مغترب عن أسرته للعمل ويطلب النصح هل يبقى بعيدًا عنها أم يرجع له؟

السؤال

أولًا أنا أطلب منكم النصيحة وليس سؤلًا فقهيًّا، أنا أعمل في دول الخليج, وأبعد عن بيتي ثلاثة أشهر, وإجازة شهر، أولًا العمل بمرتب مغري، ولكن طبيعة العمل سيئة وليست حرامًا، أعمل في مجال البترول، لا يوجد من يعين على الطاعة مع كثرة الفراغ الطويل، لا أشعر بتحسن في إيماني من طبيعة العمل, فهو عمل دنيوي بطريقة بحتة، ولا يوجد معين، زوجتي وأولادي تعبانين جدًّا من عدم وجودي في المنزل وبعدي عنهم، وأنا أشعر بأني فاقد الأخوة الإيمانية والصحبة الصالحة التي تعين على الخير، حيث إن جميع إخواني حصلوا العلم وحفظوا القرآن وأنا مازلت (محلك سر)، مع أني كنت بدأت في الخطابة, وبسبب سفري للعمل انقطعت عن الخطابة والتحصيل، وكنت ملتزمًا مع شيخي بحلقة علم متكاملة, والآن لا أفعل شيئاً, وتأثرت نفسيًّا بسبب الغربة, هذا من ناحية الدين, وأنا عندي عمل في بلدي, ولكن دخله يسير، ولكن نستطيع أن نأكل منه، ولكن ليس كالذي أقتضيه هنا، وأنا فعلاً يا شيخ تعبان جدًّا من البعد عن الأولاد والأهل والزوجة وبيتي والأخوة وتربية الأولاد, وإن شاء الله الرجوع للدعوة والعلم. وعندي العمل في بلدي, ولكن كما ذكرت لكم ليس كالذي هنا، استخرت الله على ترك العمل, والآن أستشيركم لكي أكون حققت السنة بإذن الله الاستخارة والاستشارة، فأرجو منكم نصح الأب للولد، وجزاكم الله خيرًا, ولا تنسوني بصالح الدعاء.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

دعا الإسلام إلى العمل، وحثَّ عليه، وذمَّ البطالة والبطالين، وحتى الأنبياء والمرسلون كانوا يعملون ويتكسبون.

قال الله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ ) [ الفرقان / الآية 20 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

يقول تعالى مخبرًا عن جميع مَنْ بعثه مِن الرسل المتقدمين: إنهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التغذي به، ( وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ ) أي: للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمنافٍ لحالهم، ومنصبهم.

” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 100 ).

ثانيًا:

والعمل من أجل إعفاف النفس وعدم إذلالها، ومن أجل النفقة على الوالدين والأولاد: مما يحبه الله تعالى من عبيده، بل وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في سبيل الله.

عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – رَجُلٌ فَرَأى أَصْحَابَ رَسُوْلِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – مِنْ جَلَدِهِ وَنَشَاطِهِ, فَقَالُوا: يَا رَسُوْلَ اللهِ! لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا, فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ, فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا, فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ. رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 19 / 129 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1692 ).

ثالثًا:

ومع هذا كلِّه: فإنه ينبغي للمسلم أنه لم يُخلق في هذا الدنيا لأجل العمل، والدنيا، بل إنه خُلق من أجل عبادة الله تعالى، والقيام بأوامره، وإنما يكون ما في الدنيا من مال ومتاع ليُستعان به على تلك الغاية النبيلة الشريفة، وليس العاقل من يشتغل بما خُلق له, غافلاً عما خُلق من أجله، وينبغي على المسلم الاهتمام في حياته وهو يكتسب ويعمل لأمورٍ غاية في الأهمية، منها:

أ. أن يَعلم أنه لن يموت حتى يستوفي رزقه، كما يستوفي أجلَه، فرزقه مقدَّر له، وإنما أُمر بالسعي ليأخذ بالأسباب، فلا يظنن أنه لو قضى عمره في العمل فسيأتيه أكثر مما قدِّر له.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ, وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ, فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا, وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ, خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ “. رواه ابن ماجه (2144)، وصححه الألباني في ” صحيح الترغيب ” ( 1698 ).

ب. أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن الدنيا ملعونة، مبغوضة لرب العالمين، وما استثناه من ذلك البغض واللعن ليس فيه شيء دنيوي، ولهذا فإنه لا ينبغي أن ينشغل المسلم عن الغاية التي خُلق من أجلها، وأنه كما يسعى لبناء وعمارة دنياه: فليسع لبناء وعمارة آخرته، وكما يوسع بيته في الدنيا: فليسعَ لتوسيع قبره، وجنته.

عن أبي هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ “. رواه الترمذي (2322), وابن ماجه ( 4112 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ولما كانت الدنيا حقيرة عند الله لا تساوي لديه جناح بعوضة: كانت وما فيها في غاية البُعد منه، وهذا هو حقيقة اللعنة، وهو سبحانه إنما خلقها مزرعة للآخرة، ومعبَرًا إليها يتزود منها عبادة إليه، فلم يكن يقرب منها إلا ما كان متضمناً لإقامة ذِكْره، ومفضيًا إلى محابِّه، وهو: ” العلم “، الذي به يُعرف الله، ويُعبد، ويُذكر، ويُثنى عليه، ويمجَّد، ولهذا خلقها وخلق أهلها، كما قال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )، وقال: ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ) فتضمنت هاتان الآيتان أنه سبحانه إنما خلق السموات والأرض، وما بينهما ليُعرف بأسمائه وصفاته، وليُعبد، فهذا المطلوب، وما كان طريقًا إليه من العلم، والتعلم: فهو المستثنى من اللعنة، واللعنة واقعة على ما عداه؛ إذ هو بعيد عن الله، وعن محابِّه، وعن دينه، وهذا هو متعلق العقاب في الآخرة، فإنه كما كان متعلق اللعنة التي تضمن الذم، والبغض: فهو متعلق العقاب، والله سبحانه إنما يحب من عباده ذِكرَه، وعبادتَه، ومعرفتَه، ومحبته, ولوازم ذلك، وما أفضى إليه، وما عداه: فهو مبغوض له، مذموم عنده. ” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 69 ، 70 ).

رابعًا:

وبعد ما ذكرناه سابقًا: ينبغي أن تستشعر – أخانا السائل – عِظَم الأمانة التي في عنقك، وهم أسرتك، زوجتك، وأولادك، وأن تعلم أن القيام على تربيتهم، والعناية بهم: ليس هو توفير الطعام والشراب، بل هو شيء أعلى من ذلك، وهو أن تقيهم – مع نفسك – عذاب النار، وهي وصية الله تعالى لك، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) [ التحريم / الآية 6 ]، واعلم أن الله تعالى سائلك يوم القيامة عن هذه الأمانة صنتَها أم ضيعتها، نصحتَها أم خذلتَها، فاحذر من ذلك اليوم.

عن مَعْقِلِ بْنِ يسار المُزنيِّ قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّة يَموتُ يَوْمَ يَمُوتُ وهو غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللهُ عليه الجَنَّةَ “.وفي رواية: ” فَلَمْ يَحُطْها بِنَصِيحَةٍ إِلا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ “. رواه البخاري ( 6731 ), ومسلم ( 142 ).

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ “. رواه البخاري ( 853 ), ومسلم ( 1829 ).

خامسًا:

ولتعلم – أخانا السائل -: أننا نصحك بما ننصح به أنفسنا، وهو أن تقدم متاع الدنيا ومتاعها على أهلك وأولاد، وبما أنك تجد في بلدك عملًا يسد الحاجة فهو أمرٌ حسن، ومع تقوى الله وطاعته فإن القليل يصير كثيراً، وإن اليسير يصير عظيمًا مباركًا فيه.

واعلم: أن الذين يبتعدون عن أهاليهم وأولادهم: إنما يزرعون ما يوشك أحدهم على عض أصابع الندم على تلك الأوقات التي ابتعد فيها عن أسرته؛ فإن المجتمعات الآن تعج بالفساد من كل جانب، وحيثما ولَّى الأولاد وجوههم وجدوا من يصدهم عن الهداية، ومن يزين لهم الغواية، ولذا لا تظنن أن من تربى بعيدًا عن رقابة أهله – وخاصة والده -: أنه يفلح، إلا أن يشاء الله تعالى، وإليك ما نعرفه عن كثيرٍ من حالات الأسر التي غاب فيها الوالد عن أسرته:

أ. يتربى الابن بعيدًا عن تربية والداه وعنايته، فيتعرف على قرناء السوء، فيعلمونه الشر والفساد، ويصدونه عن الخير والهداية.

ب. كثيرٌ من الآباء يسهل أمر شراء سيارة لأسرته يقضون بها حاجتهم، وتسهل لهم صعاب الطرق، فيتجرأ الابن المتشبب على قيادتها، فيجعلها لتسهيل وصوله إلى قرناء السوء، وأماكن الفاحشة، أو قد يتسبب في حادث بها يدفع والده ما جناه طوال عمره لتغطية آثار ذلك الحادث، وقد لا يكفي ماله لتلك التغطية.

ج. لم يعد الأولاد يهتمون بدراستهم، فلا رقيب، ولا حسيب، وتضيع السنوات عليهم ولمَّا يحصلوا ما يرغب الأب المتغرب من أجلهم بحصوله.

د. فتور المشاعر بين أفراد الأسرة وبين الأب المتغرب البعيد عن نظرهم، والبعيد عن النظر بعيد من القلب! وقد يطيل بعض الآباء من فترة غيابهم؛ توفيرًا للمال – زعموا! – من أجل راحة أسرتهم، وتحقيق رغباتها، فينقلب الأمر عليه، فتفتر مشاعر أسرته تجاهه، حتى إذا قدم إليهم بعد فترة تمنوا أن لو تكون زيارته لهم قصيرة! فيستاءون من حضوره، ويفرحون بمغادرته.

هـ. يعتقد كثير من الآباء أن الأم يمكن أن يكون لها دور في تربية أولادها حين غيابه هو عنهم، والواقع أن هذا الأمر بعيد عن الصحة، والواقع، والمنطق، فالأم أضعف من أن تقوم بدور الأب، من جهة، كما أن مسئوليات بيتها لا تجعلها قادرة على القيام بوظيفة زوجها، ولذا فإن قارب الأسرة يحتاج لمجدفيْن اثنين، كل مجدف من جهة، فإذا فقد قارب الأسرة أحد المجدفيْن: ازداد العبء على الآخر، وقد لا يسلم القارب من الغرق.

و. يظن كثير من الآباء العاملين في خارج بلدهم، والبعيدين عن أسرهم أن ما يرسلونه من مالٍ لأسرهم كافٍ في تحقيق السعادة لأسرته! والواقع أن هذا الأمر بعيد عن الصواب، ففي الغالب يكون هذا المال سببًا لفساد الأسرة وشقائها، ولا سعادة تضاهي اجتماع الأسرة على سفرة الطعام، أو في غرفة الجلوس، أو في رحلة، يجتمع فيها شمل الأسرة، ويتربى فيها الأولاد تحت نظر والدهم وعنايته.

ز. الابن الذَّكر يحتاج لوالده في مراحل معينة من سني حياته، ففي أول مرحلة التمييز يحتاج هذا الابن لصقل شخصيته، وغرس معاني الرجولة والمسئولية فيه، والمرحلة الأخرى التي يحتاج الابن فيها لوالده هي مرحلة ما يسمَّى ” المراهقة “؛ فإنها إن مرَّت على الابن دون وجود والده فإن مفاسد كثيرة يمكن أن تحدث جرَّاء ذلك، ففيها يحب الابن أن يستقل برأيه، ويعتد بقوله، دون أن يحاسبه أو يراجعه أحد، وفي فورة الشهوة الجنسية فإنه قد يصرفها في الحرام! وكم يمكن لهذه المرحلة أن تجر من الويلات والمشكلات للأسرة لو أن ابناً خرج عن طوره، وتحلل من عقله، وتخلى عن سلوكه الحسن!.

ح. وأمر أخير وخطير، وهو حاجة الزوجة لمن يشبع رغبتها، ومن يعفها، وليس ذلك يكون وفق شرع الله تعالى إلا من زوجها، فماذا تصنع امرأة مكَّنها زوجها من شراء أجهزة التلفاز، ومشاهدة الفضائيات، والدخول لعالم الإنترنت، وكل ذلك وهو بعيد عنها؟! إن القصص المؤلمة التي تردنا من كل أرجاء الأرض تجعلنا في وعي وإدراك لما يجري في بيوت الناس، فنحن نشارك الناس في حياتهم، ونسمع همس تفكيرهم، ونطلع على مشاعرهم القلبية، ليس ذلك عن طريق الوحي، ولا بالتجسس، بل بما يبوحونه من أسرار، وما يطلعونا عليه من أحوال.

سادسًا:

الحذر الحذر، والقناعة القناعة، وهما وصيتانا لك، فإن شئت فاقبلهما، وإن شئت فدعهما، ولا نرى لك إلا ما نعتقد أنه الخير لك، ولأسرتك.

هي القناعة لا تبغي بها بدلًا … فيها النعيم وفيها راحة البدن

وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها … هل راح منها بغير القطن والكفن

 

– ونسأل الله أن يوفقك لما فيه رضاه، وأن يجمع بينك وبين أسرتك على خير، وأن يهديهم لما يحب ويرضى.

 

 

والله الموفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة