كيفية التعرف على طباع الخاطب
السؤال
تقدم شخص لخطبتي مؤخرا، ونظرا لأن معظم الخاطبين يكونون على حذر بعض الشيء خلال الرؤية الشرعية، وخلال فترة الخطبة بشكل عام: فقد حاولت أن أجد من خلال ” النت ” جواباً على سؤال واحد، وهو كيف أعرف طباع الخاطب؟ نظرا لأن أكثر شيء أخشاه هو أن يكون زوجي له طباع لا تساعدني على طاعته كما أمر الله سبحانه وتعالى، وقد عثرت أثناء بحثي على إعلان عن محاضرة لدكتورة متخصصة في شئون الأسرة، فحضرتها، ولكن لاحظتُ أنها تستخدم ما يسمَّى بعلم ” البرمجة العصبية “، فهل يجوز لي أن أستخدم هذا العلم في معرفة طباع الخاطب؟ وإن كان لا: فكيف أعرف طباعه بطريقة يرضاها الله سبحانه وتعالى؟.
أرجو أن تتكرموا بإجابتي على هذا السؤال، كما أرجو أن تدلوني على كتب تتحدث عن مثل تلك الأمور، وجزاكم الله خيرا.
الجواب
الحمد لله
أولا:
ليست طباع الخاطب فقط هي التي يوقف عندها، بل كذلك طباع المخطوبة! وطباع الطرفين لا يمكن اكتشافها ومعرفتها من خلال الرؤية الشرعية؛ لأنها جُعلت من أجل النظر إلى صورة كل واحد من الطرفين، وإلى شكله الظاهري، كما لا يمكن معرفة الطباع من خلال ما يفعله بعض العاصين من الخروج مع المخطوبة، والخلوة بها، متعللين بأن ذلك من أجل اكتشاف طباع كل واحد للطرف الآخر، من أجل الوقوف على إمكانية حصول الزواج بينهما؛ لأنه في هذه الفترة يتم كتمان الطباع الحقيقية، وإظهار الكمال في التصرفات، والجمال في الأفعال، وذلك من كلا الطرفين، حتى إذا حصل الزواج: أظهر كل واحد منهما طباعه، فلم يستفيدوا شيئا من علاقتهم تلك، غير الآثام، والسيئات.
ثانيا:
فالذي ينبغي أن يُعرف أن الخطبة هي الرؤية، رؤية كل طرفٍ للآخر، وأما ما تسأل عنه الأخت السائلة من إمكانية معرفة المخطوبة لطباع خطيبها: فإنه يمكنها ذلك عن طريق أمور متعددة، منها:
- السؤال والاستفسار عن الخاطب من أهله، وجيرانه، وأقربائه، وزملائه في العمل، فإن مجموع هذا يتم به معرفة طباع الخاطب، وما قد يُخفيه عن زملائه في العمل فإنه لا يستطيع فعل ذلك مع أهله، وما قد يخفى على الجيران لا يخفى على الأقرباء، وهكذا فإن سؤال مجموع هؤلاء يمكن التوصل به إلى صورة حقيقية لذلك المتقدم للخطبة، وهذا من أحد الحكَم الجليلة في وجود وليٍّ للمرأة يقوم على تزويجها.
ومما يدلل على هذا ويؤكده: حديث صحيح في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن طباع بعض الخاطبين للمخطوبة، وهو ما جعلها تصرف النظر عن التزوج بهم، ومثل تلك الطباع لا يعرفها إلا المقربون من ذلك الخاطب.
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتْهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ: ” لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ ” فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: ” تِلْكِ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي ” قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَمَّا أَبُو جَهْمٍ: فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ: فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ” فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ: ” انْكِحِي أُسَامَةَ ” فَنَكَحْتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطْتُ
رواه مسلم ( 1480 ).
قال النووي – رحمه الله –:
قوله صلى الله عليه وسلم: ” أما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه ” فيه تأويلان مشهوران، أحدهما: أنه كثير الأسفار، والثاني: أنه كثير الضرب للنساء، وهذا أصح، بدليل الرواية التي ذكرها ” مسلم ” بعد هذه أنه ” ضرَّاب للنساء “.
” شرح مسلم ” ( 10 / 97 ).
- تكرار الجلوس مع الخاطب، وسؤاله مباشرة عن أشياء تكشف عن طباعه، وهذا لا يكون إلا مع أهل الدين، ممن يصدقون في إجابة المسائل.
- تأخير الدخول، وهو أمر تم بسببه اكتشاف كثيرين – وكثيرات – ممن زعموا أخلاقاً كذَّبها واقعُهم، وأظهروا صفاتٍ أبان زيفَها حقيقةُ حالهم.
- صلاة الاستخارة، وتجدين صفة صلاتها في جواب السؤال رقم: ( 2217 ).
ويبقى أمر السؤال والاستفصال هو الأمر الأساس في هذا الباب، وينبغي هنا أن ننبه إلى أمرٍ غاية في الأهمية، وهو اختلاف معايير الناس في الحكم على الأشخاص، وينبغي أخذ ذلك في الاعتبار، حتى لا يغتر ولي المرأة بالثناء العام على الخاطب، أو بالمدح المجمل له، وعليه أن ينتبه لكون معيار هذا المادح والمُثني معياراً دنيويًّاً بحتاً، أو هو مدحُ وثناءُ مَن لا يعرف حقيقة حال ذلك المتقدم للخطبة.
عَنْ سَهْل بنِ سَعْدٍ السَّاعِدِي قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ” مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ “، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ، قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: ” مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ “، قَالُوا: حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا “. رواه البخاري ( 4803 ).
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
الرجل قد يكون ذا منزلة عالية في الدنيا, ولكنه ليس له قدر عند الله, وقد يكون في الدنيا ذا مرتبة منحطة وليس له قيمة عند الناس, وهو عند الله خير من كثير ممن سواه. ” شرح رياض الصالحين ” ( 3 / 53 ) .
والله أعلم.


