تفصيل القول في عطلة المسلمين يوم الجمعة، وعطلة أهل الكتاب

السؤال

هل صحيح أن العطلة الأسبوعية للأنبياء من قبْل النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي يوم السبت، ولماذا المسلمون خالفوا في ذلك؟

الجواب

الحمد لله

في هذا السؤال – ولا نظنه من مسلم – مغالطتان: الأولى: أنه ليس في شرعنا ما يسمى ” عطلة أسبوعية “، والثانية: أنه ليس ثمة اتفاق عند الأنبياء على أن يوم السبت هو عطلة الأسبوع.

أما الأولى:

فجملة ” العطلة الأسبوعية ” ليس لها أصل في ديننا، ويوم الجمعة هو يوم عيد، ولم يكن هذا مانعا من العمل، والتجارة، بل إن الله تعالى نصَّ على إباحة السعي في الأرض، والعمل، بعد الانتهاء من صلاة الجمعة، ونهانا – فقط – عن العمل وقت الخطبة والصلاة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [ الجمعة / الآية 9 – 10 ].

والآية واضحة الدلالة على ما قلنا، فإن قوله تعالى: ( وَذَرُوا الْبَيْعَ ) يدل على أنهم كانوا يبيعون ويشترون في أول نهار الجمعة، ومنعوا من ذلك عند النداء للصلاة، ثم أبيح لهم بعد الصلاة ما كانوا ممنوعين منه من العمل والتجارة، وذلك في قوله تعالى: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ).

وهذا اليوم إنما يعظمه المسلمون لتعظيم الله له، وليس من لوازم التعظيم ترك الأعمال بالكلية، بل قد ذكر بعض علمائنا أن من بدع الجمعة اتخاذه يوم عطلة!، كما قاله الشيخ الألباني – رحمه الله – في كتابه النافع ” الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة ” ( ص 69 ).

* وقال الشيخ عبد الله بن عقيل – حفظه الله -: 

ومما نلفت إليه النظر: أن الخروج يوم الجمعة إلى خارج البلد وإن كان المقصود منه النزهة، والاستجمام، وأصله من المباحات إذا لم يترتب عليه شيء من المعاصي والآثام، إلا أن كثرة هذا الصنيع: خلاف المشروع، ولم يكن مما درج عليه أسلافنا الصالحون، بل كانوا – رحمهم اللَّه – ينتهزون فرصة وجود هذا اليوم الشريف، ويستغلونه، ويتفرغون فيه للتزود مما شرع فيه، وخصص له من كثرة العبادة، والتقدم لمسجد الجامع، والتنافس في الخير، والإكثار من قراءة القرآن، وخصوصاً سورة الكهف؛ لما ورد في فضلها، وكثرة الاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة الدعاء – خصوصاً في ساعة الإجابة -، وقد ذم اللَّه أقواماً بقوله: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَاعِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) ، وهذه العادة جاءتنا مستوردة من بلاد الخارج، حيث يسمونها ” عطلة الأسبوع “، فيخصصون يوماً في الأسبوع يعطلون فيه مصالح دينهم، ودنياهم، ويتفرغون فيه للهو، والمرح، يمضونه خارج البلاد، فمنهم من يكون يوم عطلته يوم السبت، ومنهم من يكون الأحد، فتَقَبَّل بعض الناس هذه العادة على علّاتها؛ تشبهاً بهم فيها، وقلدوهم تقليداً أعمى، وهذا الصنيع لو لم يكن فيه إلا التشبه بأهل الكتاب: لكفى به ذمًّا، فكيف يرضى العاقل بهذا، ويترك ما فيه مصلحته مما هو من خصائص يوم الجمعة؟! إن هذا لشيءٌ عجيب! ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن َدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ ). ” فتاوى الشيخ عبدالله بن عقيل ” ( 1 / 197 ).

ومن الفروقات بين يوم الجمعة عندنا، ويوم السبت والأحد عند أهل الكتاب: أن العمل في يوميهم من المحرَّمات، وليس الأمر كذلك عندنا، ولا يخفى على مسلم ما حصل في اليهود الذين احتالوا على الامتناع عن العمل يوم السبت، وكيف مسخهم الله قردة وخنازير.

قال تعالى: ( واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ . فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ . فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) [ الأعراف / الآية 163 – 166 ] .

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعد الشثري – حفظه الله -:

ومن المعلوم أنَّ يوم السبت يُحرِّم فيه اليهود العمل, حيث جاء في سفر نحميا: ” وشعوب الأرض الذين يأتون بالبضائع وكل الطعام يوم السبت للبيع, لا تأخذ منهم في سبتٍ, ولا في يوم مُقدَّس “. ( الإصحاح 10 / 31 ).

بل وجزاء مَن يعمل يوم السبت: القتل, والنفي من بني إسرائيل, فقد جاء النصُّ على ذلك في سفر الخروج: ” فتحفظون السبت, لأنه مُقدَّسٌ لكم, مَن دنَّسه يُقتل قتلا, إنَّ كلّ مَن صنعَ فيه عملاً تُقطع تلك النفس من بين شعبها .. كلّ مَن صنعَ عملاً في يوم السبت يُقتلُ قتلاً ” ( الإصحاح 31 / 14 – 16 ), فلم يراع اليهود هذه الْحُرمة, بل خالفوا كما هو طبعهم, وذكَرَ اللهُ ما حلَّ بهم بسبب مخالفتهم فقال سبحانه: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) فالسبتُ إذا هو عطلة اليهود.

والأحد هو عطلة النصارى الْمُثلِّثة, ويُحرِّمون فيه العمل, حيث جاء النص على تقديسه في وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني بقرار ( رقم: 106 ) وجاء فيه: ” ومن ثمَّ كان الرَّبُّ في المرتبة الأولى من أيام الأعياد, واليوم الذي يجب أن يُدعى المؤمنون إلى إحيائه وإرساخه في تقواهم, بحيث يُصبح أيضا يوم بهجة وانقطاع عن العمل, أما الاحتفالات الأخرى فلا يجوز أن تتقدَّم عليه إلاَّ إذا كانت فائقة الأهمية, وذلك لأنَّ يوم الأحد هو أساس السنة الطقسية كلِّها ونواتها “. وثائق المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني ( ج 2 / 536 ) لمجموعة من علمائهم, وراجع صياغته أبوهم د. يوحنا قلته. ” الدلائل الشرعية على تحريم موافقة اليهود والنصارى في العطلة الأسبوعية “.

ولذلك لا يجوز التعبد بترك العمل يوم الجمعة، وإلا وقع صاحبه في ” البدعة “، ولا اتخاذ هذا اليوم للهو واللعب فقط، وإلا وقع صاحبه في التشبه بالكفار، وهو الملحظ في كلام الشيخين الألباني، وعبد الله بن عقيل السابق ذِكره، وأما التفرغ فيه من الأعمال الدنيوية للقيام بحق اليوم، وما فيه من طاعات؛ كالتبكير لصلاة الجمعة، والتفرغ للدعاء بعد العصر، أو قبل المغرب: ففاعل ذلك مأجور، مثاب – إن شاء الله – بل يمكن القول إن ما في الجمعة من أعمال صالحة وطاعات لا يمكن لأحدٍ القيام بها على وجهها الكامل إلا بالتفرغ لها، وهذا لا يمنع من البيع، والعمل فيه، بل هو من فضل الله ورحمته بهذه الأمة، كما سبق بيانه، وتفصيله، وأن المحرَّم فيه من أعمال، وعقود، إنما هو لمن تجب عليه الجمعة، ويبدأ ذلك من نداء الجمعة، إلى انقضاء الصلاة فقط.

وليس تعطيل الدوائر الرسمية، والشركات، والمصانع، يوم الجمعة بدعة، أو معصية، من حيث الأصل، بل إن تعطيل الموظفين والعمَّال هو لمصلحة دوائر العمل، حيث ينشط الموظف، والعامل ، بسبب تعطيله هذا اليوم، ويقضي يومه مع أسرته، ويصل فيه رحِمه، ويبر والديه، ويتفرغ فيه لما في الجمعة من أعمال، وطاعات، وكونه يوم عيد يدل على هذه المعاني، والتفرغ من الأشغال في هذا اليوم هو كالتفرغ في عيدي الأضحى والفطر، ولم يكن هذا مانعاً من ذِكر الله تعالى فيهما وطاعته.

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ, فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ, وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ, وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ”. رواه ابن ماجه ( 1098 ) وحسنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَلَا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيَامِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ “. رواه أحمد ( 13 / 395 ) وحسَّنه المحققون.

فأنت ترى النص على كون الجمعة يوم عيد، ومع ذلك شُرعت فيه الطاعات، ونُصَّ عليها فيها وفي غيرها من الأحاديث.

قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله -:

أي جعله الله تعالى عيداً للمؤمنين يجتمعون فيه لعبادته متفرغين من أشغال الدنيا.

” التيسير بشرح الجامع الصغير ” ( 1 / 718 ).

وقال – رحمه الله – أيضا -:

وذلك لأنه سبحانه وتعالى خص أيام تخليق العالم بستة أيام، وكسا كل يوم منها اسما يخصه، وخصَّ كل يوم منها بصنف من الخليقة أوجده فيه، وجعل يوم إكمال الخلق مجمعا، وعيدا للمؤمنين، يجتمعون فيه لعبادته، وذِكره، والتفرغ من أشغال الدنيا، لشكره، والإقبال على خدمته، وذِكر ما كان في ذلك اليوم، وما يكون من المعاد.

” فيض القدير ” ( 2 / 695 ، 696 ).

وأما المسألة الثانية:

فقد سبق الإشارة إلى شيء منها، وهو أنه لم تتفق الأديان على يوم عطلة في الأسبوع، وأنه يوم السبت تحديدا، ولعلَّ هذا من افتراء اليهود, وأكاذيبهم، وقد سبق النقل أن العطلة عند النصارى هي يوم الأحد، ولا تزال دولهم تعتمد ذلك، وأن السبت ليس إلا عطلة اليهود، ولا يزال اليهود في العالَم يمتنعون عن العمل فيه، بل وقد أثَّروا على دولٍ عديدة في العالَم وجعلوا السبت عطلة لهم أيضا، مع عطلتهم يوم الأحد، ومن رام اتباعهم في ذلك فقد وقع في التشبه المذموم، ويضاف إلى سجل سيئاتهم.

قال علماء اللجنة الدائمة:

لا يجوز تخصيص يوم السبت، أو الأحد بالعطلة، أو تعطيلهما جميعا؛ لما في ذلك من مشابهة اليهود والنصارى، فإن اليهود يعطلون يوم السبت، والنصارى يعطلون يوم الأحد؛ تعظيماً لهما، وقد ثبت عن ابن عمر – رضي الله عنهما – عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصَّغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم “. رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وسنده جيد.

فهذا الحديث فيه النهي عن التشبه بغير جماعة المسلمين، فيدخل فيه النهي عن التشبه باليهود، والنصارى، عموماً في كل ما هو من سماتهم، ومن ذلك: تعطيل اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد. الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 75 ).

وقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى هدى أمة الإسلام لهذا اليوم – يوم الجمعة -، وأضلَّ عنه اليهود والنصارى، وما جاء في السؤال يمكن أن يُقلب على صاحبه، فيقال: إن الله تعالى أراد من اليهود والنصارى تعظيم يوم الجمعة، لكنهم أبوا ذلك، واتبعوا أهواءهم، واختلفوا، فأضلهم الله عنه، وهدى هذه الأمة له.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا, وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ, وَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِى فُرِضَ عَلَيْهِمْ, فَاخْتَلَفُوا فِيهِ, فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ, فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ؛ فَالْيَهُودُ غَدًا, وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ “. البخاري ( 836 ) ومسلم ( 855 ).

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقوله: ” ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه “: ( ثم ) هاهنا لترتيب الأخبار، ويحتمل أنه لترتيب المخبَر به، والمراد: أنهم أوتوا الكتاب، ثم فُرض عليهم هذا اليوم – والإشارة إلى يوم الجمعة -، فاختلفوا فيه، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فالناس لنا فيه تبعٌ.

وهذا – أيضا – مما حازت به الأمة السبق مع تأخر زمانهم، فإن اليهود والنصارى لما فُرض عليهم تعظيم الجمعة، والعبادة فيه لله، واتخاذه عيداً للاجتماع فيه لذكر الله فيه: ضلوا عنه، فاختارت اليهود السبت؛ لأنه يوم فرغ فيهِ الخلق، واختارت النصارى الأحد؛ لأنه يوم بدئ فيه الخلق، فهدانا الله للجمعة، فصار عيدنا أسبق من عيدهم، وصاروا لنا في عيدنا تبعا، فمنهم من عيده الغد من يوم الجمعة، ومنهم من عيده بعد غدٍ.

وإنما ضلت الطائفتان قبلنا لتقديمهم رأيهم على ما جاءت به رسلهم وأنبياؤهم، واهتدت هذه الأمة باتباعهم ما جاءهم به رسلهم عن ربهم، من غير تغيير له ولا تبديلٍ.

وفي الحديث: دليلٌ على أن الجمعة فرض من الله واجب علينا، كما كان على من قبلنا، فإن الله فرض عليهم تعظيم يوم الجمعة، واتخاذه عيداً ومجمعاً لذكر الله وعبادته، فبدلوه بغيره من الأيام، وهدانا الله لهُ، فدل ذَلِكَ على أنه مفروض علينا تعظيمه، واتخاذه عيداً؛ لذكر الله والاجتماع فيه لعبادته، وهذا من أدل دليلٍ على أن شهود الجمعة فرض على هذه الأمة. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 5 / 336 ).

وقال بعض العلماء: إنه لم يُفرض عليه عين يوم الجمعة، بل أمروا بتعيين يوم، فاختار اليهود يوم السبت، واختار النصارى يوم الأحد، وأضلهم الله عن يوم الجمعة، ولكن الأظهر هو ما نقلناه عن الحافظ ابن رجب، وهو ما قاله أكثر شرَّاح السنَّة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله تعالى عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا, فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ, وَلِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ, فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا, فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. رواه مسلم ( 856 ).

قال النووي – رحمه الله -:

قال القاضي: الظاهر أنه فُرض عليهم تعظيم يوم الجمعة بغير تعيين، ووُكل إلى اجتهادهم لإقامة شرائعهم فيه، فاختلف اجتهادهم في تعيينه، ولم يهدهم الله له، وفرضه على هذه الأمة مبيَّناً، ولم يكِلْه إلى اجتهادهم، ففازوا بتفضيله، قال: وقد جاء أن موسى عليه السلام أمرهم بالجمعة، وأعلمهم بفضلها، فناظروه أن السبت أفضل، فقيل له: دعهم، قال القاضي: ولو كان منصوصاً لم يصح اختلافهم فيه، بل كان يقول خالفوا فيه.

قلت: ويمكن أن يكون أمروا به صريحا، ونص على عينه ، فاختلفوا فيه هل يلزم تعيينه أم لهم ابداله ، وأبدلوه ، وغلطوا في إبداله. ” شرح مسلم ” ( 6 / 143 ).

وفي ” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 4 / 420 ):

وقال القسطلاني: اختلفوا فيه بعد أن عُيِّن لهم، وأمروا بتعظيمه، فتركوه، وغلَّبوا القياس، فعظَّمت اليهود السبت للفراغ فيه من الخلق، وظنت ذلك فضيلة توجب عظم اليوم، وقالت: نحن نستريح فيه من العمل، ونشتغل بالعبادة، والشكر، وعظَّمت النصارى الأحد؛ لأنه أول يوم بدأ الله فيه بخلق الخلق، فاستحق التعظيم.

( فهدانا الله له ) أي: لهذا اليوم بالوحي الوارد في تعظيمه، بأن نُصَّ لنا، ولم يكِلنا إلى اجتهادنا، ثم ثبتنا على قوله، والقيام بحقوقه، أو هدانا الله له بالاجتهاد الموافق للمراد، يعني: وفقنا للإصابة حتى عينَّا الجمعة، ويشهد للثاني: ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى كذلك، فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه فنذكر الله تعالى ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم ” العروبة “، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذٍ، وأنزل الله تعالى بعد ذلك: ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) الآية، وهذا وإن كان مرسلا: فله شاهد بإسناد حسن، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أسعد بن زرارة … الحديث.

فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم علِمه بالوحي وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها ثمَّ، فقد ورد فيه حديث عن ابن عباس عند الدارقطني، ولذلك جمع بهم أول ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق، وغيره، وعلى هذا: فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان، والتوفيق.  انتهى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة