نبذة عن ابن رشد الحفيد، وبيان شيء من سوء اعتقاده
السؤال
نسمع كثيرا عن ” ابن رشد ” الذي عاش في الأندلس، هناك من الناس من يثني عليه، وهناك من يحذر منه، وهناك من يكفره!، حتى إن السينما المصرية أصدرت فلما عن حياته!! أفيدونا نفع الله بكم؟.
الجواب
الحمد لله
- ” ابن رشد ” ليس شخصا واحدا بل هما اثنان! وقد اشتركا في الاسم، واسم الأب، والكنية، والمنصب، والبلدة! ويفرَّق بينهما بأن أُطلق على واحد منهما ” ابن رشد الحفيد “، والآخر ” ابن رشد الجد “.
وابن رشد الحفيد هو: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، فقد طابق اسمه اسم جده، واسم أبي جده اسم أبيه، وكلٌّ منهما قاضٍ، وكل منهما قرطبي، وكلٌّ منهما يقال له: ابن رشد.
ومن العلماء من يطلق على ابن رشد الحفيد ألقاب تعريفية للتميز كـ: ” الأصغر ” و” الفيلسوف “، ومنهم من يطلق عليه: ” الأول “، ويطلقون على جده – ولد عام ( 450 هـ )، وتوفي عام 520 هـ -: ” الأكبر ” و” الفقيه “، و” الثاني “، وإليه الإشارة في قول ابن القيم – رحمه الله – في ” النونية “:
وأبو الوليد المالكي أيضا حكى *** إجماعهم أعني ابن رشد الثاني
وابن رشد الجد هو المشهور عند المالكية، وهو صاحب ” مقدمات ابن رشد “، وأما الحفيد فهو فيلسوف، وقد انتقد في اعتقده، واتهم بالزندقة.
- ولد ابن رشد الحفيد في قرطبة، عام ( 520 هـ )، نشأ في بيت علم، وفضل، فطلب العلم، ونبغ فيه، وبرع في الطب، حتى صار طبيباً خاصًّا لبعض أمراء الأندلس، ثم ولي لقضاء في ” إشبيلية “، ثم ” قرطبة “، ثم صار ” قاضي القضاة “.
قال الإمام الذهبي – رحمه الله -:
مولده قبل موت جده بشهر سنة عشرين وخمس مئة، عرض ” الموطأ ” على أبيه، وأخذ عن أبي مروان بن مسرة، وجماعة، وبرع في الفقه، وأخذ الطب عن أبي مروان بن حزبول، ثم أقبل على علوم الأوائل، وبلاياهم، حتى صار يضرب به المثل في ذلك.
قال الأبَّار: لم ينشأ بالأندلس مثله كمالا، وعلما، وفضلا، وكان متواضعا، منخفض الجناح، يقال عنه: إنه ما ترك الاشتغال مذ عقِل سوى ليلتين: ليلة موت أبيه، وليلة عرسه، وإنه سوَّد في ما ألَّف وقيَّد نحواً من عشرة آلاف ورقة، ومال إلى علوم الحكماء، فكانت له فيها الإمامة.
وكان يُفزع إلى فتياه في الطب كما يفزع إلى فتياه في الفقه، مع وفور العربية، وقيل: كان يحفظ ديوان أبي تمام، والمتنبي.
ولي قضاء قرطبة، فحُمدت سيرته.
قال ابن أبي أصيبعة في ” تاريخ الحكماء “: كان أوحد في الفقه والخلاف، وبرع في الطب، وكان بينه وبين أبي مروان بن زهر مودة، وقيل: كان رث البزة، قوي النفس، لازم في الطب أبا جعفر بن هارون مدة، ولمَّا كان المنصور صاحب المغرب بقرطبة: استدعى ابن رشد، واحترمه كثيرا، ثم نقم عليه بعد، – يعني: لأجل الفلسفة -.
قال شيخ الشيوخ ابن حمويه: لمَّا دخلتُ البلاد: سألتُ عن ابن رشد، فقيل: إنه مهجور في بيته من جهة الخليفة ” يعقوب “، لا يدخل إليه أحد؛ لأنَّه رفعت عنه أقوال رديَّة، ونسبت إليه العلوم المهجورة.
– ولا ينبغي أن يُروى عنه.
” سير أعلام النبلاء ” ( 21 / 307 – 309 ) مختصرا.
- كان لابن رشد كلمات في إثبات صفات الله تعالى موافقة لمذهب السلف، ليس بسبب تعظيمه للكتاب والسنَّة، بل لاعتقاده أن الشريعة لا تخالف الفلسفة، والتي يسميها ” الحكمة “، وقد ألَّف في ذلك رسالة خاصة، ولذلك فقد نقد مذهب الأشاعرة في تحريفهم الصفات – الذي يسمونه تأويلاً – نقداً شديداً، وهو ما جعل بعض متعصبة الأشاعرة يطعنون به، ويذمونه، وبخاصة في إثبات صفة العلو، حيث قال في كتابه ” مناهج الأدلة “:
وأما هذه الصفة: فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي، ومن اقتدى بقوله، فظواهر الشرع كلها تقتضي إثباتها لله تعالى مثل قوله سبحانه: ( الرحمن على العرش استوى ) وقوله تعالى: ( وسع كرسيه السموات والأرض ) وقوله تعالى: ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) ، وقوله تعالى: ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ) ، وقوله تعالى: ( تعرج الملائكة والروح إليه ) ، وقوله تعالى: ( أأمنتم من في السماء ) ، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلِّط التأويل عليها: عاد الشرع كلُّه مؤوَّلاً، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات: عاد الشرع كله متشابهاً؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن مِن السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى.
وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله، والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع في ذلك. انظر ” اجتماع الجيوش الإسلامية ” ( ص 207 ، 208 ).
- ومما أُخذ على ابن رشد الحفيد: تعظيمه لفلاسفة اليونان، وتقديم أقوالهم على نصوص الوحي ، وقد فيه الغربيون حتى أطلقوا عليه لقب ” المعلِّم الثاني “! والأول عندهم هو ” أرسطو “، ولذا فقد حوكم، وضرب، وأهين، بسبب تلك الفلسفة، وكلمات الزندقة.
أ. قال أبو حيان الأندلسي – رحمه الله -:
وكثيرا ما ينقل هذا الرجل – أي: أبو عبد الله الرازي – عن حكماء الإسلام في التفسير، وينقل كلامهم تارة منسوبا إليهم، وتارة مستنداً به ويعني: بحكماء الفلاسفة الذين خلقوا في مدة الملة الإسلامية، وهم أحق بأنْ يسمّوا سفهاء جهلاء من أن يسموا حكماء، إذ هم أعداء الأنبياء والمحرفون للشريعة الإسلامية، وهم أضر على المسلمين من اليهود والنصارى. وإذا كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – نهى عن قراءة التوراة مع كونها كتابا إلهيًّا، فلأنْ ينهى عن قراءة كلام الفلاسفة أحق.
وقد غلب في هذا الزمان وقبله بقليل الاشتغال بجهالات الفلاسفة على أكثر الناس، ويسمونها الحكمة، ويستجهلون من عرى عنها، ويعتقدون أنهم الكملة من الناس، ويعكفون على دراستها، ولا تكاد تلقى أحداً منهم يحفظ قرآنا، ولا حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولقد غضضت مرة من ” ابن سينا “، ونسبته للجهل، فقال لي بعضهم – وأظهر التعجب من كون أحد يغض من ” ابن سينا ” -: كيف يكون أعلم الناس بالله ينسب للجهل؟!.
ولما ظهر من قاضي الجماعة أبي الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن أبي الوليد بن رشد الاعتناء بمقالات الفلاسفة والتعظيم لهم: أغرى به علماء الإسلام بالأندلس: المنصور منصور الموحدين يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي ملك المغرب والأندلس حتى أوقع به ما هو مشهور، من ضربه، ولعنه، وإهانته، وإهانة جماعة منهم على رؤوس الإشهاد، وكان مما خوطب به المنصور في حقهم قول بعض العلماء الشعراء:
خليفتنا جزاك الله خيرا *** عن الإسلام والسعي الكريم
فحق جهاده جاهدت فيه *** إلى أن فزت بالفتح العظيم
وصيرت الأنام بحسن هدى *** على نهج الصراط المستقيم
فجاهد في أناس قد أضلوا *** طريق الشرع بالعلم القديم
وحرق كتبهم شرقا وغربًا *** ففيها كامنا شر العلوم
يدب إلى العقائد من أذاها *** سموم والعقائد كالجسوم
وفي أمثالها إذ لا دواء *** يكون السيف ترياق السموم
وقال:
يا وحشة الإسلام من فرقة *** شاغلة أنفسها بالسفه
قد نبذت دين الهدى خلفها *** وادعت الحكمة والفلسفه
وقال:
قد ظهرت في عصرنا فرقة *** ظهورها شؤم على العصر
لا تقتدي في الدين إلا بما *** سن ابن سينا أو أبو نصر
” تفسير البحر المحيط ” ( 5 / 151 ).
ب. وقد ردَّ عليه الشاطبي – رحمه الله – في زعمه الحاجة لعلوم الفلسلفة لفهم الشريعة فقال:
وزعم ” ابن رشد ” الحكيم في كتابه الذي سمَّاه بـ ” فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ” أن علوم الفلسفة مطلوبة؛ إذ لا يفهم المقصود من الشريعة على الحقيقة إلا بها، ولو قال قائل: إن الأمر بالضد مما قال: لما بعُد في المعارضة.
وشاهِد ما بين الخصمين شأن السلف الصالح في تلك العلوم، هل كانوا آخذين فيها، أم كانوا تاركين لها، أو غافلين عنها؟ مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، يشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم والجم الغفير، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه.
” الموافقات ” ( 4 / 198 ).
ج. وقد وصفه شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – بالباطني في مواضع عدة من كتبه، ونقل عنه أقوالا شنيعة، وزندقة ظاهرة، ومن ذلك قوله: إن الرسل يكذبون للمصلحة!:
قال – رحمه الله -:
وابن سينا وأمثاله لمَّا عرفوا أن كلام الرسول لا يحتمل هذه التأويلات الفلسفية؛ بل قد عرفوا أنه أراد مفهوم الخطاب: سلك مسلك التخييل، وقال: إنه خاطب الجمهور بما يُخيَّل إليهم؛ مع علمه أن الحق في نفس الأمر ليس كذلك.
فهؤلاء يقولون: إن الرسل كذبوا للمصلحة، وهذا طريق ابن رشد الحفيد، وأمثاله من الباطنية، فالذين عظَّموا الرسل من هؤلاء عن الكذب: نسبوهم إلى التلبيس، والإضلال، والذين أقروا بأنهم بيَّنوا الحق قالوا: إنهم كذبوا للمصلحة.
وأما أهل العلم والإيمان فمتفقون على أن الرسل لم يقولوا إلا الحق وأنهم بيَّنوه مع علمهم بأنهم أعلم الخلق بالحق، فهم الصادقون المصدوقون، علموا الحق وبينوه، فمن قال: إنهم كذبوا للمصلحة: فهو من إخوان المكذبين للرسل، لكن هذا لما رأى ما عملوا من الخير، والعدل في العالم: لم يمكنه أن يقول: كذبوا لطلب العلو والفساد، بل قال: كذبوا لمصلحة الخلق. كما يحكى عن ” ابن التومرت ” وأمثاله، ولهذا كان هؤلاء لا يفرقون بين النبي والساحر إلا من جهة حسن القصد؛ فإن النبي يقصد الخير، والساحر يقصد الشر، وإلا فلكل منهما خوارق هي عندهم قوى نفسانية، وكلاهما عندهم يكذب! لكن الساحر يكذب للعلو والفساد، والنبي عندهم يكذب للمصلحة؛ إذ لم يمكنه إقامة العدل فيهم إلا بنوع من الكذب.
” مجموع الفتاوى ” ( 19 / 157 ، 158 ).
- ومن مؤلفات ابن رشد الحفيد: ” بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ” الكليات في الطب “، ” مختصر المستصفى في الأصول “، ” تهافت التهافت “، وهو رد على كتاب ” تهافت الفلاسفة ” للغزالي، ” فصل المقال وتقرير ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال “، ” الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة “، ” شرح كتاب البرهان لأرسطو “، ” شرح كتاب النفس لأرسطو “، وغيرها كثير.
- توفي ابن رشد الحفيد في صفر سنة ( 595 هـ ) ، ودفن بمراكش، ثم حمل رفاته بعد إلى مسقطه رأسه بالأندلس.
والله الموفق.


