هل يجوز للزوجين ادعاء وقوع الطلاق على الورق من أجل الإقامة في بلاد غير مسلمة؟.
السؤال
تعيش صديقتي وزوجها ببلد غير مسلم، وهي تريد أن تحذف اسم زوجها من جواز السفر الباكستاني، وتستبدله باسم والدها؛ لأغراض توثيقية رسمية بهذا البلد غير الإسلامي، وكلٌّ من صديقتي وزوجها هما مواطنان باكستانيان، لكن ليتم حذف اسم الزوج من جواز سفر باكستاني توجب الحكومة الباكستانية أن يتقيد ذلك بكون المرأة مطلقة، أو أرملة فقط، وباكستان دولة إسلامية لكنها لا تتبع الشريعة الإسلامية ( 100 % )، وينص القانون الباكستاني لكي يتم وقوع الطلاق أن يتم تقديم طلب كتابي بذلك، ويتم تأكيد الطلاق قانونيًّا بعد انقضاء أشهر العدة الثلاث، بعدها يصبح من الممكن حذف اسم الزوج من جواز السفر، والآن فإن سؤالي هو: إذا قمت بتقديم طلب كتابي للطلاق بباكستان ( وأنا أعيش بباكستان ) نيابة عن صديقتي ( التي لا تعيش بباكستان ) بناء على طلبها، فهل سيقع طلاق صديقتي في الشريعة الإسلامية؟ برجاء الأخذ في الاعتبار أنه ليست هناك نية من الزوج، أو الزوجة للطلاق، لكن هناك وثائق رسمية تتطلب من صديقتي حذف اسم زوجها من جواز السفر؛ لأغراض توثيقية رسمية.
الجواب
الحمد لله
أولا:
الذي يظهر لنا أن تلك الأسرة تريد ” تزوير ” وثائقها الرسمية من أجل الإقامة في ذلك البلد غير المسلم، وهم بذلك يريد التوصل إلى أمرٍ لا يجوز لهم شرعا بطريق أيضا لا يجوز.
وعليه: فالسبب الذي من أجله يريدون تزوير الوثائق الرسمية لا يحل لهم ذلك العبث بالأوراق الرسمية هو أصلاً محرَّم عليهم، وإنما يجوز ذلك لو أنه لا يوجد أمامهم بلد مسلم يستطيعون المكث فيه، ولا يوجد طريقة للإقامة إلا بذلك التزوير، وهذا في الغالب بعيد، ولا يوجد مثله إلا في صور نادرة جدًّا، وغالب من يرغب بالإقامة في تلك البلاد الكافرة إنما يريد ذلك من أجل العمل، والدنيا، وسرعان ما يحمل جنسيتهم! ويذوب في مجتمعاتهم، إلا من رحم الله.
ثانيا:
ونأسف أنه يوجد كثير من المسلمين يتخذون الهزء بالأحكام الشرعية سلَّما للوصول إلى الإقامة المحرَّمة في مثل تلك الديار، فبعضهم يطلِّق زوجته؛ ليحصل على ” شهادة عزوبية ” تمكنه من الإقامة في تلك البلاد، وبعضهم يتزوج – كذبا لا حقيقة – من امرأة تنتسب لتلك البلاد ليثبِّت بها نفسه، وبعضهم يزوِّر ديانته! حتى تمشي أموره في تلك البلاد، فانظر كيف توصل هؤلاء إلى الإقامة المحرمة في بلاد الكفر عن طريق العبث بالأحكام الشرعية، كالزواج، والطلاق، وتغيير الديانة، وهو أشد الأمور إثما وجرما.
وما تسأل عنه الأخت هنا: هو من الأفعال المحرَّمة التي لا يجوز لها فعلها، وذلك لعدة أسباب، منها:
- أنه سيتوصل بهذا الفعل إلى إقامة محرَّمة في بلاد غير مسلمة.
- أنها شهادة زور، وإخبار بخلاف الحقيقة، وهذا باعتبار الشهادة على الأمر قبل توقيع الأوراق.
قال تعالى: ( فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) [ الحج / من الآية 30 ].
عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ “. رواه البخاري (5631) ومسلم (87).
- أن الطلاق سيقع بتلك الفعلة وذلك التقديم للطلب؛ لأنه سيُطلب توقيع الزوج، والزوجة على تلك وثيقة الطلاق، أو سيقوم بذلك وكيلهما، ولا يمكننا تصور أنكِ بمجرد تقديم طلب طلاق نيابة عن صديقتك أنه سيُقبل منك هذا دون توكيل، وإلا لفعلت كثيرات مثل هذا كيداً بمن يكرهنَ من نساء منافسات لهن، أو من عدوَّات، ومثل هذا يقال في الزوج، فهو إما سيوقع الوثيقة بنفسه، أو سيوقعها من يوكِّله.
- أن هذا الفعل هو من الاستهزاء بآيات الله وأحكامه، ولذا فلا نعجب أن نجد النهي عن اتخاذ آيات الله هزواً جاء فيما جاء في سياق آيات الطلاق وأحكامه، قال تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [ البقرة / الآية 231 ].
وهذا الهزل بمثل هذا الفعل يجعل الطلاق واقعا.
قال القرطبي – رحمه الله -:
قوله تعالى: ( وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً ) معناه: لا تتخذوا أحكام الله تعالى في طريق الهزو بالهزو؛ فإنها جِدٌّ كلُّها، فمن هزل فيها: لزمته، قال أبو الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول: إنما طلقت وأنا لاعب، وكان يعتق، وينكح، ويقول: كنتُ لاعبا، فنزلت هذه الآية. ” تفسير القرطبي ” ( 3 / 156 ).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
( وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ) لمَّا بيَّن تعالى حدوده غاية التبيين، وكان المقصود العلم بها، والعمل، والوقوف معها، وعدم مجاوزتها؛ لأنه تعالى لم ينزلها عبثاً، بل أنزلها بالحق، والصدق، والجِد: نهى عن اتخاذها هزواً، أي: لعباً بها، وهو التجرؤ عليها، وعدم الامتثال لواجبها، مثل استعمال المضارة في الإمساك، أو الفراق، أو كثرة الطلاق، أو جمع الثلاث، والله من رحمته جعل له واحدة بعد واحدة؛ رفقاً به، وسعياً في مصلحته. ” تفسير السعدي ” ( ص 103 ).
والله أعلم.


