تفصيل القول في نسب ولد الزنا إن كانت أمه متزوجة أو غير متزوجة

السؤال

هل يجوز إثبات نسب ولد المغتصبة؟ مع بيان ذلك عند الجمهور، ثم بيان حكمه في مذهب الحنفية، طبقًا للراجح من أقوالهم وسنده؛ لكونه المذهب المعمول به في المحاكم المصرية عند خلو النص القانوني؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

الاغتصاب جريمة منكرة، وفاعله متوعد بأغلظ العقوبات في الدنيا والآخرة، والمرأة المغتصبة لا تسمَّى زانية، ولذا فلا إثم عليها, ولا حدّ.

* قال الإمام الشافعي – رحمه الله -:

في الرجل يستكره المرأة، أو الأمة يصيبها: أن لكل واحدة منهما صداق مثلها، ولا حدَّ على واحدة منهما، ولا عقوبة. ” الأم ” ( 3 / 294 ).

* وقال ابن عبد البر – رحمه الله -:

ولا نعلم خلافاً بين العلماء أن المستكرهة لا حد عليها، إذا صح استكراهها.

” الاستذكار ” ( 7 / 146 ).

ثانيًا:

والمرأة التي تُنجب ولداً ناتجًا من اغتصاب، أو نتيجة علاقة زنا مع أجنبي برضاها: لا تخلو من حالين: إما أن تكون فراشًا – أي: زوجة -، وإما أن لا يكون لها زوج.

أ. فإن كانت فراشًا، وأنجبت ولدًا من علاقة محرَّمة – أو من اغتصاب -: فإن الولد يلحق بصاحب الفراش – وهو الزوج إن كانت حرَّة، والسيد إن كانت أمَة -، ولا ينتفي الولد في هذه الحال إلا بنفي الزوج له باللعان، وهذا كله في حال أن يُنجب الولد بعد عقد الزوجية، وإمكان الحمل عند الجمهور، أو تحقق الوطء عند ابن تيمية وابن القيم.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -:

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كلَّ ولدٍ يولد على فراشٍ لرجل: لاحقًا به على كل حال، إلى أن ينفيه بلعانٍ على حكم اللعان.

وأجمعت الجماعة من العلماء أن الحرةَ فراشٌ بالعقد عليها، مع إمكان الوطء، وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء والحمل: فالولد لصاحب الفراش، لا ينتفي عنه أبداً بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه، إلا باللعان.

” التمهيد ” ( 8 / 183 ).

وعمدة المسألة: حديث ” الولد للفراش وللعاهر الحجر “، ونصُّه:

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ, عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ, وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: ” هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ “.

رواه البخاري ( 1948 ), ومسلم ( 1457 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ونقل عن الشافعي أنه قال: لقوله: ” الولد للفراش ” معنيان: أحدهما هو: له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع له – كاللعان -: انتفى عنه، والثاني: إذا تنازع رب الفراش، والعاهر: فالولد لرب الفراش.

قلت: والثاني منطبق على خصوص الواقعة، والأول: أعم.

” فتح الباري ” ( 12 / 35 ، 36 ).

ب. وإن لم تكن المرأة فراشاً، وأنجبت ولداً نتيجة علاقة محرَّمة – أو اغتصاب – ولم يستلحقه الزاني – والاستلحاق هو الإقرار بالنسب -: فلا خلاف في أنه لا يلحق به، وأما إذا استلحقه: فهنا ثمة خلاف بين العلماء، فقد ذهب الأئمة الأربعة، والظاهرية، إلى أن الولد لا يُلحق بالزاني، بل يُلحق بأمه، ويُنسب لها، وهو قول علماء اللجنة الدائمة.

وخالف في ذلك: إسحاق بن راهويه، وقال بأنه يلحق بالزاني إن شاء استلحاقه به، وأيده: شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم – رحمهما الله -، وهو الذي يفتي به الشيخ العثيمين.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فإن قيل: فقد دلَّ الحديثُ على حكم استلحاق الولد، وعلى أن الولد للفراش، فما تقولون لو استلحق الزاني ولدًا لا فِراش هُناك يُعارضه، هل يلحقُه نسبُه، ويثبتُ له أحكامُ النسب؟.

قيل: هذه مسألة جليلة، اختلف أهلُ العلم فيها، فكان إسحاق بن راهويه يذهبُ إلى أن المولودَ مِن الزِّنى إذا لم يكن مولودًا على فراش يدَّعيه صاحبه، وادعاه الزاني: أُلحِقَ به، وأوَّل قول النبي صلى الله عليه وسلم:” الولد للفراش ” على أنه حكم بذلك عند تنازُع الزاني وصاحب الفراش، كما تقدم، وهذا مذهب الحسن البصري، رواه عنه إسحاق بإسناده، في رجل زنى بامرأة، فولدت ولدًا، فادَّعى ولدَها فقال: يُجلد، ويلزمُه الولد، وهذا مذهبُ عروة بن الزبير، وسليمانَ بن يسار، ذُكر عنهما أنهما قالا: أيُّما رجل أتى إلى غلام يزعم أنه ابن له، وأنه زنى بأمه، ولم يَدَّعِ ذلك الغلامَ أحد: فهو ابنُه. ” زاد المعاد ” ( 5 / 425 ).

* ومن قبلُ قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وإن استلحق ولده من الزنا، ولا فراش: لحقه، وهو مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وإسحاق. ” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 508 ).

وعمدة القائلين بأن الزاني يُلحق به ابن المزني بها إن شاء استلحاقه: حديث جريج، وهو:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلًا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ, فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لَأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، فَاسْتَنْزَلُوهُ، وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ, فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي “.

رواه البخاري ( 1148 ), ومسلم ( 2550 ).

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد قال جريج للغلام الذي زنت أمُّه بالراعي: مَن أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي.

– وهذا إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذبُ.

” زاد المعاد ” ( 5 / 426 ).

وردَّ عليه بوجوه، أبرزها وجهان:

* قال النووي – رحمه الله -:

قد يقال: إن الزاني لا يلحقه الولد، وجوابه من وجهين:

أحدهما: لعله كان في شرعهم يلحقه، والثاني: المراد مِن ماء مَن أنت؟ وسمَّاه أبًا مجازًا. ” شرح مسلم ” ( 16 / 107 ).

والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، وقوله صلى الله عليه وسلم: ” الولد للفراش والعاهر الحجر ” نصٌّ في أن العاهر ليس له إلا الخيبة، أو الرجم، وأنه لا يُلحق به من تخلق من مائه الفاجر.

* قال ابن عبد البر – رحمه الله -: 

فكانت دعوى ” سعد ” سببُ البيان من الله عز وجل، على لسان رسوله، في أن العاهر لا يُلحق به في الإسلام ولد يدَّعيه من الزنا، وأن الولد للفراش على كل حال. ” الاستذكار ” ( 7 / 163 ، 164 ).

* وسئل علماء اللجنة الدائمة:

حكم ولد الزنا إذا اعترف والده، وليست أمه متزوجة؟.

فأجابوا:

لا يثبت بالزنا نسب الولد للزاني؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” الولد للفراش، وللعاهر الحجر “، ويجوز للزاني أن يتزوج الزانية بعد انقضاء العدة، والتوبة النصوح. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 20 / 387 , 388 ).

وهذه فتوى أخرى في حال وجود ولد نتيجة اغتصاب:

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

ثبت اعتداء ( صياح … ) على ( عبده … ) بفعل الفاحشة قهرًا، فحملت منه، وأنجبت طفلًا سمي ( سعد )، وطلب ( صالح ) حضانة الابن المذكور، ووافقت والدته، وحكم قاضي ” ينبع ” بالموافقة على ذلك، ويرى فضيلة قاضي ” ينبع ” أن يكون اسم والد اللقيط ( عبد الله )، ويطلبون إصدار فتوى عامة بهذا الخصوص؛ لتكون قاعدة عامة بالنسبة للحالات المماثلة لهذه.

فأجابوا:

حيث ولد هذا الولد من زنا: فإنه لا يصح إلحاقه بالزاني؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” الولد للفراش، وللعاهر الحجر “, رواه أصحاب السنن وغيرهم.

ولا يصح أن ينسب إلى من حضنه؛ لئلّا يترتب على ذلك اختلاط هذا المنسوب في أولاد المنسوب إليه، وينسب إلى قبيلة أمه؛ لأنه منسوب إلى أمه، كما في الحديث السابق، وأما التسمية لأبيه بعبد الله: فجائز.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن “, رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما -.

الشيخ إبراهيم آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 16 / 15 , 16 ) .

وهذا هو المفتَى به في ” دار الإفتاء المصرية “!، وقد وجدنا في موقعهم جواباً مطابقاً لما ذكرناه ورجحناه، وهو قولهم:

” من حملت باغتصاب حملًا غير شرعي: فهو ابنها ينسب إليها؛ لأنه تكوَّن من بويضتها، وولدته من بطنها، ولا يجوز نسبته إلى أحد إذا كانت غير متزوجة، وعليها أن ترعاه رعاية كاملة إذا وضعته. انتهى.

وللتنبيه:

فإنه قد نقل ابن قدامة – رحمه الله – عن أبي حنيفة أنه يقول باستلحاق ولد الزنا بالزاني، وقد ذكر بعض المعاصرين هذا قولا لأبي حنيفة؛ اعتمادًا على كلام ابن قدامة، وهذا غير المعروف عنه، وغير المنقول عن كتب الحنفية.

وبعض المعاصرين يقيِّد هذا النسب للزاني بأن يتزوج من المزني بها، وهو محتمل الفهم من كلام أبي حنيفة المنقول عنه – إن ثبت – وإن كان مرجوحا من حيث الفقه.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

علي بن عاصم عن أبي حنيفة أنه قال: لا أرى بأسًا إذا زنا الرجل بالمرأة فحملت منه: أن يتزوجها مع حملها، ويستر عليها، والولد ولد له.

” المغني ” ( 7 / 130 ).

والذين كتبوا في هذه المسألة من المعاصرين – بل وحتى من المتقدمين غير ابن قدامة – لم ينقلوا عن أبي حنيفة – رحمه الله – أنه يخالف الجمهور في هذه المسألة، بل هو موافق لهم، ولو صحَّ هذا عنه, لكان أولى بالذكر من إسحاق بن راهويه، والحسن البصري، وسليمان بن يسار، رحمهم الله جميعًا.

ثالثًا:

ولسنا بحاجة إلى بيان حكم ” إثبات نسب المغتصبة ” بالطرق الحديثة؛ لأنه على قول الجمهور – وهو الراجح – لا يثبت نسب ولد الزنا للزاني ولو اعترف الزاني، وهو أقوى في الدلالة من الطرق الحديثة، وعلى القول الآخر يكفي أن يستلحقه الزاني ليلحق به، ولو يذكر أنه زنا بأمه، وأما جعل الطرق الحديثة في الإثبات تُلزم الزاني بأن يلحقه ولد المزني بها: فلا؛ لثبوت الإجماع على عدم استلحاق ولد الزنا بالزاني إذا لم يستلحقه.

 

– ونسأل الله تعالى أن يطهر أعراض المسلمين من كل دنس وقذر.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة