القهوة والشاي والسكَّر فيها ضرر أحيانا، فهل تحرم كالدخان؟!

السؤال

اختلفت أنا وبعض أصدقائي في نقاش دار بيننا حول تحريم ما يضر، وكان الدخان هو موضوع النقاش، واستدللت بالآية الكريمة: ( ويحرم عليهم الخبائث )، وقلت: كل ما يضر محرم، فقالوا: إذاً الشاي والقهوة والكولا والسكر والماء كلها محرمة!!؛ لأن كثرة شرب الماء قد تسبب الموت خنقا، وتناول السكَّر في الشاي بكميات كبيرة جدًّا قد يرفع سكر الدم مسببا صدمة قد تسبب الوفاة، وكل شيء قد يتناول بكثرة وهو حلال حتما سيسبب الضرر، فما هو الحد في تحريم تناول مسببات الضرر؟

الجواب

الحمد لله

التدخين محرّم، ولا ينبغي لأحدٍ أن يجادل في كون الدخان من الخبائث، فهو خبيث الرائحة، وخبيث الأثر على صاحبه وعلى من جاوره، ولا يَختلف الأطباء في أن الدخان ضارٌّ بالبدن، وأنه ليس فيه منفعة واحدة، وما كان كذلك: فهو من الخبائث، ومن صفات النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة أنه جاء ليحل الطيبات، ويحرِّم الخبائث.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقال بعض العلماء: كل ما أحل الله تعالى: فهو طيِّبٌ، نافعٌ، في البدن، والدِّين، وكلُّ ما حرمه: فهو خبيث، ضارٌّ، في البدن، والدِّين.

” تفسير ابن كثير ” ( 3 / 488 ).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ) من الأطعمة؟. ( قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) وهي كل ما فيه نفع، أو لذة، من غير ضرر بالبدن، ولا بالعقل، فدخل في ذلك جميع الحبوب، والثمار، التي في القرى، والبراري، ودخل في ذلك جميع حيوانات البحر، وجميع حيوانات البر، إلا ما استثناه الشارع، كالسباع، والخبائث منها.

ولهذا دلت الآية بمفهومها على تحريم الخبائث، كما صرح به في قوله تعالى: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ). ” تفسير السعدي ” ( ص 221 ).

وقد صدرت الفتاوى المتعددة من أئمة الإسلام وعلمائه بحرمة الدخان؛ لأنه من الخبائث، بالإضافة إلى أسباب أخرى في التحريم، كالضرر، والتبذير.

قال علماء اللجنة الدائمة:

شرب الدخان حرام؛ لأنه ثبت أنه يضر بالصحة؛ ولأنه من الخبائث؛ ولأنه إسراف، وقد قال تعالى: ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ).

الشيخ إبراهيم بن محمد آل الشيخ، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.  ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 178 ، 179 ).

وقالوا – أيضا -:

شرب الدخان حرام؛ لأنه من الخبائث، وقد حرم الله ورسوله الخبائث، وقال تعالى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) ….

الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن منيع.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 179 ، 180 ).

وبه يتبين أن ما استدللتَ به من قوله تعالى: ( وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) فهو في مكانه، وقد سبق من كلام أهل العلم ما يؤيد ذلك.

ثالثا:

ولا يُختلف في كون الدخان مما يسبب الضرر لشاربه، بل لمن كان بجانبه ممن يستنشق ذلك الدخان المتصاعد من ” السيجارة “، والقاعدة الشرعية هي أن كل ما ثبت ضرره بالقطع أو غلبة الظن فإنه يكون حراما.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الدليل على تحريم ما فيه مضرة: من القرآن، والسنَّة:

فمن القرآن: قال الله تعالى: ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) [ البقرة / من الآية 195 ] ، وقال عزّ وجل: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) [ النساء / من الآية 29 ]، والنهي عن قتل النفس نهيٌ عن أسبابه أيضاً، فكل ما يؤدي إلى الضرر: فهو حرام.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ” لا ضرر ولا ضرار “، وربما يستدل له أيضا بقوله تعالى: ( وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ) [ المائدة / الآية 6 ]، ووجه ذلك: أن الله تعالى أوجب التيمم على المريض حمايةً له عن الضرر، فعدل به عن الماء الذي قد يتضرر باستعماله في البرد والمرض ونحوهما إلى التيمم.

” الشرح الممتع ” ( 15 / 12 ، 13 ).

والدخان لا يُختلف اليوم في أنه ضار، فهو محرَّم؛ وهذا من أسباب تحريمه.

قال الشيخ العثيمين – رحمه الله -:

وكذلك الدخان، فإنه ضارٌّ في عينه، وضرره مُجمعٌ عليه بين الأطباء اليوم، لا يَختلف في ذلك اثنان منهم؛ لما يشتمل عليه من المواد السامة، المفسدة للدم.

” الشرح الممتع ” ( 15 / 10 ).

قال الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله -:

وقد أثبت الأطباء له مضارًّا عظيمة، وقالوا: إنها تكمن في الجسم أولا، ثم تظهر فيه تدريجيًّا، وذكروا أن الدخان الذي يتصاعد عن أوراق التبغ المحترقة: يحتوي على كمية وافرة من المادة السامة هي النيكوتين، فإذا دخل الفم والرئتين: أثَّر فيهما تأثيرا موضعيًّا وعموميًّا؛ لأنه عند دخوله الفم: تؤثر المادة الحريقة السامة التي فيه في الغشاء المخاطي فتهيجه تهيجاً قويًّا، وتسيل منه كمية زائدة من اللعاب، وتغير تركيبه الكيماوي بعض التغيير بحيث تقلل فعله في هضم الطعام، وكذلك تفعل في مفرز المعدة كما فعلت في مفرز الفم، فيحصل حينئذ عسر الهضم، وعند وصول الدخان إلى الرئتين على طريق الحنجرة: تؤثر فيهما المادة الحريقة، فتزيد مفرزهما، وتُحدث فيهما التهابا قويًّا مزمنا، فيتهيج السعال حينئذ لإخراج ذلك المفرز الغزير الذي هو ” البلغم “، ويتسبب عن ذلك تعطيل الشرايين الصدرية، وعروض أمراض صدرية يتعذر البرء منها، وما يجتمع على باطن القصبة من آثار التدخين الكريهة الرائحة: يجتمع مثله على القلب، فيضغط على فتحاته، ويصد عنه الهوى، فيحصل حينئذ عسر التنفس، وتَضعف المعدة، ويقل هضم الطعام.

ويحصل عند المباشر له الذي لم يعتده دوار، وغثيان، وقيء، وصداع، وارتخاء للعضلات، وهي الأعصاب، ثم سبات، وهي كناية عن حالة التخدير الذي هو من لوازم التبغ المتفق عليه، وذلك لما يحويه من المادة السامة، ومَن اعتاده: حصل عنده من فساد الذوق، وعسر الهضم، وقلة القابلية للطعام ما لا يخفى.

والإكثار منه يفضي إلى الهلاك إما تدريجيًّا، وإلا في الحال، كما وقع لأخوين تراهنا على أيهما أكثر من الآخر، فمات أحدهما قبل السيجارة السابعة عشرة! ومات الآخر قبل أن يتم الثامنة عشرة!.

ومِن مضارِّه: تخريب كريات الدم، وتأثيره على القلب بتشويش انتظام ضرباته، ومعارضته القوية لشهية الطعام، وانحطاط القوة العصبية عامَّة، ويظهر هذا بالخدور، والدوار، الذي يحدث عقب استعماله لمن لم يألفه.

” فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ” ( 12 / 84 ).

وبه يتبين أن ما ذكرتَه من كون الضرر في الدخان من أسباب تحريمه: صحيح، ومن خالف في ذلك فهو جاهل، أو معاند، وما ذكره الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – إنما هو تلخيص لكلام الأطباء أصحاب الخبرة بطب البدن.

رابعا:

وأما تمثيل المناقش لك الدخان بأطعمة وأشربة مباحة قد يتضرر الإنسان إذا أكثر منها: فهي حجة ساقطة، وفي كلامه رد عليه؛ حيث اعترف أنها بذاتها ليست مضرة، ولا مهلكة، وإنما تكون كذلك في أحوال معينة، أو بكميات معينة، أو لأشخاص دون أشخاص، وهذا لا نختلف معه به! والفرق بين ” القهوة ” و ” الشاي ” و ” الماء ” وبين ” الدخان ” فرق عظيم، ومن السذاجة أن يُقارن بينها، فإن تلك الأشربة مباحة في ذاتها، وهي نافعة للبدن، ليست مضرة، ولا ننفي أن تكون كذلك في أحوال معينة، أو لأشخاص معينين، فقد يساء استعمال تلك المواد طبخا، وإعدادا، فيكون في تناولها ضرر، وقد يتناول الإنسان كمية كبيرة منها يُعلم أنها تضره، فتكون حراما، والماء الذي هو عصب الحياة وروحها، وجعل الله منه كل شيء حيًّا قد يسبب الموت أو الضرر للشجر، والحيوان، والإنسان، إذا زادت جرعات الماء عن حد الاعتدال، فهل ثمة عاقل يقول: إن الماء يَحرم بسبب ذلك؟!.

وإذا ثبت ضرر مادة صناعية معينة، كالسكر، والكولا: فيجري فيها ما يجري في الدخان، وإن لم يثبت: فتلحق بالشاي والقهوة والماء، ولسنا نخص الدخان بعينه فنحرمه لضرره، بل هي قاعدة عامة، كما سبق في كلام العلماء.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم شرب: الدخان، الشاي، القهوة، وتعاطي الحبوب المنبهة أو المنومة؟.

فأجابوا:

أولا: يحرم شرب الدخان؛ لما فيه من المفاسد.

ثانيا: شرب الشاي والقهوة: لا بأس به؛ لأنهما من الأشربة المباحة.

ثالثا: لا يجوز تعاطي الحبوب المنبهة والمنومة؛ لما فيها من المضار على متعاطيها؛ ولما ينتج عنها من الأخطار على غيره من المجتمع.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 22 / 120 ، 121 ).

وقد يصاب المسلم بمرض لا يستطيع معه تناول طعام معيَّن إلا ويصيبه ضرر، فحينئذٍ يحرم عليه تناول ذلك الطعام، مع أنه في أصله من المباحات، ولم يحرم ذلك الطعام على المسلمين جميعا، بل حرُم على ذلك الشخص – ومن هو في حكمه – دون غيره من الناس.

وقد يتناول المسلم طعاما مباحا زائدا عن حدِّه فيتضرر به، فيكون فعله ذلك حراما عليه، وشتان بين تحريم عين الطعام والشراب – كالسم والدخان والمخدرات – وبين تحريم فعل المكلَّف بزيادة جرعة أو قدر من طعام أو شراب، أو بسبب سوء إعداد لهما.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والضارُّ في غيره: مثل أن يكون هذا الطعام لا يلتئم مع هذا الطعام، بمعنى أنك إذا جمعتَ بين الطعامين: حصل الضرر، وإذا أكلتهما على انفرادٍ لم يحصل الضرر، ومن ذلك الحُمْية للمرضى، فإن المريض إذا حُمي عن نوع معينٍ من الطعام، وقيل له: إن تناوله يضرك:  صار عليه حراما … .

قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

” وإذا خاف الإنسان من الأكل أذًى أو تخمة: حَرُمَ عليه “.

فإذا قال الإنسان: أنا إذا ملأتُ بطني من هذا الطعام: فإنه سيحتاج إلى ماء، فإذا أضفتُ إليه الماء: فلا أكاد أمشي، وأتأذى، فإن جلست: تأذيت، وإن ركعتُ: تأذيت، وإن استلقيت على ظهري: تأذيت، وإن انبطحت على بطني: تأذيت، وفي هذا يقول شيخ الإسلام: ” إذا خاف الأذية: فإنه يحرم عليه الأكل “، وما قاله – رحمه الله -: صحيح؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأكل ما يؤذيه، أو يلبس ما يؤذيه، أو يجلس على ما يؤذيه، حتى الصحابة رضي الله عنهم في السجود، كانوا إذا أذاهم الحر يبسطون ثيابهم، ويسجدون عليها؛ لئلا يتأذوا؛ ولأجل أن يطمئنوا في صلاتهم.

وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام خوف الأذية والتُّخمة ممَّا ضرره في غيره، وهو الإكثار، يعني هو بنفسه ليس بضار، لكن الإكثار منه يكون ضارا مؤذيا، حتى وإن لم يتضرر، لكن الظاهر لي من الناحية الطبية أنه يتضرر؛ لأن المعدة إذا ملأتها سوف تتأذى وتتعب … .

وقد قيل: إن من الأمور المهلكة: إدخال الطعام على الطعام، فإذا صح ذلك كان – أيضاً – حراماً؛ لأن الله يقول: ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) [النساء / الآية 29 ].

ولا يبعد أن يكون هذا صحيحا، وهو أمر مجرَّب … .

” الشرح الممتع ” ( 15 / 9 – 11 ).

وقال – رحمه الله -:

لو قيل لرجل مصاب بالداء السكري: لا تأكل التمر، ولا الحلوى: صار التمر، والحلوى حراماً عليه؛ لأنها تضره، ووجب عليه اجتنابها، وهي حلال للآخرين.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 229 / السؤال رقم: 2 ).

وبه يتبين خطأ قياس صاحبك المباح من الطعام والشراب على الدخان المحرَّم، وتبين أن ما جاءت به الشريعة هو الذي يشتمل على المصلحة للبشر، وقد أحكم الله تعالى شرعه، ومن خالف كل ما قلناه فإنما هو مجادل بالباطل، وعسى الله أن ينتفع حريص على تحري الحق، وأن ينفع به غيره.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة