يعتقد أن صديقه زنى بزوجته! فطلقها، فهل يقتل صديقه؟

السؤال

حصلت مشكلة، حيث إنني وزميلي جاران، وصديقان، نسكن في عمارة واحدة، ولدي زوجتان، اكتشفتُ خيانة صاحبي عند بياتي عند المرأة الثانية وأم عيالي، علمتُ بالموضوع وطلقتُها، والآن فإن الشيطان يسول لي بالانتقام بقتل زميلي، خصوصاً أنه معي بالعمل، وأشاهده يوميًّا، وأرى نظراته التي تبدو لي بأنها تحكي لي بالانتصار بفعلته – يعني: عينه قوية – أرجو يا شيخ النصح، وإفادتنا بخبرة فضيلتكم، والحل بنظركم، حيث أنني أفكر بالقتل، فهل عليَّ شي من الله فقط؟ أما بالنسبة لو يقام عليَّ الحد فليست مشكلة بالنسبة لي، فالموضوع متساو لديَّ.

أرجو إفادتي بالبريد الالكتروني لو تكرمتم، وفقكم الله لما يحبه ويرضاه، وجعل ما تقولون في ميزان حسناتكم.

الجواب

الحمد لله

أولا:

إن صحَّ ما فعله زميلك وجارك: فيكون قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وفاحشة منكرة، وليس عليه إثم الزنا المجرد وحسب: بل إن إثمه قد اشتد بسبب أنه زنى بزوجة جاره؛ فالزنا بحليلة الجار أشد إثما وأعظم جرما من الزنا بغيرها؛ لأن الأصل في الجار أن يكون حارسا لجاره، صائناً لحرماته، فإن أغواه الشيطان ليزني بزوجة جاره: استحق من الوعيد أكثر من الزنا بغيرها.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ” أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ” قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ” وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ “، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ” أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ”. رواه البخاري ( 4207 ) ومسلم ( 86 ).

قال النووي – رحمه الله –:

وقوله صلى الله عليه وسلم: ” أن تزاني حليلة جارك ” هي بالحاء المهملة، وهي زوجته، سميت بذلك: لكونها تحل له، وقيل: لكونها تحل معه، ومعنى ( تزاني ): أي: تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنى، وإفسادها على زوجها، واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قبحا، وأعظم جرماً؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه، وعن حريمه، ويأمن بوائقه، ويطمئن إليه، وقد أُمر بإكرامه، والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه: كان في غاية من القبح.

” شرح مسلم ” ( 2 / 81 ).

وأما من حيث الحدِّ الشرعي: فإنه إن ثبت زناهما: فإنهما يستحقان الرجم حتى الموت؛ لأنهما زانيان مُحصنان، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل العلم.

ثانيا:

وينبغي أن تعلم أخي السائل أن الزنى لا يثبت على أحدٍ إلا باعترافه من غير إكراه، أو بشهادة أربعة يشهدون الإيلاج، وليس يثبت الزنى بالوهم، والظن، فاحذر من عاقبة اتهام زوجتك – المطلقة – وزميلك، بالباطل، وإلا استحققت الإثم العظيم بسبب قذفك لغيرك، واستحققت حدَّ القذف، وهو ثمانون جلدة.

ولا يعني دخول الأجنبي على المرأة أنه يثبت به الزنى، بل ولا النوم معها، ولا يكون الزنا إلا بالإيلاج المعروف بين الذكر والأنثى، ولا نريد بهذا الكلام إلا بيان حقيقة وقوع هذه الفاحشة ابتداء، ثم إذا وقعت كيف يتم إثباتها، وإلا فإن دخول الأجنبي على الزوجة ورضاها بالجلوس معه أمر منكر، تستحق به الإثم العظيم، وله أن يعضلها ليضيق عليها لتخالع نفسها، أو لتسقط مهرها المؤخر.

ثالثا:

وإن ثبت جرم الزنا على أحدٍ: فليس لآحاد الناس أن يقيموا حدَّ الرجم – أو الجلد – على من تلوث بذلك الفعل، بل إن ذلك منوط بالحاكم الشرعي، أو من يقوم مقامه.

فالواجب عليك الحذر من إثبات وقوع تلك الفاحشة المنكرة من مطلقتك، ومن جارك، وإن ثبت لديك باعترافها وقوع تلك الجريمة: فيكفيك تطليقها، وليس لك إثبات الزنى على جارك وزميلك في العمل وفقا لاعتراف زوجتك، حتى يعترف هو بنفسه، فإن فعل: فليس لك أن تقيم عليه الحد، وليس لك أن تقتله، كما أشرنا سابقا، ودع عقوبته لخالقه عز وجل، فهو يتولى أمره، كما لك أن ترفع القضية برمتها للمحكمة الشرعية، ليتولى القضاء الشرعي أمرهما.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُمَا قَالاَ: إِنَّ رَجُلاً مِنَ الأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلاَّ قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الآخَرُ – وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ -: نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَائْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” قُلْ ” قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ, وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ, فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ, فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ, فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْني جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا, فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا “، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرُجِمَتْ. رواه البخاري ( 6440 ) ومسلم ( 1697 ).

– العسيف: هو الأجير.

قال الصنعاني – رحمه الله -:

واعلم أنه صلى الله عليه وسلم لم يبعث إلى المرأة لأجل إثبات الحد عليها؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قد أمر باستتار من أتى بفاحشة، وبالستر عليه، ونهى عن التجسس، وإنما ذلك لأنها لما قُذفت المرأة بالزنا: بعث إليها صلى الله عليه وسلم لتنكر، فتطالب بحد القذف، أو تقر بالزنا فيسقط عنه، فكان منها الإقرار، فأوجبت على نفسها الحدَّ. ” سبل السلام ” ( 4 / 4 ).

فاحذر من وسوسة الشيطان، وتحلَّم، ونحن نعلم أنه من الصعب أن يملك الإنسان نفسه في مثل هذه المواطن، لكنَّ المسلم يهذب الإسلام تصرفاته، ويلجم أفعاله، وهذا هو معنى الإسلام، وهو الاستسلام لأمر الشرع.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة