التعليق على كتابات محمد قطب والمودودي وحسن البنا

السؤال

حتى الآن أحترم بشدة كتابات مولانا ” المودودي “, و ” محمد قطب “, والإمام ” حسن البنا “، لكن قرأت مؤخرًا بعض المقالات والفتاوى في بعض مواقع الويب, تركتني محتارًا، فما رأيكم في كتاباتهم؟ وإذا كانت لديهم أخطاء فادحة: فرجاء بيانها، مع ذكر المراجع؟

الجواب

الحمد لله

أولًا:

– ثمة قواعد مهمة لا بدَّ من بيانها قبل الشروع في الجواب عن أعيان المسئول عنهم:

  1. أمر الله تعالى بالعدل، ونهى عن الظلم، ويشمل هذا الأمر وذاك النهي: الكلام عن الأشخاص والجماعات والكتابات.
  2. لا بدَّ من التفريق بين الناس، فليسوا كلهم على درجة واحدة، فبعضهم من الأدباء، وبعضهم من الدعاة، وبعض آخر علماء، فلا ينبغي توجيه النقد للجميع على اعتبار أنهم علماء وقعوا في أخطاء، وإنما قلنا هذا لأن بعضهم لا ينقل عنه تصحيح حديث، ولا ترجيح في مسألة فقهية، فأي منزلة لمثل هذا في واقع العلم, حتى يحاسب على أنه ضلَّل الأمة، وافترى على الإسلام؟!.
  3. ومن العدل الذي أمر الله تعالى به أن ننظر فيما انتقد على هؤلاء – وغيرهم -، فقد يكون مجملًا فُسِّر في موضع آخر، وقد يكون في أول حياته وتراجع عنه في أواخرها.
  4. ومن العدل كذلك: عدم تحميل كلام هؤلاء – ولا غيرهم – ما لا يحتمل، فليس من العدل في شيء أن يأتي الناقد لجملة من كتاب لداعية، أو أديب، أو عالم، ثم ينسبه لفرقة من الفرق الضالة، بل بعضهم ينسبه لدين وثني! وهذه الجملة إن لم تكن مجملة فهي محتملة، فبأي ميزان يحاسب الكاتب على جملة هذا حالها, حتى ينسب لفرقة ضالة, أو دين وثني؟! وهذا الكاتب له عشرات الآلاف من الصفحات, فأين فيها دعوته لعقائد الفرقة الضالة؟ وأين فيها ذكره – فضلًا عن تعظيمه – لذلك الدين الوثني؟!.

نعم، لو كانت الجملة واضحة بينة، وكانت الدعوة والمدح والتعظيم لأصول تلك الفرقة: لكان الكلام مقبولًا، أما والواقع هذا فإنه من الظلم البيِّن.

  1. وليس من العدل الجرح المجمل، بل لا بدَّ أن يكون مفسَّرًا، فكم قرأ العقلاء كلامًا لناقدين لا يعقلون من علم النقد شيئًا، وأما علم الجرح والتعديل فهم أبعد الناس عنه، فقد يقرأ العاقل أن فلانًا ” صوفي “، أو ” حزبي “, أو ” مبتدع “, أو ” ضال “, الخ, ولا يستطيع إثبات ذلك بكلمة مسموعة ولا مقروءة من ذلك المنتقَد، وهذا هو الظلم بعينه.
  2. ينبغي على المسلم تجنب اتباع الهوى في النقد، فقد يأتي عالم ويزكي كاتبًا أو داعية أو عالمًا، فيأتي الناقد ويرفض كلامه، متذرعا بأنه ” كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد”، وأنه قد لا يكون ذلك العالم قد اطلع على ما يجرح ذلك المنتقَد، وفي موضع آخر يُقبل قول ذلك العالم نفسه، وتفعَّل قاعدة أخرى، وهي أن هؤلاء علماؤنا، وهم حرَّاس الملة, … الخ، وهذا هو الهوى بعينه.

نعم، لا نقبل التعديل المجمل مع وجود الجرح المفسَّر، واحتمال خطأ النقد وارد على العالم وغيره، لكن تحكيم الهوى في قبول النقد هو الذي نحذر منه.

  1. ويجب على من ادعى شيئًا على غيره أن يثبته ببينة شرعية، ولا يحل لأحدٍ التقول على الآخرين، ونسبة ما لم يقولوه لهم، فإن ثبت عليه القول الخطأ: فينظر هل هو شرك أكبر, فيضيع معه كل خير فعله، أو هو دون ذلك, فيرجى أن يغلب خيرُه شرَّه، أو هو من مسائل الاجتهاد القابلة للنظر، فتُعطى كل مسألة وزنها في الشرع، وكل ذلك ليس بمانع من بيان الخطأ، وصواب القول الآخر.

* سئل الشيخ صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله -:

ما قولكم لمن يقول: إن الاستنتاجات الدالة على فساد فكر البعض ( البنا وقطب وسرور ) مجرد تحميل ووهم، وإن ما ذُكِرَ يضيع وسط خيرهم الكثير؟.

فأجاب:

الواجب على من نَسب إلى شخص خطأ في قول، أو اعتقاد: أن يُبَيِّن المصدر الذي فيه هذا الخطأ من كتب الشخص نفسه، فإذا بيَّنَ ذلك: فقد برئ من العهدة، وانتفت عنه التهمة.

وأما أن هذا الخطأ إذا صح صدوره من الشخص يضيع وسط خيره الكثير: فهذا فيه تفصيل: إن كان هذا الخطأ في الاعتقاد، بأن يكون شركًا أكبر: فهذا يضيع معه كل خير، ولا يبقى معه عمل صالح، وإن كان الخطأ دون ذلك من مسائل الاعتقاد، ولا يصل إلى حد الكفر والشرك: فهذا نرجو أن يغفره الله لصاحبه، وأن يرجح به حسناته، وإن كان الخطأ في مسائل الاجتهاد، والشخص من أهل الاجتهاد: فهذا خطأ مغفور، ولصاحبه الأجر على اجتهاده.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 1 / 369 ، 370 ، السؤال رقم: 215 ).

  1. ليس أحدٌ فوق النقد مهما علت منزلته، وطغت شهرته، بل نرى أن من كان منهم كذلك فهو أولى بالنقد؛ لأنه يسير خلفه أمم، ويقتدي به خلق، والنقد لا يعني الغلظة والقسوة، بل ينبغي أن ينزَّل كل أحدٍ منزلته، ولا يحل للأتباع أن يغضوا الطرف عن نقد من يحبون ويعظمون، وينبغي أن يكون الحق أحب إليهم من الخلق.

* قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

وهذا كله لا يمنع من نصيحة من أخطأ من أهل العلم، أو الدعاة إلى الله في شيء, من عمله، أو دعوته، أو سيرته, بل يجب أن يوجه إلى الخير، ويرشد إلى الحق، بأسلوب حسن, لا باللمز، وسوء الظن، والأسلوب العنيف؛ فإن ذلك ينفر من الحق أكثر مما يدعو إليه, ولهذا قال عز وجل لرسوليه موسى وهارون لما بعثهما إلى أكفر الخلق في زمانه: ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )، وأخبر الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم بما جبله عليه من الرفق، والحكمة، واللين، واللطف في الدعوة فقال سبحانه: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) الآية، وأمره سبحانه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة, فقال عز وجل: ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )، وهذا الأمر ليس خاصّاً به صلى الله عليه وسلم، بل هو موجه إليه، وإلى جميع علماء الأمة، وإلى كل داعٍ يدعو إلى حق؛ لأن أوامر الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم لا تخصه، بل تعم الأمَّة جميعاً, إلا ما قام الدليل على أنه خاص به, ولقول الله سبحانه: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الآية؛ ولقوله عز وجل: ( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ). ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 2 / 350 ).

ثانيًا:

وأما بخصوص أخيه الأستاذ محمد قطب: فنذكر ملخصًا من سيرته، ثم أبرز ما انتقده عليه أهل العلم.

أ. في ” الموسوعة العربية العالمية “:

محمد قطب إبراهيم ( 1338هـ – 1919م  ) عالم، ومفكر إسلامي، صاحب رؤية إسلامية بصيرة، وفقه ديني أصيل، وهو شقيق الكاتب الإسلامي الشهير ” سيد قطب “، وُلد بمصر، وتلقّى تعليمه الابتدائي والثانويّ بالقاهرة، التحق بجامعة ” القاهرة “، وحصل منها على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية عام(1940م)، حصل على دبلوم المعهد العالي في التربية وعلم النفس عام ( 1941م )، عمل بالتدريس لمدة أربع سنوات، وبإدارة الترجمة بوزارة المعارف لمدة خمس سنوات، ثم بالتدريس مرة أخرى لمدّة عامين، ثم مشرفًا على مشروع الألف كتاب بوزارة التعليم العالي، ثم أستاذًا بكلية الشريعة بمكة المكرمة.

ألَّف مجموعة من الكتب في مجالات التربية، وعلم النفس، والاجتماع، والأدب، والفكر الإسلامي، صدر منها حتى الآن ستة عشر كتاباً، منها: كتاب ” منهج التربية الإسلامية ” ( جزآن )؛ الأول والثاني، وألّف كتاب ” التوحيد ” المقرّر للمرحلة الثانوية في المملكة العربية السعودية؛ وكتاب ” جاهلية القرن العشرين “؛ وكتاب ” مذاهب فكرية معاصرة “؛ وكتاب ” رؤية إسلامية لأحوال الواقع المعاصر”؛ وكتاب ” مفاهيم ينبغي أن تصحح “؛ وكتاب ” التطور والثبات في حياة البشرية “؛ وكتاب ” معركة التقاليد “؛ وكتاب ” الإنسان بين المادية والإسلام “؛ وكتاب ” منهج الفن الإسلامي “؛ وكتاب ” دراسات قرآنية “؛ وكتاب ” قبسات من الرسول “.

ألقى عددًا من المحاضرات الثقافية، في الجامعات، والمعاهد العليا المصرية، بجانب إلقائه محاضرات ثقافية في موضوعات إسلامية مختلفة، في الجامعات العربية، والأندية الأدبية والثقافية السعودية.

حاز جائزة الملك ” فيصل العالمية للدراسات الإسلامية في عام ( 1408هـ – 1988م ). انتهى.

ب. ومن أبرز ما انتقده عليه أهل العلم:

  1. قوله في كتابه ” الصحوة الإسلامية ” ( ص 148 ): ” إن هذه المجتمعات التي نعيش فيها اليوم مجتمعات جاهلية – كما أسلفنا القول من قبل – ؛ لأنها لا تحكَّم، ولا تَحكُم بشريعة اللَّـه، إنما تحكَّم وتُحكم بمناهج جاهلية، وشرائع جاهلية, …”. انتهى.
  1. قوله في كتابه ” واقعنا المعاصر ” ( ص 486 ): ” أما الذين يسألون إلى متى نظل نربِّي دون أن نعمل!: فلا نستطيع أن نعطيهم موعداً محدَّداً فنقول لهم: عشر سنوات من الآن، أو عشرين سنة من الآن! فهذا رجم بالغيب، لا يعتمد على دليل واضح، وإنما نستطيع أن نقول لهم: نظل نربِّي حتى تتكون القاعدة المطلوبة بالحجم المعقول… “.
  2. استعماله في كتاب ” التوحيد ” في حق الله تعالى عبارات ” السلطة المغتصبة “.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

أنا مدرس في مدرسة ثانوية ” ليلى “، ومما قرأته في ” كتاب التوحيد ” عبارة ترددت فيها واستنكرتها، فأرجو إفادتي عن مدى صحتها، ومناسبتها لمقام رب العالمين: فقد ورد في ” كتاب التوحيد ” الذي ألفه ” محمد قطب ” في الصف الثاني الثانوي ( صفحة 23 ، في السطر 17 ) العبارة: ” فإذا جاء الرسول من عند الله يقول: يا قوم، اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، وهو ما قاله كل رسول لقومه، فهو في الحقيقة ينادي برد السلطان المغتصب إلى الله صاحب الحق وحده في التشريع للناس، وفي تقرير الحلال والحرام، والمباح وغير المباح “، وفي كتاب الصف الثالث لنفس المؤلف ( صفحة 82 ، في آخرها ثلاثة أسطر ) ذكر أن معنى لا إله إلا الله: ” رد السلطة المغتصبة التي يستعبد بها الناس إلى صاحبها الحقيقي إلى الله سبحانه وتعالى رب الجميع “، وقد أمسكت عنها، فلم أصفها بجواز، أو عدمه، فأرجو إفادتي.

فأجابوا:

لا نعلم بأسًا فيما ذكرته من حيث المعنى، ولكن الأسلوب فيه سوء أدب مع الله؛ لأنه سبحانه لا يستطيع أحد أن يقهره على أخذ حقه، بل هو القاهر فوق عباده، ولكن المشرك، والحاكم بغير ما أنزل الله قد اعتديا على حق الله، وحكمه، وخالفا شرعه .الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 2 / 158 ، 159 ).

  1. اقتصاره على تفسير التوحيد بالحاكمية.

* سئل علماء اللجنة الدائمة:

قرأت جواباً في مجلة ” البحوث الإسلامية ” ( العدد 33 ، من الفتوى رقم: 9234 ) – وهي ذاتها الفتوى السابقة -، فأشكل عليَّ الجواب، حيث فهمت أن العبارة التي استعملها مؤلف الكتاب الذي تم الاستفتاء عنه غير لائقة مع الله، وأنها فيها سوء أدب معه سبحانه، ولكن المعنى المراد سليم، ولا بأس به، وهي الإشكال، حيث ظهر لي أنه فسر التوحيد بالحاكمية فقط، وهذا تفسير ناقص؛ لأنه ليس مراد الأنبياء والرسل من أممهم أولاً، فالرجاء توضيح هذه الفتوى، وبيان الحق فيها .

فأجابوا:

ما ذكرتَه من تفسير ” محمد قطب ” في الكتاب المذكور لكلمة لا إله إلا الله بالحاكمية تفسير غير صحيح، والتفسير الصحيح لهذه الكلمة العظيمة أن يقال: لا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) ، وهذا الذي فسرها به أهل العلم قديماً، وحديثاً، وأما الحاكمية: فهي جزء من معناها، زادك الله علماً، وبصيرة .الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية (2/39،40).

  1. الاهتمام بتوحيد الربوبية، وترك الاهتمام بتوحيد الألوهية.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

وأما ثناؤه – وهو كاتب رمز لنفسه بـ ” ع . ع ” – على ما قام به الأستاذ محمد قطب في كتابه لمنهج التوحيد للمرحلة الثانوية وقوله: ” إنه قرَّب قضايا العقيدة بأسلوب بسيط … ” إلخ ما أثنى به عليه .

فنقول: مع احترامنا للأستاذ محمد قطب؛ إلا أن ما قام به عمل ناقص جدًّا، وهذا ما كنَّا نتخوفه من قطع صلتنا بكتب السلف واستبدالها بمؤلفات جديدة .

إن ما قام به الأستاذ محمد قطب – حفظه الله – في هذا العمل يقتصر غالبًا على إثبات توحيد الربوبية، وهي تحصيل حاصل؛ لأن توحيد الربوبية قد أقر به جمهور الأمم الكافرة؛ كما ذكر الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك في كتابه الكريم، وهو لا يكفي، وليس هو العقيدة التي جاءت به الرسل، ودعت إليها .

فالرسل كلها تعدوا إلى توحيد الألوهية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه .

وما ورد من الآيات في ذكر توحيد الربوبية إنما هو للاحتجاج به على المشركين، والاستدلال به على توحيد الألوهية، وإلزام المشركين حيث أقروا بتوحيد الربوبية أن يقروا بتوحيد الألوهية، فتوحيد الربوبية ليس هو العقيدة المطلوبة، وإلا كان أبو جهل، وأبو لهب موحدين؛ لأنهم أقروا به وأثبتوه.

وهذا يجب أن يفهم، وأن تكون العناية بتوحيد الألوهية، وبيانه للطلبة؛ لأنه هو حقيقة الإسلام، وهو معنى ” لا إله إلا الله ” ومقتضاها، الذي هو عقيدة المسلمين .

” البيان لأخطاء بعض الكتَّاب ” ( ص 17 ، 18 ).

ومن تأمل نقد أولئك العلماء يجد الآتي:

  1. أن الأستاذ ” محمد قطب ” لا يعتقد عقيدة منحرفة، أو باطلة، فليس هو بأشعري، ولا خارجي، ولا مرجئ، بل هو منتسب لأهل السنة والجماعة.
  2. أن النقد في الأسلوب والتعبير أكثر منه في الحقيقة والمعنى والمضمون، ولن نسوغ خطأ أسلوبه، بل نقول ما قاله أئمتنا.
  3. نقد الشيخ الفوزان – حفظه الله – في كثير من الأدب والرقة، حيث دعا له، وأخبر عن احترامه للأستاذ محمد قطب، وهذا لم يجعله يسكت عما يراه خطأ، وقد تركنا كلاماً آخر للشيخ الفوزان – حفظه الله – في نقد كلمات وعبارات للأستاذ محمد قطب؛ وذلك لأن فيها تحميل للعبارة ما لم تحتمله، وفي بعضها الآخر إلزام بما لم يمكن أن يلتزمه.
  4. ومثل هذه الملاحظات والأخطاء لا تمنع الناس من الاستفادة من كتب الأستاذ محمد قطب، وهي قليلة جدًّا في جانب كتبه الأخرى، وما منَّا إلا رادٌّ ومردود عليه، وما ذكرناه له من كتب لا تزال مورداً لكثير من الكتَّاب والدعاة والعلماء.

ثالثًا:

وأما بخصوص ” أبي الأعلى المودودي “: فقد جاء في ” الموسوعة العربية العالمية “:أبو الأعلى المودودي ( 1321 – 1399هـ ، 1903 – 1979م )، مفكّر، وداعية إسلامي، معروف بالهند، وأمير الجماعة الإسلامية بها في منتصف القرن العشرين، وُلد أبو الأعلى المودودي في ” أورنك آباد ” في مقاطعة ” حيدر آباد “، وتلقى تعليمه على يد والده، ثم التحق في سن الحادية عشرة بالمدرسة حيث كان محل إعجاب مدرسيه، عكف المودودي على دراسة اللغتين العربية والفارسية، واجتازها بامتياز، فقرر العمل الصحفي، وعمل مع أخيه سيد أبو الخير المودودي في تحرير جريدة ” مدينة بحتور ” ( 1918 م ) ، ولكن لم يطل عمله حيث أغلقت السلطات البريطانية الجريدة.

قام أبو الأعلى بإنشاء جبهة صحفية عام (1920م )، وانتقل إلى ” دلهي “، حيث اشترك مع مدير جمعية علماء الهند في إصدار جريدة ” المسلم ” إلى أن أغلقت سنة ( 1923م ).

شارك أبو الأعلى المودودي في بلورة فكرة إقامة دولة مستقلة لمسلمي الهند، متحديًّا بذلك جهد ” غاندي ” الذي كان يسعى إلى توحيد شبه القارة الهندية، خالف أبو الأعلى المودودي بعض أقرانه، حيث تمسك بإقامة دولة إسلامية مستقلة تطبّق الشريعة الإسلامية، مما دفعه إلى ترك حزب ” الرابطة الإسلامية “، وانتقل إلى ” لاهور “، حيث أسس ” إدارة دار الإسلام “.

وفي عام ( 1941م ) أسس أبو الأعلى المودودي تنظيمًا أطلق عليه ” الجماعة الإسلامية “، وكان المودودي أميرًا له، حيث نشطت الجماعة إلى حين إعلان دولة باكستان في ( 28 / 8 / 1947م ).

كانت مطالبات أبي الأعلى المودودي تتلخّص في: إخلاص الحاكمية لله وحده، اتخاذ الشريعة قانونًا أساسيًّا للبلاد، إبطال كل القوانين المخالفة، الالتزام بتحكيم الشريعة الإسلامية في تصرفات الحكومة.

دخل أبو الأعلى المودودي السجن عدة مرّات, إلا أن ذلك لم يثنه عن مواصلة نشاطه الحركي أو الفكري، وكتابة الكتب والمقالات التي أثرت في مسيرة الحركة الفكرية الإسلامية على امتداد العالم الإسلامي كله.

ومن إنجازاته: إنشاؤه مركز ” دار السلام للمعرفة الإسلامية ” في ” باثانكوت ” في ولاية ” البنجاب “، ودعوته إلى قيام الجماعة الإسلامية بـ ” لاهور”، فأنشئت في عام ( 1941م )، وانتخب أول رئيس لها، وقد تجاوزت مؤلفاته ورسائله عن الحقائق الرئيسية للإسلام المائة والخمسين، فضلًا عن خطبه في هذا المجال، ومن أشهر مؤلفاته: ” الجهاد في الإسلام “، ” مبادئ الإسلام “، ” تفهيم القرآن “، ” القانون والدستور الإسلامي “، ” الملكية والخلافة “.

وفي مطلع الستينيات أصيب المودودي بمرض دفعه عام ( 1972م ) إلى طلب إعفائه من إمارة الجماعة الإسلامية، حيث تفرغ للعمل الفكري، واستمر على هذه الحال حتى وفاته. حاز جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام (1399هـ- 1979م ). انتهى.

رابعًا:

وكان لبعض العلماء بعض ملاحظات على بعض كتب الأستاذ المودودي، وقد تنوعت بين المخالفات التاريخية، والحديثية، والفقهية، والعقيدية – في غير الأصول من مسائلها -، ومن ذلك:

  1. انتقاصه من أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه -! ومن الأمويين عمومًا.

* قال الدكتور علي محمد محمد الصلابي – حفظه الله -:

إن عثمان وولاته انشغلوا بمدافعة الأعداء, وجهادهم، وردهم، ولم يمنعهم ذلك من توسيع رقعة الدولة الإسلامية، ومد نفوذها في مناطق جديدة، وقد كان للولاة تأثير مباشر في أحداث الفتنة؛ حيث كانت التهمة موجهة إليهم، وأنهم اعتدوا على الناس، ولكننا لم نلمس حوادث معينة يتضح فيها هذا الاعتداء المزعوم والمشاع، كما اتهم عثمان بتولية أقاربه, وقد دحضنا تلك الفرية، وهكذا نرى أن عثمان لم يألُ جهداً في نصح الأمة، وفي تولية من يراه أهلاً للولاية، ومع هذا: فلم يسلم عثمان، وولاته، من اتهامات وجهت إليهم من قبَل أصحاب الفتنة في حينها، كما أن عثمان – رضي الله عنه – لم يسلم من كثير من الباحثين في كتاباتهم غير المنصفة، وغير المحققة عن عهد عثمان، وخصوصًا الباحثين المحدَثين، الذين يطلقون أحكامًا لا تعتمد على التحقيق، أو على وقائع محددة، يعتمدون فيها على مصادر موثوقة؛ فقد تورط الكثير منهم في الروايات الضعيفة، والرافضية، وبنوا أحكاماً باطلة، وجائرة، في حق الخليفة الراشد عثمان بن عفان، مثل: طه حسين في كتابه ” الفتنة الكبرى “… وأبي الأعلى المودودي في كتابه ” الملك والخلافة “، وسيد قطب في كتابه ” العدالة الاجتماعية “، وغيرهم.

” سيرة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – ” ( ص 269 ، 270 ).

وبعد صفحات قال الصلابي – حفظه الله – في بيان المؤلفات المعاصرة التي تناولت أحداث الفتنة بين الصحابة والتابعين -:

ب. مصنفات لبعض علماء هذه الأمة من المعاصرين، وهي مفيدة إجمالًا، ولكن طريقة عرضهم للأحداث وتفسيرهم لمواقف بعض الصحابة والتابعين: فيها كثير – أو بعض – من عدم الإنصاف، مثل ما كتبه أبو الأعلى المودودي رحمه الله في كتابه ” الخلافة والملك “، وما دوَّنه الشيخ محمد أبو زهرة – رحمه الله – في كتابه ” تاريخ الأمم الإسلامية “, و ” الإمام زيد بن علي “، فالكتابان مشحونان بكثير من التحامل على مقام بعض الصحابة، والطعن على خلفاء بني أمية، وتنقصهم وتجريدهم من أية خصلة حميدة، أو عمل صالح، ويبدو أن أمثال هؤلاء العلماء لم يحققوا في الروايات التاريخية، فتورطوا في الروايات الرافضية الشيعية، وبنوا عليها تحليلاتهم، واستنتاجاتهم، غفر الله لنا ولهم. انتهى.

ب. قوله بأن دية الذمي كدية المسلم، وأن المسلم يُقتل بالكافر.

وقد رد عليه الشيخ الألباني في قوله بأن دية الذمي كدية المسلم، وأحال على الحديث رقم: ( 458 ) من ” السلسلة الضعيفة “، ورد عليه بقوله إن المسلم يُقتل بالكافر، وذلك عند الحديث رقم: ( 460 ) من ” السلسلة الضعيفة ” أيضًا.

ج. عدم قوله بخروج المهدي في آخر الزمان.

* قال الشيخ يوسف البرقاوي – حفظه الله -:

وممن استبعد ظهور المهدي المنتظر الداعية الشيخ أبو الأعلى المودودي في كتابه ( البيانات ) قال -رحمه الله-: ” ولا يمكن بتأويل مستبعد أن في الإسلام منصبًا دينيًّا يعرف ” بالمهدوية ” يجب على كل مسلم أن يؤمن به، ويترتب على عدم الإيمان به طائفة من النتائج الاعتقادية، والاجتماعية في الدنيا والآخرة “. انتهى.

ولا شك أن هذه الأقوال المتقدمة التي نفت ظهور المهدي هي أقوال مردودة؛ للأدلة الصحيحة الصريحة الثابتة في كتب الحديث في باب أشراط الساعة وعلاماتها، والتي تفيد خروج المهدي في نهاية الدنيا، فلا مجال لردها، ولا مبرر لرفضها، ولا معنى لتأويلها عن ظاهرها، وصرفها عن حقيقتها، فهي نصوص واضحة في هذا الباب.

” مجلة البحوث الإسلامية ” ( 49 / 315 ، 316 ) من مقال له بعنوان ” عقيدة الأمة في المهدي المنتظر “.

وقد ردَّ الشيخ عبد المحسن العبَّاد على الأستاذ المودودي ردًّا علميًّا موفقًا، وذلك في مقال له بعنوان ” عقيدة أهل السنَّة والأثر في المهدي المُنتظر “، وقد نشر في مجلة الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، ويمكن الاطلاع عليه من ها هنا:

http://www.iu.edu.sa/magazine/3/9.htm

خامسًا:

ولم يمنع ذلك النقد من علمائنا الأجلاء أن يثنوا على الأستاذ أبي الأعلى المودودي خيرًا، وأن ينقلوا عنه في مواضع من كتبهم، وهذا هو العدل والإنصاف، النقد للخطأ من قوله، وقبول الصواب من كلامه، ولعلنا نوثق ما قلناه عن أئمتنا، فنقول:

أ. * سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أرجو من سماحتكم أن تتفضلوا بإبداء رأيكم حول مؤلفات أبي الأعلى المودودي، وأبي الحسن الندوي، وسيد قطب؟.

فأجاب:

كلها كتب مفيدة، كتب هؤلاء الثلاثة رحمهم الله كلها كتب مفيدة، فيها خير كثير، ولا تخلو من بعض الأغلاط، كل إنسان يؤخذ من قوله ويترك، ليسوا معصومين، وطالب العلم إذا تأملها عرف ما فيها من الأخطاء ووجهه من الحق، وهم رحمهم الله قد اجتهدوا في الخير، ودعوا إلى الخير، وصبروا على المشقة في ذلك، وأبو الحسن موجود، والحمد لله، وفيه الخير الكثير، ولكن ليس معصومًا، ولا غيره من العلماء، العصمة للرسل عليهم الصلاة والسلام وما يبلغون عن الله، والرسل عصمهم الله لما يبلغون عن الله، وهكذا الأنبياء، أما العلماء: كل عالم يخطئ ويصيب، ولكن بحمد الله صوابهم أكثر، وقد أفادوا، وأجادوا، ونفعوا الناس، يقول مالك بن أنس رحمه الله – إمام دار الهجرة في زمانه -: ما منَّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه، إلا صاحب هذا القبر – يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم -، فالمؤمن يطلب العلم، وهكذا المؤمنة تطلب العلم، كل واحد يتفقه في الدين، ويتبصر، ويسأل عما أشكل عليه، ويقرأ القرآن، ويقرأ السنَّة، يعتني حتى يعرف الحق بأدلته، وحتى يعرف الغلط، إذا غلط العالِم، ولا يجوز أن يقال هذا فلان العالِم الجليل يؤخذ قوله كله من دون نظر، لا بل لا بدَّ من النظر والعناية وعرضها على الأدلة الشرعية، فما وافقها قُبل، وما خالف الأدلة الشرعية: تُرك، وإن كان عظيمًا، وإن كان له أجر عظيم، وإن كان مجتهدًا في الخير، وإن كان مشهورًا.  ” نور على الدرب ” ( شريط 651 ).

ب. * وقال علماء اللجنة الدائمة:

وقد كتب فضيلة الشيخ المودودي – رحمه الله – كتابة ضافية في الموضوع، في كتابه ” حركة تحديد النسل “، وبإمكانك الاطلاع عليه، إذا أردت.

” فتاوى اللجنة الدائمة  ” ( 19 / 300 ).

ج. وفي ” فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 3 / 199 ):

وممن كتب في هذا أيضًا أخونا الشيخ صالح بن أحمد المصوعي – رحمه الله -، فقد كتب فيها رسالة صغيرة, فنَّد فيها هذه المزاعم، وأبطل ما قاله هؤلاء الكتبة بأن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط، وصنف أيضًا أخونا العلامة أبو الأعلى المودودي – رحمه الله – رسالة في الجهاد، وبيَّن فيها بطلان هذا القول، وأنه قول لا أساس له من الصحة . انتهى.

د. وأثنى عليه الشيخ الألباني – رحمه الله – عند الحديث رقم: ( 77 ) من ” السلسلة الضعيفة ” فقال:

وقد ألفت كتب كثيرة في الرد على هؤلاء الضلاَّل – أي: القاديانية -, ومن أحسنها رسالة الأستاذ الفاضل المجاهد أبي الأعلى المودودي – رحمه الله – في الرد عليها, وكتابه الآخر الذي صدر أخيرًا بعنوان ” البيانات “, فقد بيَّن فيهما حقيقة القاديانيين, وأنهم مرقوا من دين المسلمين، بأدلة لا تقبل الشك, فليراجع إليها من شاء. انتهى.

هـ. ونقل عنه الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – في مسألة ” الحجاب ” نقلًا مطولًا، وذلك في كتابه: ” الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب ستر المرأة وجهها عن الرجال غير المحارم “.

و. ونقل عنه في كتابه ” الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد والرد على أهل الشرك والإلحاد ” من ( ص 220 – 22 ) في رده على القاديانية.

ز. ونقل عنه الشيخ بكر أبو زيد في كتابه ” معجم المناهي اللفظية “.

سادسًا:

وأما بخصوص الأستاذ حسن البنا رحمه الله: فقد جاءت ترجمته في ” الموسوعة العربية العالمية “:

حَسَن البنَّا ( 1324- 1369هـ ، 1906- 1949م ): حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنَّا الساعاتي، مؤسس حركة ” الإخوان المسلمين ” بمصر، والعالم العربي، والإسلامي، وُلد في بلدة ” فوه ” بمحافظة ” كفر الشيخ “، ونزح مع أسرته إلى بلدة ” المحمودية ” بمحافظة البحيرة، قضى حسن البنا أربع سنوات في مدرسة ” الرشاد ” الدينية من سن الثامنة حتى الثانية عشرة، حيث تأثر تأثرًا بالغًا بالشيخ محمد زهران، انخرط البنا في بعض الجمعيات الإصلاحية المحلية، وبحلول عام (1920م )، التحق البنا بمدرسة ” المعلمين ” بـ ” دمنهور “، حيث تعرّف على مبادئ التصوف بانخراطه في الطريقة الحصافية الشاذلية.

وفي عام 1923م، التحق البنَّا بمدرسة ” دار العلوم العليا ” بالقاهرة، حيث حصل على الدبلوم عام 1927م. وعُيِّن بإحدى المدارس الابتدائية بمدينة الإسماعيلية ، ومن هذه المدينة أعلن البنَّا تأسيس جماعة ” الإخوان المسلمين ” ، قام حسن البنَّا بتأسيس ” جماعة الإخوان المسلمين ” عن طريق المقالات الصحفية، والمقابلات الشخصية، وكان لشخصيته وأسلوبه أكبر الأثر في تنظيم جماعة ” الإخوان المسلمين “, التي أدَّت دورًا بالغًا في الحياة السياسية المصرية، ثم الحياة السياسية العربية الإسلامية, تعتبر حركة ” الإخوان المسلمين ” من أكثر المنظمات الإسلامية تنظيمًا، وانتشارًا على مستوى العالم، قام البنَّا بكثير من النشاطات السياسية، وأدَّى دورًا مهمًّا في توجيه السياسة المصرية، وفي الوقوف ضد النظام السياسي آنذاك، ثم اغتيل في (12 فبراير 1949م ). انتهى.

سابعًا:

ولا يُنكر ما للرجل من جهود في الدعوة إلى الله، وإنقاذ كثيرين من براثن المذاهب الضالة والمنحرفة، وإنقاذهم من المعاصي المهلكة، وبذا استحق مدح وثناء أهل العلم من المنصفين من أهل السنَّة، كما أن هذا الأمر لا يعني السكوت عما أخطأ به من مسائل، وبخاصة مسائل العقيدة، وخاصة أنه إمام عند جماعته، وقوله يتبعه عليه الملايين، فكان لزاماً على أهل العلم تبيين ما وقع فيه من أخطاء، وكان مما انتقد عليه – رحمه الله -:

أ. قوله إن آيات وأحاديث الصفات من المتشابه، كما في ( ص 392 ) من كتابه ” مجموعة الرسائل “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

” وأما إدخالُ أسماءِ الله وصفاته، أو بعضِ ذلك في المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله: فنقول: ما الدليل على ذلك؟ فإني ما أعلم عن أحدٍ من سلف الأمة، ولا من الأئمَّة، لا أحمد بن حنبل، ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية – أي: قوله تعالى: ( هوَ الذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ…) [ آل عمران / الآية 7 ] – ونفى أن يعلم أحدٌ معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يُفهم، وإنما قالوا كلمات لها معانٍ صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات: تُمَرُّ كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية – وردُّوها وأبطلوها – التي مضمونها تعطيل النصوص عمّا دلت عليه، ونصوص ” أحمد “، والأئمة قبله بيِّنةٌ في أنهم كانوا يُبطلون تأويلات الجهمية، ويُقرُّون النصوصَ على ما دلَّتْ عليه من معناها … “.

إلى أن قال رحمه الله:

” فهذا اتفاق مِن الأئمةِ على أنَّهم يعلمون معنى هذا المتشابه، وأن لا يُسكت عن بيانه وتفسيره، بل يُبيَّنُ ويفسَّرُ باتفاق الأئمة مِن غيرِ تحريفٍ له عن مواضعه، أو إلحادٍ في أسماء الله، وآياته “. ” مجموع الفتاوى” ( 13 / 294 – 305 ) باختصار.

ب. وفي ( ص 444 ) قال: ” وردتْ في القرآن الكريم آياتٌ، وفي السنَّةِ المطهَّرةِ أحاديث توهم بظاهرها مشابهة الحق تبارك وتعالى لخلقه في بعض صفاتهم، نورد بعضها على سبيل المثال … “. انتهى.

– ثم ذكر صفات: ” الوجه “, و ” العين “, و ” اليد “, و ” النفس “, و ” الاستواء “.

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – رادًّا على ” البوطي ” وقد جاء بمثل ما ذكره الأستاذ حسن البنَّا -:

نقول له: ليس الأمر كما ذكرت، فليس ظاهرها يدل على مشابهة صفات المخلوقين، وإنما هذا وهمٌ توهمتَه أنتَ، وتوهَّمه غيرُك، وليس هو ظاهرها؛ لأن ظاهرها هو ما يليق بجلال الله، وصفات الخالق تختص به، وصفات المخلوق تختص به. ” تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً ” ( ص 32 ).

ج. جعله مذهب السلف في الصفات: ” التفويض “! أي: تفويض معاني الصفات.

ففي ( ص 449 ) قال: ” أما السلف رضوان الله عليهم فقالوا: نؤمن بهذه الآيات، والأحاديث، كما وردت، ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى، فهم يثبتون اليد، والعين، والأعين، والاستواء، والضحك، والتعجب … إلخ، وكل ذلك بمعانٍ لا ندركها، ونترك لله تبارك وتعالى الإحاطة بعلمها “. انتهى.

* قال الشيخ عمر الأشقر – حفظه الله -:

” الذين يُجرون الصفات على ظاهرها ويقولون: عِلمُ معانيها إلى الله تبارك وتعالى، ونحن لا نعرف معاني هذه الأسماء: يُسمّوْن ” المفوِّضة “، ويدَّعي كثير من الباحثين في هذا الموضوع أن مذهب المفوضة هو مذهب السلف الصالح!.

والتحقيق: أن السلفَ لا يفوِّضون معاني الأسماء والصفات، وإنما يفوِّضون كيفيَّةَ الصفات، أما المعاني: فإنَّها معلومةٌ مِن لغة العرب.

والردَّ على ” المفوضة ” من وجوهٍ:

أنَّ السلف الصالح ثبتَ عنهم تفسيرُ معاني أسماء الله وصفاته وفق ما تفقهه العرب من كلامها، ولم يثبت عنهم خلاف ذلك، يدلُّك على صحة هذا: أن الإمام مالكًا قال في الإجابة عندما سئل عن كيفيَّة الاستواء: ” الاستواءُ معلومٌ، والكيفُ مجهولٌ – والمراد بـ ” المعلوم “: أي: معلوم معناه في لغة العرب.

لو كانت الأسماء ألفاظاً لا معاني لها: لم تكن حسنى، كما أخبر الحقُّ تبارك وتعالى، ولا كانت دالة على مدح وكمال؛ لأن حسنها باعتبار معانيها، فأيُّ حُسْنٍ فيها إن لم يكن لها معانٍ؟!.

لو كانت ألفاظا لا معنى لها: لساغ وقوعُ أسماء ” الغضب “، و ” الانتقام ” في مقام الرحمة، والإحسان، وبالعكس! فيقال: اللهمَّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي إنَّك أنتَ الجبار المنتقم! اللهم أعطني إنَّك الضارُّ المانع القابض “.

‍” أسماء الله وصفاته ” ( ص 123 ، 124 ) باختصار.

والملاحظات على مسائل الاعتقاد عند الأستاذ حسن البنا كثيرة، وقد كتب الأستاذ ” سالم البهنساوي ” في مجلة ” المجتمع ” ( عدد 609 تاريخ 9 / 5 / 1403 هـ ) مقالًا يثبت فيه سلفية حسن البنا في العقيدة، فتصدى له الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -، وتعقبه، ورد عليه في كتابه ” البيان لأخطاء بعض الكتَّاب ” من ( ص 229 – 247 ) فلينظر.

 

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة