زوجها متدين ويسبل بنطاله ويصر على صواب فعله وهي تخالفه

السؤال

أولا: أود أن أسجل إعجابي بموقعكم الرائع المليء بالفوائد.

ثانيا: أتمنى أن تجيبوني عن سؤالي التالي بارك الله بكم: أنا امرأة تزوجت حديثا من رجل ملتزم ولله الحمد، ولكن دائما زوجي يأخذ بالحكم الأسهل في الدِّين، أو يأخذ بالأمر الذي عليه خلاف بين العلماء, وهو يتلقى دروسه على يد شيخ، فمثلًا عندما كنت أتحدث معه عن الإسبال في البنطال أنه حرام, فأجابني قائلا بأن الإسبال غير الجائز هو في ثلاثة: العمامة، والإزار، والقميص؛ لما روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” الإسبال في ثلاث في العمامة والإزار والقميص “، فحصر الرسول صلى الله عليه وسلم الإسبال بالألف واللام للثلاثة المذكورين فقط، ولم يذكر السروال، مع أن السروال كان معروفاً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى قالوا: إن اليهود يتسرولون ولا يأتزرون، فهل نأتزر ولا نتسرول, فقال: تسرولوا واتزروا وخالفوا اليهود، يقول جابر أيضا: ” كنا نعفو عن الإسبال في اللحية إلا في حج وعمرة ” لكن اللحية ليس من الإسبال المنهي عنه، أي: أن البنطال واللحية ليس من الإسبال المنهي عنه، ولذلك هو يسبل في البنطال، هذا من بعض الخلافات الفقهية بيننا.

ومن أقوال الشيخ الذي يتعلم عنده: أن كل عالم يأخذ بالأحكام التي تتناسب مع بلده، فمثلاً علماء السعودية يتخذون الأحكام الأصعب للتناسب مع طبيعة بلدهم، فيجعلون من الواجب غطاء المرأة وجهها، ويضعون من الأدلة ما يتماشى مع ذلك، وكذلك بلاد الشام يأخذون باستحباب تغطية المرأة وجهها وأنه ليس واجبا ليتماشى مع أهل بلدهم، وهكذا.

والسؤال عن الموضوع الأول هو هل الإسبال في البنطال جائز؟، وماذا يعني الإسناد الصحيح كما هو مذكور في الحديث؟، وهل أنا عليَّ أن أتكلم معه كثيرا، أم أسكت عن ذلك وعن غيره مما يوجد فيه خلاف فقهي؟، مع أن قلبي يتفطر عندما أراه مسبلاً في بنطاله، وهل قول الشيخ صحيح؟ أفيدونا، جزاكم الله خيرًا، واعتذر عن الإطالة في رسالتي.

الجواب

الحمد لله

أولا:

نسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الموقع، وأن يكتب الأجر لكل من قام على إنشائه، واستمراره.

ثانيا:

الواجب على المسلم تحري الحق والصواب في مسائل الشرع، ولا ينبغي لمسلم يتقي الله تعالى أن يكون شعاره في الالتزام بالأحكام الشرعية البحث عن الأسهل، فضلا عن تمييع دينه، واتباع الفتاوى ممن لا يثق بدينه وعلمه، ومن أراد التعبد فلا ينبغي له التعبد بغير ما شرعه الله، وما شرعه الله مما وقع فيه اختلاف ليس يعني أنه يختار من الأقوال ما يشاء، بل غاية المتعبد أن يكون مقلِّدا، أو عنده حظ من العلم والنظر، فإن كان مقلِّدا فيقلِّد في مسائل الشرع من يثق بدينه وعلمه، ولو أفتاه بما هو شاق عليه، وإن كان من أهل العلم والنظر: فيبحث في مسائل الشرع بتجرد، ويرجح من الأقوال ما تقويه الأدلة الشرعية، وتؤيده، ولو كان شاقًّا على النفس.

وليُعلم أن الله تعالى ما أراد لنا في تشريعاته العسر، بل أراد اليسر، فقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [ البقرة / من الآية 185 ]، ومن أجل ذلك كان تشريعاته كلها في مقدور النفس أن تأتي بها، وقد قال تعالى في ذلك: ( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة / من الآية 233 ]، وقال: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) [ البقرة / من الآية 286 ] ، وقال: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ) [ الطلاق / من الآية 7 ].

ثالثا:

وأما بخصوص الإسبال في البنطال: فليُعلم أولا أن البنطال في حد ذاته قد يكون لبسه غير شرعي، من جهة كونه ضيِّقا يفصِّل العورة، أو من جهة كونه مسبلا، وبما أن الكلام على الأمر الثاني: فنقول: إن الإسبال ليس في الإزار والقميص والعمامة، كما فهم بعضهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو عام في كل ما يُلبس من ثياب، ونحن نذكر الحديث، وكلام أهل العلم ليقف المسلم على الصواب في المسألة:

عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ” الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ “. رواه أبو داود ( 4094 ) والنسائي ( 5334 ) وابن ماجه ( 3576 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وهذا الحديث ليس فيه حصر هذه الأنواع من الملبوسات في الإسبال، فليس الأسلوب أسلوب حصر، ولا قصر، وقد جاءت نصوص عامَّة بلفظ ” الثوب “، وهو لفظ يشمل كل ما يلبسه المسلم على بدنه:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ “. رواه البخاري ( 3465 ) ومسلم ( 2085 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وقال الطبري: إنما ورد الخبر بلفظ ” الإزار “: لأن أكثر الناس في عهده كانوا يلبسون الإزار، والأردية، فلما لبِس الناس القميص، والدراريع: كان حكمها حكم الإزار في النهي.

قال ابن بطال: هذا قياس صحيح لو لم يأت النص بالثوب؛ فإنه يشمل جميع ذلك. ” فتح الباري ” ( 10 / 262 ).

– وقد جاء النص في الثوب، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين، السابق ذِكره.

قال بدر الدين العيني الحنفي – رحمه الله -:

قوله: ” من جر ثوبه ” يدخل فيه الإزار، والرداء، والقميص، والسراويل، والجبة، والقباء، وغير ذلك مما يسمى ثوباً، بل ورد في الحديث دخول العمامة في ذلك، كما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي قال: ” الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر منها شيئًا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة “. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 21 / 295 ).

وقال ولي الدين العراقي الشافعي – رحمه الله -:

يدخل في قوله: ” ثوبه “: الإزار، والرداء، والقميص، والسراويل، والجبة، والقباء، ونحو ذلك مما يسمَّى ثوبا، وفي صحيح البخاري عن شعبة قلت لمحارب: أذكرَ ” إزاره “؟ قال: ما خصَّ إزارا، ولا قميصا. ” طرح التثريب ” ( 9 / 29 ).

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

عن طول السراويل إذا تعدَّى عن الكعب، هل يجوز؟

فأجاب :

طول القميص، والسراويل، وسائر اللباس، إذا تعدى: ليس له أن يجعل ذلك أسفل من الكعبين، كما جاءت بذلك الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ” الإسبال في السراويل والإزار والقميص ” يعني: نهى عن الإسبال .

” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 144 ).

فهؤلاء أئمة الإسلام من جميع المذاهب يرون أن ما ورد في الحديث ليس للحصر، وأن لفظ ” الثوب ” الممنوع من إسباله يدخل فيه كل ما يُلبس، ومنه: السراويل، وهو البنطال بلغة عصرنا.

رابعا:

وأما الحديث الوارد في السؤال حول اليهود وتسرولهم: فليس كما جاء في السؤال، ونصه:

عن أبي أُمَامَةَ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَشْيَخَةٍ مِنْ الْأَنْصَارٍ بِيضٌ لِحَاهُمْ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ حَمِّرُوا وَصَفِّرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَخَفَّفُونَ وَلَا يَنْتَعِلُونَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” فَتَخَفَّفُوا وَانْتَعِلُوا وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ “، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:”  قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ “. رواه الإمام أحمد في مسنده ( 36 / 613 ) وصححه محققو المسند.

وقول جابر لم نعرفه، وقد أُمرنا بإعفاء اللحى، كما أُمرنا بتقصير الثياب، وليس لطول اللحية حدٌّ إلا إذا فحش طولها عن المعتاد، ولا يطلق على إطالتها ” إسبال “، و” السبال ” الوارد في الحديث هو ” الشارب “، و” العثانين ” هي اللحى.

خامسا:

ولا يجوز لزوجكِ، ولا لغيره أن يعتقد السوء بعلماء المسلمين، وأنهم تحكمهم أهواؤهم، أو بيئاتهم في الفتاوى الشرعية، بل على من قال هذا أن يتوب منه توبة صادقة؛ لأنه طعنٌ في دين أولئك الفقهاء الأخيار، وثمة جملة وردت في السؤال غاية في السوء، نرجو أن لا يكون قد قالها زوجك، وأنك نقلتيها بأسلوبك، وهي قوله عن مشايخ المملكة العربية السعودية: ” ويضعون من الأدلة ما يتماشى مع ذلك “! فهذا اتهام بالباطل، وقول عظيم، وقد جعلهم بذلك من الكذابين على شرع الله تعالى!.

والذي نعتقده هو أن مشايخ الشام، ومشايخ الجزيرة العربية عموما، ومشايخ الهند، وأفريقيا، من أهل السنة والجماعة: أنهم كلهم ينشدون الحق، وأنهم يبلغون عن الله تعالى ما يعلمون أنه الصواب، والراجح من الأدلة، وفقهها، وأنه لا دخل لبيئاتهم في ترجيحاتهم، فالواجب تحري العدل في الأحكام، والصدق في الأخبار، من زوجك، وغيره من المسلمين.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة