1. سائل يقول: لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم أنّ مصيرهم في الجنة أو النار؟! 2. تفصيل القول في معنى قوله تعالى: ( فإما يأتينكم مني هدى ) وهل يدخل إبليس

السؤال

لدي سؤال أتمنى منكم الإجابة عليه، وجزاكم الله خيرًا، إذا كان الله سبحانه يعلم الغيب، ويعلم ماذا سيفعل الناس، ويعلم من سيذهب إلى النار، أو إلى الجنة – حيث أن علم الله سبق كل شيء – فلماذا خلَقَنَا إذن؟ ولماذا أنزل الله إبليس إلى الأرض مع آدم و حواء مع العلم أن التوبة لن تنفعه وأنه حكم عليه بجهنم؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إن معرفة الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق فيها الجواب عن كثير من الإشكالات والشبهات التي يرددها كثير من الملحدين، وقد يتأثر بها بعض المسلمين، ومن تلك الشبهات الظن بأن الله تعالى خلق الناس من أجل أن يضع بعضهم في الجنة، وآخرين في النار! وهذا ظن خاطئ، وما من أجل ذلك خلق الله الخلق، وأوجدهم.

وليعلم الأخ السائل – ومن رام معرفة الحق – أن الغاية من خلق الإنسان، وخلق السموات، والأرض: ليُعرف سبحانه وتعالى، ويوحَّد، ويطاع.

قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدون ) [ الذاريات / الآية 56 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

أي: إنما خلقتُهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم.

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ( إلا ليعبدون ) أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعا، أو كرهًا. وهذا اختيار ابن جرير. ” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 239 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله -:

إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السموات والأرض ليُعرفَ، ويُعبدَ ويوحَّد ويكون الدين كله له، والطاعة كلها له، والدعوة له، كما قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )[ الذاريات / الآية 56 ]، وقال تعالى: ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) [ الحجر/ من الآية 85 ]، وقال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا ) [ التحريم / 12 ]، وقال تعالى: ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات والأرض وأن الله بكل شيء عليم ) [المائدة/الآية 97 ]، فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق، والأمر: أن يُعرف بأسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض كما قال تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ) [ الحديد / 25 ]، فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله، وأنزل كتبه: ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل، ومن أعظم القسط: التوحيد، بل هو رأس العدل، وقوامه، وأن الشرك ظلم، كما قال تعالى: ( إن الشرك لظلم عظيم )، فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل. ” الجواب الكافي ” ( ص 88 ، 89 ).

وثمة خلط عند كثيرين بين الغاية المرادة من العباد، والغاية المرادة بالعباد، فالأولى هي معرفة الله وتوحيده – كما سبق ذِكره -، والثانية: هي إثابة المطيع، ومعاقبة العاصي.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وأما الحق الذي هو غاية خلقها – أي: السموات والأرض وما بينهما -: فهو غاية تُراد من العباد، وغاية تراد بهم، فالتي تُراد منهم: أن يعرفوا الله تعالى، وصفات كماله عز وجل، وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا، فيكون هو وحده إلههم، ومعبودهم، ومطاعهم، ومحبوبهم، قال تعالى: ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا).

فأخبر أنه خلق العالم ليَعرف عبادُه كمالَ قدرته، وإحاطة علمه، وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده.

وقال تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )، فهذه الغاية هي المرادة من العباد، وهي أن يعرفوا ربهم، ويعبدوه وحده.

وأما الغاية المرادة بهم: فهي الجزاء بالعدل، والفضل، والثواب، والعقاب، قال تعالى: ( ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) [ النجم / الآية 31 ]، قال تعالى ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) [ طه / الآية 15 ]، وقال تعالى: ( ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ) [ النحل / الآية 39 ]، قال تعالى: ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعًا وعد الله حقًّا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) [ يونس / الآية 3 – 4 ]. ” بدائع الفوائد ” ( 4 / 971 ).

وبه يُعلم أنه ليست الغاية من خلق الخلق هو إثابة المطيع، ومعاقبة العاصي، بل هذه هي الغاية المرادة بهم، ولو أن الله تعالى خلق الخلق وجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير: ما تحققت الغاية التي أرادها الله من عباده.

ثانيًا:

إن الله تعالى لا يُدخل الناس الجنة والنار بعلمه تعالى باستحقاق كل فريق منهم، بل يُدخلهم الجنة والنار بأعمالهم التي قاموا بها في دنياهم، ولو أن الله تعالى خلق خلّقاً وأدخلهم ناره: لكان لهم الحجة على الله بأنه لم يختبرهم، ولم يجعل لهم مجالاً للعمل، وهذه حجة أراد الله تعالى دحضها بأن خلقهم في الدنيا، وركَّب لهم عقولاً، وأنزل كتبه، وأرسل رسله، وكل ذلك لئلّا يكون لهؤلاء حجة على الله يوم القيامة.

قال تعالى: ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [ النساء / الآية 165 ].

فإذا كان خلقهم مع عدم إرسال الرسل يكون لهم حجة عند الله: فكيف أن لا يوجد خلّاق لهم؟.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

فصرح في هذه الآية الكريمة: بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحدٍ بإرسال الرسل، مبشِّرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين مَن عصاهم النار.

وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعَها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين: بيَّنها في آخر سورة طه بقوله: ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَنَخْزَى )، وأشار لها في سورة القصص بقوله: ( وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )، وقوله جلَّ وعلا: ( ذلِكَ أَن لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ )، وقوله: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ)، وكقوله: ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ )، إلى غير ذلك من الآيات.

ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحدًا إلا بعد الإنذار، والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام: تصريحه جلَّ وعلا في آيات كثيرة: بأنه لم يُدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل، فمن ذلك قوله جلَّ وعلا: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ ).

ومعلوم أن قوله جلَّ وعلا: ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ ) يعم جميع الأفواج الملقين في النار. قال أبو حيان في ” البحر المحيط ” في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه: و( كُلَّمَا ) تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين.

ومن ذلك قوله جلَّ وعلا: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ )، وقوله في هذه الآية: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) عام لجميع الكفار.

فقوله تعالى: ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ) إلى قوله: ( قالُوا بَلَى ): عام في جميع الكفار، وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا، فعصوا أمر ربهم، كما هو واضح. ” أضواء البيان ” ( 3 / 66 ، 67 ).

وفي اعتقادنا أن معرفة الغاية التي خلَق الله الخلق من أجلها، ومعرفة أن الله تعالى لا يعذِّب أحدًا وفق ما يعلم منه سبحانه، بل جزاء أعماله في الدنيا، وأن في هذا قطعاً لحجته عند الله: يكون بذلك الجواب عن الإشكال الوارد في السؤال.

ثالثًا:

وأما سؤال الأخ الثاني فلم يتبين لنا المراد منه، والذي ينبغي أن يعلمه أن الله تعالى لم يأمر إبليس بالهبوط إلى الأرض من أجل أن يتوب، بل هو عقوبة له على تركه أمر رب العالمين بالسجود لآدم، وذلك المنزل العالي لا يستحقه ذلك الشيطان الرجيم، قال تعالى: ( قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ) [ الأعراف / الآية 13 ].

ولعلَّ الأخ السائل أراد قوله تعالى: ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ البقرة / الآية 38 ]، وقوله تعالى: ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) [ طه / الآية 123 ].

فهاتان الآيتان الظاهر منهما الأمر بالهبوط لآدم وإبليس، وفيهما الترغيب باتباع هدى الله، والتحذير من مخالفة أمره، فإن كان هذا مراد الأخ السائل: فالجواب عليه من وجوه ثلاثة ليس فيها إشكال: 

  1. أن المخاطب بهاتين الآيتين: آدم، وحواء، وذريتهما، وليس معهم إبليس لعنه الله.

* قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ).

الظاهر أن ألف الاثنين في قوله: ( اهْبِطَا ): راجعة إلى آدَم، وحَوَّاء, المذكوريْن في قوله: ( فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا )، خلافًا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس، وآدم، وأمْرُه إياهما بالهبوط مِن الجنة المذكور في آية ” طه ” هذه: جاء مُبيَّنًا في غير هذا الموضع، كقوله في سورة ” البقرة “: ( وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )، وقوله فيها أيضًا: ( قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )، وقوله في ” الأعراف “: ( قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ).

وفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن يُقال: كيف جيء بصيغة الجمع في قوله: ( اهْبِطُواْ ) في ” البقرة ” و” الأعراف “، وبصيغة التثنية في ” طه ” في قوله: ( اهْبِطَا ) مع أنه أَتْبع صيغة التثنية في ” طه ” بصيغة الجمع في قوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّى هُدًى )؟.

وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك: أن التثنية باعتبار آدم وحَوَّاء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما، خلافًا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم، وإبليس، والجمع باعتبار معهم ذريتهما معهما، وخلافاً لمن زعم أن الجمع في قوله: ( اهْبِطُواْ ) مراد به: آدم، وحواء، وإبليس، والحَيَّة، والدليل على أن الحية ليست مرادة في ذلك: هو أنها لا تدخل في قوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً ) لأنها غير مكلفة. ” أضواء البيان ” ( 4 / 120 ).

  1. أن المقصود بذلك الخطاب: ذرية آدم عليه السلام.

* قال البغوي – رحمه الله -: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ) أي: فإن يأتكم يا ذرية آدم ( مِنِّي هُدًى ) أي: رشد، وبيان شريعة، وقيل: كتاب ورسول. ” تفسير البغوي ” ( 1 / 86 ).

  1. أن المقصود بذلك الخطاب: ذرية آدم، وذرية إبليس، دونهما.

ولا شك أن من ذرية آدم من تنكب الطريق، وكفر بالله رب العالمين، ولا شك أن من ذرية إبليس من كان من الموحدين، كما في قوله تعالى – على لسان الجن -: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا. وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ) [ الجن / 14 – 15 ].

* قال ابن كثير – رحمه الله – في تفسير آية ” البقرة ” -: يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد: الذرية: أنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل؛ كما قال أبو العالية: الهُدَى: الأنبياء، والرسل، والبيان، وقال مقاتل بن حَيَّان: الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: الهدى: القرآن.  وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعَمّ.

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 240 ).

* وقال ابن كثير – رحمه الله – أيضًا – في تفسير آية ” طه ” -:

يقول تعالى لآدم، وحواء، وإبليس: ( اهبطوا منها جميعًا ) ، أي: من الجنَّة، كلكم. ( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته.

وقوله: ( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) قال أبو العالية: الأنبياء، والرسل، والبيان.

( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ) قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.” تفسير ابن كثير ” ( 5 / 322 ).

فالإهباط عند ابن كثير للجميع – خلافاً لما رجحه الشنقيطي -، والخطاب في قوله: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) لذرية آدم، وإبليس، كما فهمنا ذلك من كلامه – رحمه الله -، ولو لم يكن ما فهمناه عنه صحيحاً: فهو قول صحيح موافق لواقع الحال.

ويبقى الإشكال في القول بدخول ” إبليس ” في الآية، والجواب عنه يسير إن شاء الله، وهو: أن الله تعالى وإن كان علم من إبليس أنه لا يتوب من ذنبه: فإنه لا يمنع من ترغيبه بالتوبة، فتكون هذه الآية له ولآدم وحواء خاصة، ولغيرهم من الخلق عامَّة، وفي بيان أنه قد وقعت معصية من أطراف ثلاثة، فعوقبوا، ثم رُغبوا بالتوبة، فتاب طرفان، وتنكبها الثالث، وليس في ذلك ما يُشكل، وهو نظير كثير من الآيات التي يأمر الله تعالى فيها بالتوبة، والدخول في الإسلام، وفي هؤلاء طوائف علم الله تعالى أنهم لا يستجيبون، وأنهم يموتون على الكفر، وما قلناه في الآية في وجهها الرابع هو قول الإمام الطبري – رحمه الله -، حيث قال في تفسير آية البقرة: وقول أبي العالية في ذلك – وإن كان وجهًا من التأويل تحتمله الآية -: فأقرب إلى الصواب منه عندي، وأشبهُ بظاهر التلاوة: أن يكون تأويلها: فإما يأتينكم يا معشرَ من أُهبط إلى الأرض من سمائي، وهو آدمُ، وزوجته، وإبليس – كما قد ذكرنا قبلُ في تأويل الآية التي قبلها -: إما يأتينكم منّي بيانٌ من أمري وطاعتي، ورشاد إلى سبيلي وديني، فمن اتبعه منكم: فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، وإن كان قد سلف منهم قبل ذلك إليّ معصية، وخلافٌ لأمري وطاعتي، يعرّفهم بذلك جل ثناؤه أنه التائبُ على من تاب إليه من ذنوبه، والرحيمُ لمن أناب إليه، كما وصف نفسه بقوله: ( إنه هو التّواب الرحيم ).

وذلك أن ظاهر الخطاب بذلك إنما هو للذين قال لهم جل ثناؤه: ( اهبطوا منها جميعًا )، والذين خوطبوا به هم من سمّينا، في قول الحجة من الصحابة والتابعين الذين قد قدّمنا الرواية عنهم، وذلك وإن كان خطابًا من الله جل ذكره لمن أُهبط حينئذٍ من السماء إلى الأرض: فهو سنّة الله في جميع خلقه، وتعريفٌ منه بذلك الذين أخبر عنهم في أول هذه السورة بما أخبر عنهم في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ) [ البقرة / الآية 6 ]، وفي قوله: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) [ البقرة / الآية 8 ]، وأنّ حكمه فيهم – إن تابوا إليه، وأنابوا، واتبعوا ما أتاهم من البيان من عند الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم -: أنهم عنده في الآخرة ممن لا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون، وأنهم إن هلكوا على كُفرهم وضلالتهم قبل الإنابة والتوبة: كانوا من أهل النار، المخلَّدين فيها. ” تفسير الطبري ” ( 1 / 550 ، 551 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة