نصائح وتوجيهات للمسلمين في ” فنلندا ” الإجابة الثانية.
السؤال
نحن أفراد الجالية الإسلامية البالغ عددها حوالي ( 35 ألفًا – 40 ألفًا )، والمكونة من فِرق متعددة، المكلفون بعمل الإحصاءات هنا لا يفرِّقون بين شيعي، وبهائي، وحبشي، وسنِّي! واندمج هؤلاء المسلمون مع مواطني الدولة المسيحية البالغ عدد سكانها حوالي ( 5 مليون نسمة )، حتى علم الدولة محتوي على رمز المسيحية، ألا وهو الصليب.
خلال الأشهر الماضية قام جماعة من المنتمين حديثًا للإسلام ( سنَّة ) بتشكيل حزب سياسي، وجعلوا من بين أهدافهم: محاولة منع بيع الخمور في المحلات، بل ذهبوا لأبعد من ذلك بإعلانهم عن رغبتهم في إقامة الشريعة في هذه الدولة المسيحية! لا بدَّ أن تأخذوا في الاعتبار أن المسلمين هنا لا يتمتعون بالحقوق العادية، كالحق في أن يكون لديهم مقابر خاصة، أو الحق في إظهار شعائر معينة، كذبح الأضاحي، وما إلى ذلك.
كان لدينا مقابر خاصة، ولكنها امتلأت، وبسبب حدوث بعض الأخطاء في تنظيمها، والخلاف بين الفرق المختلفة على مسك زمام المسئولية، استفادت السلطات هنا من الخلاف، وجعلوا الأمر صعبًا جدًّا على المسلمين، ولم يمكنوهم من امتلاك مقابر خاصة بهم، ولذلك إذا مات أحد المسلمين هنا: يُدفن بجوار المسيحي، والملحد!.
تلك الجماعة من المنتمين حديثاً للإسلام يحاولون أن يتوحدوا، ويبتعدوا عن حزبية وقبلية الصوماليين، وعن محادثات العرب، الآن تركز وسائل الإعلام هنا على الإسلام والمسلمين بصورة سلبية، وذلك عن طريق مناقشة موضوعات مثل:
– الطلاق في الإسلام بيد الرجل، ولا تستطيع المرأة أن تحصل على حقوقها كاملة، وعلى حريتها إذا ما أرادت أن تنهي زواجها.
– العقاب البدني للأطفال في البيوت، فضرب الأبناء في هذه الدولة يعدُّ جريمة يعاقب عليها القانون.
– تقوم العائلات المسلمة بعزل أبنائهم عن المجتمع، وحرمانهم من الاشتراك في ممارسة السباحة ( بنات، وأولاد معًا ) ، ويقومون أيضًا بحرمانهم من حضور دروس الموسيقى.
وأيضًا يناقشون ( ماذا يريد المسلمون هنا، أن يتبعوا شريعتهم أم نظام الدولة؟! ).وهدف الإعلام من ذلك هو تشويه صورة الإسلام، وزرع الكراهية في قلوب عامة الناس تجاه الإسلام والمسلمين، الناس هنا عمومًا يشتكون أن المسلمين يتمتعون بأموالهم، والخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين، والآن يضاف إلى قائمة الشكاوى أن المسلمين يريدون أن يقيموا الشريعة على أرض الدولة، بينما بلدانهم الأصلية لا تطبق الشريعة، علماً بأن من يقومون بأداء الواجبات الدينية هنا من المسلمين: أقلية، بينما الأغلبية اندمجت تمامًا في المجتمع.
وتبني وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث نتائجها على رأي كل وأي شخص يمكنه الإجابة، والذي قد يكون جاهلًا، خصوصًا أن معظم الناس حاليًّا يجرون وراء الشهرة، والمكاسب الدنيوية، وقد فاض بهم الكيل من بلدانهم الأصلية التي لا يحصلون فيها على حقوق، ولا تقدرهم كمواطنين، ومن أجل الحصول على تقدير غير المسلمين لهم يفعلون أي شيء! فقد سمعنا حتى عن أفراد ارتدوا عن الإسلام، وأصبحوا مسيحيين!.
عندما نصح البعض رئيسَ ذلك الحزب الإسلامي بشأن الخطوات التي ينبغي عليه أن يتخذها قال: إنه فقط يسعى لعمل دعاية إيجابية للإسلام – هذا الشخص كان ناشطاً سياسيًّا في شبابه -.
الآن نطلب منكم نصيحة عامة للمسلمين في هذا البلد، وخصوصًا لأولئك مكوني الحزب السياسي من المنتمين للإسلام حديثًا، وأن تذكروننا بواجبنا تجاه البلد، وتجاه مواطني البلد الأصليين ومسئوليه، وأن تبينوا لنا الحدود التي لا ينبغي علينا تخطيها، حتى لا ندمر بيوتنا بأيدينا، أو على الأقل حتى لا نُحرم من الحقوق القليلة التي نتمتع بها في هذه الدولة، فليس كل مسلم هنا قادر على الهجرة إلى بلد إسلامي.
إذا أردتم المزيد من المعلومات حول الموضوع: فأرجوكم أن تراسلونا، وسنكون سعداء جدًّا بإرسال مزيد من التفاصيل إليكم، أرجوكم أن تردوا علينا بسرعة، حيث ما زال هناك المزيد من الوقت لغلق أبواب الفتنة، وقبل فوات الأوان.
وجزاكم الله خيرًا، قد يكون هناك بعض التعبيرات الخاطئة، نسمح لكم بحذف ما لا تجدونه ملائمًا للدعوة، ولكم الحرية في صياغة السؤال بالشكل اللائق، ما يهم هو أن تنصحونا.
الجواب
الحمد لله
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ” رواه مسلم (49).
* سئل الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:
إذا لم يكن للمسلمين إمامٌ مسلم يقيم الشرع مثل الأقليات المسلمة، فهل لرئيسهم المسلم أو لإمام المسجد أن يقيم الحدود عليهم؟
فأجاب:( هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل وبحث، وهذه كل صورة لها حكمُها وكل بلد لها حكمها، فيَلْزَمْ أولئك أن يستفتوا أهل العلم ويأخذوا الفتوى، ليس ثَمَّ قاعدة؛ لأنَّ كل بلد لها حكمها، وكل أقلية لها حكمها وقد يدخلون في أشياء بمحض اجتهادهم، تكون عليهم ضرر، تكون تلك الأشياء عليهم ضررًا في عاقبة أمرهم، فلابد من استفتاء أهل العلم الراسخين فيه، وتُنْزَلْ كل مسألة منزلتها ) شرح العقيدة الطحاوية(1/471).
* قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى -:
قوله ( باليد ): واليد في وقتنا هذا لا تكون إلا من ذي سلطان وإنما كان الأمر كذلك لئلا يصبح الناس فوضى.
على كل حال نحن نقول: إن التغيير شيء لا يكون إلا من ذي سلطان وهو حق ، لأنه لو جُعل التغيير باليد لكل إنسان لأصبح من رأى ما يظنه منكرًا منكرًا عنده ثم أتلف أموال الناس من أجل أنها منكر يرى بعض الناس أن الراديو منكر فمر برجلٍ قد فتح الراديو على أخبار مكة وهو يرى أنه منكر وقلنا غيِّر باليد ماذا يصنع بالراديو يكسِّره هل له حق أن يكسره؟
ليس له حق في وقتنا الحاضر أما في الوقت الذي مضى ما نعلم عنه ، لكن لو نهيناهم وصاروا صاحين لذهبوا يفجرون بنساء المسلمين ويأخذون أموالهم أيهم أعظم؟ الثاني أعظم دعهم يشربون الخمر ولا يعتدون على المسلمين، لكن في وقتنا الحاضر لو جُعل التغيير باليد لغير ذي سلطان لأصبح الناس فوضى وتقاتل الناس فيما بينهم ولقد رأيتُ رجلًا منذ سنوات دخل المسجد إنسانٌ ومعه راديو فقام الرجل الحبيب الطيب الناهي عن المنكر أمام المصلين وقال والعياذ بالله يأتي أحدكم بالراديو مزمار الشيطان ويجعله معه في المسجد والذي جاء به حاج من الحجاج نحن كنا نشتغل في مطار جدة, من الحجاج أتى بهذا الراديو وهو فيه تسجيل لعله يسمع أخبارًا يسجلها تنفعه حاج يحب أخبار الحجاز وقام يتكلم كلامًا عظيمًا الحجاج انبهروا هذا حرام هذا حرام فجاءوا يسألون يقولون: هل هذا حرام؟ نحن ما أتينا للحج لنبحث عن الحرام فقلنا لهم: حلال اطمئنوا إن شاء الله ما فيه إلا العافية لكن إياكم أن تفتحوه على الأغاني والموسيقى هذا حرام أما الأخبار والقرآن والحديث فهذا ليس فيه شيء طيب القرآن والحديث طيب والأخبار من الأمور المباحة.
فأقول: بعض الناس يظن ما ليس منكرًا منكرًا فلو قلنا غيِّر باليد كسَّر هذا الراديو أو المسجل الذي يرى أنه منكر؛ ولهذا نقول: الإزالة باليد أو التغيير باليد في الوقت الحاضر لا يكون إلا من ذي سلطان والسلطان من أعطاه ولي الأمر صلاحيةً في ذلك، وعلى هذا رجال الحسبة الموجودون عندنا يكون لهم السلطة أليس كذلك؟ وبعض المواضع بالنسبة للمكان في بعض الأحيان بالنسبة للزمان.
قوله: ( فاصبر ): أمر بالصبر لأن المقام يحتاج إلى الصبر، ولهذا قال الله تعالى:{ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك}
[ لقمان / الآية 17 ].
فاصبر وزل باليد واللسان لمنكرٍ واحذر من النقصان
هذه مراتب التغيير غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ذكرنا قبل أن هناك ثلاث مراتب:
- الدعوة.
- والأمر.
- والتغيير.
فلا تلتبس عليكم أو فلا يلتبس عليكم بعضها مع بعض.
1 – الدعوة.
2 – والثاني: الأمر والنهي
3 – والثالث: التغيير
الدعوة: أن يدعو الإنسان إلى الله عز وجل ترغيبًا وترهيبًا دون أن يوجه أمرًا معينًا لشخصٍ معين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو شيءٌ موجه لشخص معين أو طائفة معينة أو ما أشبه ذلك لكن فيه أمر افعلوا اتركوا وأظنكم تعرفون الفرق، لو قام رجلٌ بعد صلاة الجمعة بعد صلاة الظهر أحسن لأن الخطبة بعد صلاة الجمعة فيها ما فيها لو قام رجل بعد صلاة الظهر يدعو الناس يرشدهم إلى الله يبين الحق يبين الباطل يحذر من هذا وهذا هل يقال هذا آمرٌ بمعروف ناهٍ عن منكر؟.
يقال: هذا داعٍ إلى الله
ولو رأينا رجلًا يقول: يا فلان افعل كذا اتق الله ، يا فلان اترك كذا اتق الله, هذا آمر وناهي.
التغيير أن يغير الإنسان المنكر بنفسه بأن يكون دعا صاحب المنكر إلى تركه ولكن أبى أو أمر تارك المعروف أن يفعله ولكن أبى هذا يغير يضرب ويحبس ويكسر آلة اللهو وما أشبه ذلك، هذا التغيير قيده الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،قال:” والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولَتَأْطُرُنَّهُ على الحق أَطْراً “.
لم يقل: إن استطعتم لكن قال:” من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه “.
إذن فالتغيير غير فنقول: التغيير فيه سلطة وقدرة ، الأب في بيته داعٍ آمر مغير لأن له سلطة، رجل الحسبة في المجتمع داعٍ وآمر ومغير لكن ليس التغيير لكل أحد ليس كل أحد يستطيع قد يغير ويلحقه من الضرر ما لا يعلمه إلا الله وقد يلحق غيره أيضًا ممن لم يشاركه في التغيير كما هو الواقع، ولهذا نقول: غيِّر باليد فإن لم تستطع، قال: ( واللسان ): والمؤلف رحمه الله رتبها ترتيبًا محليًّا لا لفظيًّا يعني ما أتى بـ ( ثم ) الدالة على الترتيب أو بالفاء أو ما أشبه ذلك، لكن تقديم بعضها على بعض يدل على الترتيب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:” إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به “, مع أن الله قال:{ إن الصفا والمروة } [ البقرة / الآية 158 ]، ولم يقل: ( إن الصفا ثم المروة ).
إذن الأول اليد الثاني اللسان، اللسان ليس أن تقول يا فلان اتق الله أن تنتهره وأن تريه سلطة وقدرة واستعلاءً، استعلاءً بالحق.
قوله: ( النقصان ): النقصان ما هو؟ أن تغير بالقلب لأنه أضعف الإيمان أن تغير بالقلب كيف التغيير بالقلب؟ هل الإنسان يمكن أن يغير بالقلب؟
يمكن بالكراهة وعدم المخالطة هذا التغيير بالقلب، الكراهة للمنكر وعدم مخالطة فاعليه، لقول الله تبارك وتعالى: { وقد نزل عليكم الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذن مثلهم }[ النساء / الآية 140 ].
فلو فرضنا مثلًا: أن قومًا يلعبون الشطرنج ومعهم رجلٌ صالح قال: يا قوم اتقوا الله هذا حرام لا يجوز، قالوا: لن ندع هذا فهل يجوز أن يجلس معهم؟ لا، لكنهم قالوا له : إن خرجت فنفعل بك كذا وكذا فجلس.
هل يأثم؟.
لا، لماذا؟ لأنه مكره على الجلوس، فإن قال: أنا لم أُكْرَه على الجلوس لكن أخشى إن ذهبتُ أن يقع بيني وبينهم عداوة ماذا نقول؟ نقول: وليكن إذا عاديتهم لله لا يضرك فإن قال: أخشى أن يقع بيني وبينهم قطيعة رحم، نقول: لا يقع بينك وبينهم قطيعة رحم صِلْهُم أنت، لأن صلة الرحم من قبلك ممكنة أو متعذرة؟ ممكنة وأنت إذا وصلتهم وهم يقطعونك فكأنما تُسِفُّهُمْ الملّ كما جاء في الحديث، فالحاصل الآن أن التغيير له ثلاث مراتب ) شرح العقيدة السفارينية (2 / 84-81).
* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
في حديث أبي سعيد الذي رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” من رأى منكم منكرًا … الخ “, هل الحديث على سبيل التخيير أم على سبيل الترتيب؟ وإذا كان على سبيل الترتيب، ما هو الضابط إلى الانتقال من مرحلة إلى مرحلة من الإنكار؟
الشيخ: اقرأ الحديث من أجل تعرف.
السائل: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )
فأجاب: ( هل هذا ترتيب أو تخيير؟
السائل: ترتيب.
الشيخ: إذاً هو على الترتيب.
السائل: لأن البعض يظن أن الإحراج الذي قد يتسبب له من إنكار المنكر كأن ينكر على فتاة …….
الشيخ: لا، انظر بارك الله فيك إنكار المنكر غير تغييره ، التغيير لا يكون إلا لسلطة، مثلًا أنا أقول للشخص: هذا غلط ، حرام ، منكر، لكن لا أقدر أن أغيره ، معه مثلًا ربابة فأنا أنكر عليه، ولهذا لم يأت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقيدًا بالاستطاعة لكن لا أستطيع أن أغيره، هل أقدر أن أكسرها؟ لا أقدر، فيجب ألا تختلط علينا الأمور، إنكار المنكر غير تغيير المنكر، ولذلك نقول في وقتنا الحاضر: لما كثرت الأهواء وكثر الجهل لا تغيير للمنكر باليد إلا من ذي سلطان.
هذا الضابط ، أنت ليس لك حق أن تغير المنكر باليد ، وذلك لأننا في الوقت الحاضر لما غلب الهوى والجهل؛ قد يظن الظان أن هذا منكر وليس بمنكر، هناك أناس متشددون الآن، كل شيء عندهم منكر، كل شيء عندهم بدعة، لو أطلقنا العنان لهؤلاء ماذا يحصل من الفساد؟ يحصل من الفساد ما لا يعلم به إلا رب العباد ) لقاءات الباب المفتوح (213 / السؤال رقم 20)
* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
هناك من الناس من لا يرتدع إلا بالعنف، فما العمل معه؟
فأجاب: ( هناك من الناس من لا يرتدع إلا بالعنف .. ولكن العنف الذي لا يخدم المصلحة ، ولا يحصل به إلا ما هو أشر لا يجوز استعماله ، لأن الواجب اتباع الحكمة .. والعنف الذي منه الضرب والتأديب والحبس، إنما يكون لولاة الأمور، وأما عامة الناس فعليهم بيان الحق وإنكار المنكر، وأما تغيير المنكر ولا سيما باليد فإن هذا موكول إلى ولاة الأمور .. وهم الذين يجب عليهم أن يُغيروا المنكر بقدر ما يستطيعون لأنهم هم المسؤولون عن هذا الأمر .
ولو أراد الإنسان أن يغير المنكر بيده كلما رأى منكرًا لنتجت عن هذا مفسدة قد تكون أشد من المنكر الذي أراد أن يغيره بيده، فلهذا يجب إتباع الحكمة في هذا الأمر، إنك تستطيع أن تغير المنكر في البيت الذي ترعاه بيدك، لكن تغيير المنكر بيدك في السوق قد تكون نتيجته أسوأ من بقاء هذا المنكر، ولكن يجب عليك أن تبلغ من يملك تغيير هذا المنكر في السوق ) فتاوى إسلامية (4 / 361).
* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
هل يغير المنكر باليد، ولمن يكون التغيير باليد، مع ذكر الأدلة حفظكم الله؟
فأجاب: ( الله جل جلاله وصف المؤمنين بإنكار المنكر والأمر بالمعروف
قال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }[ التوبة / الآية 71 ].
وقال تعالى ]: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ }[ آل عمران / الآية 104].
قال تعالى:{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [ آل عمران / الآية 110 ].
والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًّا، وما ذاك إلا لأهميته وشدة الحاجة إليه وفي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم:” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ” صحيح مسلم الإيمان (49) فالإنكار يكون باليد في حق من استطاع ذلك كولاة الأمور، والهيئة المختصة بذلك فيما جعل إليها ، وأهل الحسبة فيما جعل إليهم، والأمير فيما جعل إليه، والقاضي فيما جعل إليه، والإنسان في بيته مع أولاده وأهل بيته فيما يستطيع أما من لا يستطيع ذلك أو إذا غيره بيده, يترتب عليه الفتنة والنزاع والمضاربات فإنه لا يغير بيده بل ينكر بلسانه، ويكفيه ذلك لئلَّا يقع بإنكاره باليد ما هو أنكر من المنكر الذي أنكره ، كما نص على ذلك أهل العلم, أما هو فحسبه أن ينكر بلسانه, فيقول يا أخي: اتق الله هذا لا يجوز، هذا يجب تركه، هذا يجب فعله، ونحو ذلك من الألفاظ الطيبة والأسلوب الحسن. ثم بعد اللسان القلب يعني يكره بقلبه المنكر، ويظهر كراهته، ولا يجلس مع أهله، فهذا من إنكاره بالقلب ) مجموع فتاوى ابن باز (6 / 51 – 50).
* سئل الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ – حفظه الله -:
( قال:” فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِهِ “, والتغيير هنا أوجب التغيير باليد، وهذا مقيد بما إذا كان التغيير باليد مقدورًا عليه، وأما إذا كان غير مقدور عليه، فإنه لا يجب، ومن أمثلة كونه مقدورًا عليه: أنْ يكون في بيتك الذي لك الولاية عليه؛ يعني في زوجك وأبنائك وأشباه ذلك، أو في أيتام لك الولاية عليهم، أو في مكان أنت مسئول عنه، وأنت الولي عليه، فهذا نوع من أنواع الاقتدار، فيجب عليك هنا أن تزيله وأن تغيره، وإذا لم تغيره بيدك فتأثم، أما إذا كان في ولاية غيرك، فإنه لا تدخل القدرة هنا، أو لا توجد القدرة عليه؛ لأنّ المُقْتَدِر هو من له الولاية فيكون هنا باب النصيحة لمن هذا تحت ولايته، ليغيره من هو تحت ولايته والتغيير في الشرع ليس بمعنى الإزالة، التغيير اسم يشمل الإزالة، ويشمل الإنكار باللسان بلا إزالة، يعني أن يقال: هذا حرام، وهذا لا يجوز. ويشمل أيضًا الاعتقاد أن هذا منكر و محرم؛ ولهذا جاء في هذا الحديث بيان هذه المعاني الثلاث، فقال عليه الصلاة والسلام:” فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ – التغيير بيده – فَبِلِسَانِهِ ” يعني فليغيره بلسانه، ومن المعلوم أن اللسان لا يُزيل المنكر دائما، بل قد يزول معه بحسب اختيار الفاعل للمنكر، وقد لا يزول معه المنكر، تقول مثلًا لفلان: هذا حرام، وهذا منكر لا يجوز لك, قد ينتهي وقد لا ينتهي، فإذا أخبرت الخلق، أو المكلَّف الواقع في هذا المنكر، إذا أخبرته بأنه منكر وحرام فقد غيَّرْتَ، وإذا سكت، فإنك لم تغير، وإن كنت لا تستطيع باللسان، فتغيره بالقلب تغييرًا لازمًا لك لا ينفك عنك، ولا تُعذر بالتخلف عنه، وهو اعتقاد أنه منكر ومحرم، والبراءة من الفعل؛ يعني بعدم الرضا به، لهذا جاء في سنن أبي داود أنه عليه الصلاة والسلام قال:” إذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ كَانَ مَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَمَنْ عملها، وكَانَ ممن شَهِدَهَا، فَلَمْ يَفْعَلْهَا كَمَنْ فَعَلَها “, وهذا يعني أن الراضي بالشيء كفاعله ) شرح متن الأربعين النووية قسم الحديث (35 / 3).
* سئل علماء اللجنة الدائمة:
حديث (تغيير المنكر) هل المقصود: لكي يتغير المنكر أن نترك المكان الذي به منكر، أم نظل ونكرهه وننكره بقلوبنا؟
فأجابوا: ( المسلمون في إنكار المنكر درجات، منهم من يجب عليه إنكار المنكر بيده كولي الأمر ومن ينوب عنه ممن أعطي صلاحية لذلك، كالوالد مع ولده والسيد مع عبده والزوج مع زوجته؛ إن لم يكف مرتكب المنكر إلا بذلك. ومنهم من يجب عليه إنكاره بالنصح والإرشاد والنهي والزجر والدعوة بالتي هي أحسن دون اليد والتسلط بالقوة؛ خشية إثارة الفتن وانتشار الفوضى, ومنهم من يجب عليه الإنكار بالقلب فقط؛ لضعفه نفوذًا ولسانًا، وهذا أضعف الإيمان، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في قوله:” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ” (1) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه, وإذا كانت المصلحة الشرعية في بقائه في الوسط الذي فشا فيه المنكر أرجح من المفسدة، ولم يخش على نفسه الفتنة بقي بين من يرتكبون المنكر، مع إنكاره حسب درجته، وإلا هجرهم محافظة على دينه ) فتاوى اللجنة الدائمة (12/ 334- 335).
الشيخ عبد العزيز بن باز.الشيخ عبد الرزاق عفيفي.الشيخ عبد الله بن غديان.الشيخ عبد الله بن قعود
* سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما هو حكم الإسلام فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طبقًا لكتاب الله وسنة رسوله، والأحاديث والأثر المذكور، ومنهج السلف الصالح المتعلق بها، وموقف الراعي والرعية منها؟
فأجابوا:
( يجب على المسلمين أن يكون منهم جماعة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، قال الله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ آل عمران / الآية 104 ].
وفي تحقيق ذلك صلاح الناس واستقامة أحوالهم، وتكون هذه الأمة كما أثنى الله عليها بقوله: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [ آل عمران / الآية 110 ].
وعلى القائم بذلك أن يعظ قساة القلوب بما تلين به أفئدتهم، وتطمئن به أنفسهم، وتقبل على طاعة الله وعبادته، وأن يجادلوا من لديه شبهة بالتي هي أحسن؛ حتى يتبصر ويتبين له الحق، فيهتدي إلى الصراط المستقيم، قال الله تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ النحل / الآية 125 ].
والمسلمون في ذلك درجات: منهم من يدعو إلى المعروف ويتعاهد التنفيذ بيده، كولاة الأمور، العام منهم كالحاكم ونائبه، والخاص كالأب ومن يقوم مقامه، ومنهم من يدعو إلى الخير وينهى عن المنكر بلسانه، كالعلماء ومن في حكمهم، ومنهم من لا نفوذ له ولا سلطان ولا قوة بيان، فعليه أن ينكر المنكر بقلبه، وقد ثبت ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:” من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان ” فمن فرط فيما وجب عليه من ذلك أثم وكان فيه شبه بمن قال الله فيهم:
{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ } [ المائدة / 78-80 ] , فتاوى اللجنة الدائمة (12 / 337- 338) الشيخ عبد العزيز بن باز.الشيخ عبد الرزاق عفيفي.الشيخ عبد الله بن غديان.
والله أعلم.


