغليب، كتحريم التطهر بالماء الذي وقعت فيه النجاسة ولم تغيره وكان دون القلتين.
- المحرم للمآل، كتحريم بيع الرطب بالتمر.
- المحرم للجمع، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها.
- المحرم للتأديب، كتحريم أكل الإنسان متكئًا.
- المحرم للاعتبار، كتحريم النزول بأرض العذاب.
- المحرم للإرفاق، كتحريم الوصال.
- المحرم للتشبه، كتحريم الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها.
- المحرم للتنزه، كتحريم مسِّ الذكر باليمين.
- المحرم للإكراه، كتحريم الصدقة من آل البيت.
- المحرم للاستقذار، كرجوع الواهب في هبته.
وللعلم فما ذكرناه في بعضه خلاف في كونه حراماً والمقصود هنا ” النهي ” و ” المنع “، وأما التفاصيل فتُطلب في مظانها.
د. أقسام الحرام لغيره:
- الحرام لغيره لصفته؛ مثل تحريم الصلاة والصوم على الحائض، لمكان تلبسها بالحدث الأكبر المانع.
- الحرام لغيره الملازم له، كتحريم صوم يوم العيد؛ لما فيه الإعراض عن ضيافة الله.
- الحرام لغيره لأمر خارج عنه، كالصلاة في الأرض المغصوبة.
- الحرام لغيره لشرطه، كصلاة الرجل بالثوب الحرير، فستر العورة شرط لصحة الصلاة، ولبس الحرير محرمٌ على الرجال.
وكل ما سبق كان تلخيصًا لرسالة علمية بعنوان ” الحرام لغيره، دراسة نظرية تطبيقية ” للدكتور علي بن محمد باروم، وقد نشرت في ” مجلة جامعة أم القرى “، العدد ( 47 )، شهر رجب عام ( 1430 هـ )، ويمكن تحميلها ” مصوَّرة ” من الشبكة العنكبوتية، وهي مفيدة في الباب.
ثانيًا:
وأما بخصوص مسألة الأكل باليد الشمال فحرام لا يجوز، وقد ذكرنا في جواب سابق آداب الطعام، ومنها: الأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال، وذكرنا الحديث الصحيح والذي فيه أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله.
ومن خالف فأكل بشماله فلا يكون طعامه حرامًا عليه لانفكاك جهة المنع من الأكل بالشمال عن جهة الطعام نفسه، فالجهة منفكة فيكون حكمها حكم الصلاة في الأرض المغصوبة وما شابهها من المسائل، على أن جمهور العلماء يرون أن النهي عن الأكل بالشمال أنه نهي إرشاد فيكون تعمد الأكل بالشمال عندهم مكروها لا محرَّمًا، وبكل حال فعلى القول بالتحريم أو الكراهة لا يكون الطعام حراماً على من أكل بشماله.
* قال الإمام ابن عبد البر – رحمه الله -:
فمَن أكل بشماله أو شرب بشماله وهو بالنهي عالم: فهو عاصٍ لله، ولا يحرم عليه مع ذلك طعامه ذلك ولا شرابه؛ لأن النهي عن ذلك نهي أدب لا نهي تحريم، والأصل في النهي أن ما كان لي ملكاً فنهيت عنه: فإنما النهي عنه تأدب وندب إلى الفضل والبر وإرشاد إلى ما فيه المصلحة في الدنيا والفضل في الدين، وما كان لغيري فنهيت عنه: فالنهي عنه نهي تحريم وتحضير. والله أعلم . ” التمهيد ” ( 11 / 113 ).
ومن الباب نفسه عدم تحريم الشراب لمن تشبَّه بالفسَّاق فضرب كأسه بكأس آخر، أو تشبَّه بحركات شاربي الخمر، فمع وقوع الشارب في الحرام وهو التشبه بالفسَّاق فإن فعله لا يجعل شرابه المباح حرامًا.
* قال الشيخ منصور البهوتي – رحمه الله -:
يحرم التشبُّه بشراب الخمر ويعزر فاعله وإن كان المشروب مباحا في نفسه فلو اجتمع جماعة ورتبوا مجلسا وأحضروا آلات الشراب وأقداحه وصبوا فيها السكنجبين ونصبوا ساقيًا يدور عليهم ويسقيهم فيأخذون من الساقي ويشربون ويجيء بعضهم بعضا بكلماتهم المعتادة بينهم حرم ذلك وإن كان المشروب مباحا في نفسه لأن في ذلك تشبها بأهل الفساد.” كشاف القناع ” ( 6 / 121 ).
ويمكن إدخال مسألتنا هذه في باب ” الحرام لغيره ” فيما نقلناه سابقًا في:
- ” أسباب المحرَّم لغيره ” وذكرناه منها: ” المحرم للاقتران، كالصلاة في الأرض المغصوبة ” وهي من المسائل التي تبحث فيما يعرف بـ ” انفكاك الجهتين “.
- ” أقسام المحرَّم لغيره ” وذكرنا منها: ” الحرام لغيره لأمر خارج عنه، كالصلاة في الأرض المغصوبة “.
والله أعلم.


