عندها إشكالات في حكم وجوب غطاء الوجه، والجواب عليها تفصيلا
السؤال
بالنسبة لفرضية النقاب أرجو الرد على هذه النقاط حتى أحدد نيتي:
- أن الإسلام لا يكشف عورة في الصلاة، أو الحج، فكيف تؤمر المرأة بكشف وجهها به، بل وتعاقب إن لم تكشفه، حتى وإن أسدلت على وجهها أثناء العمرة، فيبقى الأصل، وهو الكشف.
- المرأة التي جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه، فنظر إليها ثم طأطأ رأسه، ألم تكن مكشوفة الوجه؟!.
- آيات غض البصر عن أي شيء إن كانت المرأة لا يبدو منها شيءٌ؟.
- حديث الفضل بن العباس عندما جاءت امرأة حسناء تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الفضل رديفه في حجة الوداع، فحوَّل النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل، ألم تكن سافرة الوجه ولم يعب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك.
- قال الله تعالى: ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) ولم يقل على وجوههن.
- ما ذكره البخاري ومسلم من حديث عمر – رضي الله عنه – حينما استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بعض النساء يسألنه، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، إلى آخر الحديث، فهل تدل هذه الحادثة أن النقاب كان معروفًا لدى النساء حينها ولكنه لم يكن فرضًا عليهن فلم ترتديه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم؟.
- هل يدخل النقاب ضمن الحديث: ” ما أحل الله فهو الحلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته “.
الرجاء سرعة الرد، فأنا أتجنب الخروج لقضاء حاجاتي إلا بعد أن أحسم قضية النقاب بالنسبة لي.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
قالت الأخت السائلة:
- أن الإسلام لا يكشف عورة في الصلاة، أو الحج، فكيف تؤمر المرأة بكشف وجهها به، بل وتعاقب إن لم تكشفه، حتى وإن أسدلت على وجهها أثناء العمرة، فيبقى الأصل، وهو الكشف.
والجواب عليه:
- لا يسمَّى ما يؤمر المرء بتغطيته في الصلاة ” عورة ” بالنسبة للرجال والنساء، ومن تجوَّز وسمَّاه ” عورة “: فإنه لا يريد العورة التي يؤمر المسلم بتغطيتها في الأصل؛ لأنه ليس ثمة مناسبة بين العورة داخل الصلاة وخارجها.
- وما تؤمر المرأة بكشفه في الصلاة – كالوجه واليدين – ليس على كل حال، بل إذا كان ثمة رجال أجانب يمكن أن يرونها: فإنها تغطيهما، ولو في الصلاة.
- ومثله يقال وهي محرمة، وإنما منعت من تغطية وجهها بالنقاب فحسب، ولها أن تسدل على وجهها ثوباً، أو حجاباً إن مرَّت برجال أجانب، أو مرُّوا بجانبها، وكذا في اليدين فإنها تمنع من تغطيتهما بالقفازين، لا بغيرهما من اللباس، كالعباءة، والثوب.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وفي ” الصلاة ” نوع ثالث؛ فإن المرأة لو صلَّت وحدها: كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأخذ الزينة في الصلاة لحقِّ الله، فليس لأحدٍ أن يطوف بالبيت عريانًا ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عريانًا ولو كان وحده، فعُلم أن أخذ الزينة في الصلاة: لم يكن ليحتجب عن الناس، فهذا نوع، وهذا نوع، وحينئذ فقد يستر المصلِّي في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة، وقد يبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال، فالأول: مثل المنكبين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم: ” نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ” فهذا لحقِّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة، كذلك المرأة الحرة تختمر في الصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار “، وهي لا تختمر عند زوجها، ولا عند ذوي محارمها، فقد جاز لها إبداء الزينة الباطنة لهؤلاء، ولا يجوز لها في الصلاة أن تكشف رأسها لهؤلاء، ولا لغيرهم، وعكس ذلك: الوجه واليدان والقدمان، ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين، بخلاف ما كان قبل النسخ، بل لا تبدي إلا الثياب، وأما ستر ذلك في الصلاة: فلا يجب باتفاق المسلمين، بل يجوز لها إبداؤهما في الصلاة عند جمهور العلماء، كأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.
وبالجملة: قد ثبت بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلباب الذي يسترها إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خرجت، وحينئذٍ فتصلي في بيتها، وإن رئي وجهها، ويداها، وقدماها، كما كن يمشين أولاً قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن، فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر، لا طردًا ولا عكسًا.
وابن مسعود – رضي الله عنه – لما قال: ” الزينة الظاهرة هي الثياب ” لم يقل إنها كلها عورة حتى ظفرها، بل هذا قول أحمد، يعني: أنها تشترط في الصلاة؛ فإن الفقهاء يسمون ذلك: ” باب ستر العورة ” وليس هذا من ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في الكتاب، والسنَّة أن ما يستره المصلي فهو عورة؛ بل قال تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد )، ” ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطوف بالبيت عريانًا”, فالصلاة أولى، وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: ” أو لكلكم ثوبان؟ “.
وقال في الثوب الواحد: ” إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقًا فاتزر به”، ” ونهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء “، فهذا دليل على أنه يؤمر في الصلاة بستر العورة: الفخذ، وغيره، وإن جوَّزنا للرجل النظر إلى ذلك، فإذا قلنا على أحد القولين – وهو إحدى الروايتين عن أحمد -: إن العورة السوأتان، وإن الفخذ ليست بعورة: فهذا في جواز نظر الرجل إليها، ليس هو في الصلاة، والطواف، فلا يجوز أن يصلي الرجلُ مكشوفَ الفخذين، سواء قيل هما عورة، أو لا، ولا يطوف عرياناً، بل عليه أن يصلي في ثوبٍ واحدٍ ولا بد من ذلك، إن كان ضيقًا: اتزر به، وإن كان واسعًا: التحف به؛ كما أنه لو صلَّى وحده في بيت: كان عليه تغطية ذلك، باتفاق العلماء، وأما صلاة الرجل بادي الفخذين مع القدرة على الإزار: فهذا لا يجوز، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، ومن بنى ذلك على الروايتين في العورة – كما فعله طائفة -: فقد غلطوا، ولم يقل أحمد، ولا غيره: أن المصلي يصلي على هذه الحال، كيف وأحمد يأمره بستر المنكبين، فكيف يبيح له كشف الفخذ، فهذا هذا.
وقد اختلف في وجوب ستر العورة إذا كان الرجل خاليًا، ولم يُختلف في أنه في الصلاة لا بد من اللباس، لا تجوز الصلاة عرياناً مع قدرته على اللباس، باتفاق العلماء …” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 113 – 117).
* وقال ابن القيم – رحمه الله -:
العورة عورتان: عورة النظر، وعورة في الصلاة، فالحرَّة لها أن تصلِّي مكشوفة الوجه، والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق، ومجامع الناس كذلك.
” إعلام الموقعين ” ( 2 / 80 ).
ونحن نسلِّم بأن الأصل هو الكشف، وهذا ما جاءت به أدلة كثيرة، ولا يُختلف في ذلك، لكننا نرى أنه جاء ما ينقل هذا الأصل من الإباحة إلى التحريم، وذلك بأدلة كثيرة، من الكتاب وصحيح السنَّة.
ثانيا:
قال الأخت السائلة:
- المرأة التي جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه، فنظر إليها ثم طأطأ رأسه ، ألم تكن مكشوفة الوجه؟!.
والجواب:
- نعم، هي جاءت كاشفة عن وجهها، لكن كان ذلك لإرادة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها، وكانت قد وهبت نفسها له، والنظر إلى المخطوبة لا حرج به، بل هو مما أمرت به الشريعة المطهَّرة، ومثله يقال في الصحابي الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه إيَّاها، فهو الآن خاطب، وهي مخطوبة.
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في تعداد فوائد الحديث -:
وفيه: جواز تأمل محاسن المرأة؛ لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها، ولا وقعت خطبتها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم صعَّد فيها النظر، وصوَّبه.
” فتح الباري ” ( 9 / 210 ).
- ومن المحتمل أن هذه الحادثة كانت قبل فرض الحجاب.
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وسلك ابن العربي في الجواب مسلكاً آخر، فقال: يُحتمل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده، لكنها كانت متلففة. وسياق الحديث يبعد ما قال. ” فتح الباري ” ( 9 / 210).
– والظاهر أن الحافظ ابن حجر استبعد الثاني – وهو كونها متلففة – لا الأول.
ثالثًا:
قالت الأخت السائلة:
- آيات غض البصر، عن أي شيء إن كانت المرأة لا يبدو منها شيءٌ؟.
والجواب:
- ليس كل من قال بجواز كشف المرأة وجهها قال بجواز نظر الرجل الأجنبي لها، بل قد قال بعض كبار العلماء بتحريم نظر الأجنبي لوجه امرأة أجنبية عنه، مع قولهم بعدم وجوب ستره، ومن هؤلاء: القاضي عياض، والنووي، وابن قدامة.
قال الحافظ ابن حجر – في شرح حديث الخثعمية – وسيأتي ذِكره فيما بعد -:
وفي الحديث: منع النظر إلى الأجنبيات، وغض البصر، وقال عياض: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة، قال: وعندي أن فعله صلى الله عليه وسلم إذ غطى وجه الفضل أبلغ من القول.” فتح الباري ” ( 4 / 70 ).
- القول بأن وجوب غض البصر عن النساء يلزم منه القول بجواز كشف وجهها: قول ضعيف، وما ذكروه من لازم لا يلزم.
وغض البصر الذي أُمر به الرجال، والمتعلق بالنساء: له صور كثيرة، منها:
أ. النظر إلى الكافرات، وهو واضح حيث أنهن لا يلتزمن بستر، ولا حياء.
ب. النظر إلى الفاسقات، وهي من تتعمد التبرج، وإظهار ما اتفق على تحريم إظهاره أمام الرجال الأجانب.
ج. النظر تلذذاً إلى جسم المرأة ووجهها ولو كانت متسترة.
د. النظر إلى مشيتها، وحركتها.
هـ. تجاوز الحاجة في نظر العلاج.
و. النظر إلى ما يُكشف لاإراديًّا – ككشف الريح لثيابها -.
* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:
وكم مِن امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال، كما قال نابغة ذبيان:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه *** فتناولته واثقتنا باليد
” أضواء البيان ” ( 6 / 252 ، 253 ).
ومعنى البيت: سقط غطاء الوجه – وهو النصيف -، من غير قصد، ولا عمد، فغطت وجهها بيدها؛ مخافة أن يُرى.
ز. النظر إلى الصور المحرمة، والأفلام الخليعة، ومثيلاته.
ح. النظر إلى المحرِمة! حيث القول بعدم وجوب تغطية وجهها، أو كشفه حيث تظن نفسها بعيدة عن أعين الرجال الأجانب.
فتبين من ذلك أن قوله تعالى: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) [ النور / الآية 30 ]: لا يلزم منه القول بكشف وجه المرأة، وكأنه لا يوجد ما يُكشف أمام الرجال إلا وجهها! وهذا من العجائب.
رابعًا:
قال الأخت السائلة:
- حديث الفضل بن العباس عندما جاءت امرأة حسناء تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الفضل رديفه في حجة الوداع، فحوَّل النبي صلى الله عليه وسلم وجه الفضل، ألم تكن سافرة الوجه ولم يعب عليها الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك؟.
والجواب:
1.* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:
وأجيب عن ذلك أيضًا من وجهين:
الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عنه، وأقرّها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: ” أنها حسناء “، ومعرفة كونها وضيئة، أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه صلى الله عليه وسلم أقرّها على ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين.
ويحتمل أن يكون يُعرف حسنُها قبل ذلك الوقت؛ لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها، ومما يوضح هذا: أن عبد اللَّه بن عباس – رضي اللَّه عنهما – الذي روي عنه هذا الحديث لم يكن حاضرًا وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه؛ لما قدمنا من أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قدمه بالليل من ” مزدلفة ” إلى ” مِنى ” في ضعفة أهله، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، واطّلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدًا لاحتمال أن يكون رأى وجهها، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها.
فإن قيل: قوله: ” إنها وضيئة “، وترتيبه على ذلك بالفاء.
وقوله: ” فطفق الفضل ينظر إليها “، وقوله: ” وأعجبه حسنها “: فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها، وينظر إليه لإعجابه بحسنه.
فالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزامًا، لا ينفكّ أنها كانت كاشفة، وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم رآها كذلك، وأقرّها؛ لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يُعرف، وينظر إليها لجمالها وهي مختمرة، وذلك لحسن قدّها وقوامها، وقد تُعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط، كما هو معلوم، ولذلك فسّر ابن مسعود: ( وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ): بالملاءة فوق الثياب، كما تقدم.
الوجه الثاني: أن المرأة مُحرِمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليه، وعليها ستره من الرجال في الإحرام، كما هو معروف عن أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهن، ولم يقل أحد أن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس رضي اللَّه عنهما، والفضل منعه النبيّ صلى الله عليه وسلم من النظر إليها، وبذلك يُعلم أنها محرمة، لم ينظر إليها أحد، فكشفها عن وجهها إذًا لإحرامها لا لجواز السفور.
فإن قيل: كونها مع الحُجاج مظنَّة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة، لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج، لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال.
فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم الورع، وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا، ولا شرعًا، ولا عادةً، من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها: لحُكي، كما حُكي نظر الفضل إليها، ويُفهم من صرف النبيّ صلى الله عليه وسلم بصر الفضل عنها: أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهي سافرة، كما ترى، وقد دلَّت الأدلَّة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم.
وبالجملة: فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة البشرية وداعٍ إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي، ألم تسمع بعضهم يقول: قلت اسمحوا لي أن أفوز بنظرة *** ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم
أترضى أيها الإنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك، وبناتك، وأخواتك؟!.
ولقد صدق من قال:
وما عجب أن النساء ترجلت *** ولكن تأنيث الرجال عجاب
” أضواء البيان ” ( 6 / 254 – 256 ).
- * وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:
وقد استدل بهذا – أي: حديث الخثعمية -: مَن يرى أن المرأة يجوز لها كشف الوجه، وهذا الحديث – بلا شك – من الأحاديث المتشابهة، التي فيها احتمال الجواز، وفيها احتمال عدم الجواز، أما احتمال الجواز: فظاهر، وأما احتمال عدم الدلالة على الجواز: فإننا نقول: هذه المرأة محرمة، والمشروع في حق المحرِمة أن يكون وجهها مكشوفاً، ولا نعلم أن أحداً من الناس ينظر إليها سوى النبي صلى الله عليه وسلم، والفضل بن العباس، فأما الفضل بن العباس: فلم يقرَّه النبي صلى الله عليه وسلم، بل صرف وجهه، وأما النبي صلى الله عليه وسلم: فإن الحافظ ابن حجر – رحمه الله – ذكَر أن النبي صلى عليه وسلم يجوز له من النظر إلى المرأة، أو الخلوة بها، ما لا يجوز لغيره، كما جاز له أن يتزوج المرأة بدون مهر، وبدون ولي، وأن يتزوج أكثر من أربع، والله عز وجل قد فسح له بعض الشيء في هذه الأمور؛ لأنه أكمل الناس عفةً، ولا يمكن أن يرِد على النبي صلى الله عليه وسلم ما يرِد على غيره من الناس، من احتمال ما لا ينبغي أن يكون في حق ذوي المروءة.
وعلى هذا: فإن القاعدة عند أهل العلم: أنه إذا وُجد الاحتمال: بَطَل الاستدلال، فيكون هذا الحديث من المتشابه، والواجب علينا في النصوص المتشابهة: أن نردها إلى النصوص المحكمة، الدالة دلالة واضحة على أنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، وأن كشف المرأة وجهها من أسباب الفتنة، والشر.
” دروس وفتاوى الحرم المكي ” ( 1408 هـ ، شريط رقم: 16، وجه : ب ).
خامسًا:
قالت الأخت السائلة:
- قال الله تعالى ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن ) ولم يقل على وجوههن.
والجواب:
أن الخمار يطلق ويراد به معانٍ ثلاثة: غطاء الرأس، وغطاء الوجه، وغطاء الرأس والوجه.
والمعنى المراد في الآية هو الثالث، ومما يؤيد تفسيره بهذا المعنى فعل الصحابيات الجليلات من المهاجرات بعد نزول هذه الآية، فقد شققن أزرهنَّ وخمَّرن رؤوسهن ووجوههن، كما ذكرت ذلك عائشة رضي الله عنها.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ): شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. رواه البخاري ( 4480 ).
* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
قوله: ” مروطهن “: جمع مرط، وهو الإزار، وفي الرواية الثانية: ” أزرهن”، وزاد: ” شققنها من قبل الحواشي “، قوله: ” فاختمرن ” أي: غطين وجوههن، وصفة ذلك: أن تضع الخمار على رأسها، وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع.” فتح الباري ” ( 8 / 490 ).
وكذا فسر ” الخمُر ” في هذا الأثر: بدر الدين العيني الحنفي في ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 19 / 92 ).
* وقال الحافظ ابن حجر – أيضًا – عند تعريف الخَمْر -:
ومنه: خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها.
” فتح الباري ” ( 10 / 48 ).
* قال الشنقيطي – رحمه الله -:
وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيّات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ): يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن فاختمرن، أي: سترن وجوههن بها؛ امتثالاً لأمر اللَّه في قوله تعالى: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ )، المقتضي: ستر وجوههن.
وبهذا يتحقّق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم: ثابت في السنَّة الصحيحة، المفسّرة لكتاب اللَّه تعالى، وقد أثنت عائشة رضي اللَّه عنها على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر اللَّه في كتابه، ومعلوم أنهن ما فهِمْن ستر الوجوه من قوله: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) إلا من النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه موجود، وهنَّ يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، واللَّه جلَّ وعلا يقول: ( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )، فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن.
فالعجب كل العجب، ممن يدّعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنَّة ما يدلّ على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر اللَّه في كتابه إيمانًا بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، كما تقدم عن البخاري، وهذا من أعظم الأدلّة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين، كما ترى. ” أضواء البيان ” ( 6 / 250 ، 251 ).
سادسًا:
قالت الأخت السائلة:
- ما ذكره البخاري ومسلم من حديث عمر – رضي الله عنه – حينما استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بعض النساء يسألنه، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، إلى آخر الحديث، فهل تدل هذه الحادثة أن النقاب كان معروفًا لدى النساء حينها ولكنه لم يكن فرضاً عليهن فلم ترتديه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم؟.
والجواب:
أن هؤلاء النسوة هنَّ أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن -، وقيل: إنه كان معهن غيرهن، وهذا بعيد، غير ظاهر، وأنهنَّ ابتدرن الحجاب الذي أمرهن الله تعالى به، وهو الستار بينهن وبين الأجانب، وليس هو حجاب اللباس، وإذا قيل بوجود غير نسائه صلى الله عليه وسلم: فإن ذلك الموقف يكون قبل فرض حجاب اللباس، وأنهن تغطين، أو تسترن وراء حجاب هيبة لعمر، وخشية منه، ويدل عليه ما أنكر به عليهن من قوله: ” أَتَهَبْنَني “؟.
عن سَعْد بْن أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ, فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ, قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ, فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ, فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي, فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ, قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ, ثُمَّ قَالَ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قُلْنَ: نَعَمْ, أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ. والحديث رواه البخاري ( 3120 ), ومسلم ( 2396 ).
وفي ” حاشية السندي على صحيح البخاري ” ( 4 / 21 ):
لا يخفى أن المبادرة إلى الحجاب لازمة عند دخول الأجنبي سواء كان عمر أو لا، فما وجه التعجب؟.
فلعلَّ الواقعة كانت قبل آية الحجاب، أو لعل فيهن من يجوز لها الكشف عند عمر كحفصة مثلاً، فالتعجب بالنظر إلى قيامها، أو لعل التعجب من إسراعهن قبل أن يعلمن أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يأذن له أم لا؟ وهذا أقرب إلى لفظ الحديث، والله تعالى أعلم. انتهى.
وفي ” فتح الباري ” ( 7 / 47 ):
( وعنده نسوة من قريش ) هنَّ مِن أزواجه، ويحتمل أن يكون معهنَّ من غيرهن، لكن قرينة قوله ( يستكثرنه ) يؤيد الأول. انتهى.
سابعٍا:
قالت الأخت السائلة:
- هل يدخل النقاب ضمن الحديث: ” ما أحل الله فهو الحلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته “.
والجواب:
الحديث حسَّنه بعض العلماء، وضعفه آخرون، ولو صلح الاحتجاج به: لم يدخل النقاب وتغطية الوجه في آخر الحديث – كما هو ظاهر السؤال -، فقد ثبت وجوب تغطية المرأة لوجهها في القرآن والسنَّة، وصار كشفه حراماً، فما حرَّم الله تعالى فهو حرام.وقد ذكرنا موقفنا من اختلاف الأئمة في مسألة تغطية الوجه في جواب السؤال رقم: ( 68152 ) فلينظر؛ فإنه مهم.
ثامنًا:
قالت الأخت السائلة:
الرجاء سرعة الرد، فأنا أتجنب الخروج لقضاء حاجاتي إلا بعد أن أحسم قضية النقاب بالنسبة لي.
والجواب:
أننا نرجو أن نكون أزلنا عنك الإشكالات التي جاءت في السؤال، ونرجو أن يكون قلبك قد اطمأن للحكم بوجوب غطاء الوجه، ونسأل الله تعالى أن يتم عليك ستره، وأن يعافيك بجميل عافيته.
والله أعلم.


