حكم العمل في سلك الشرطة
السؤال
أعمل ضابطا بالشرطة في إحدى البلاد العربية، والسؤال هو: هل يجوز أن أستمر في هذا العمل, علما بأن البلد تُحكم بقانون وضعي, وأنا كضابط بالشرطة مطالب بتنفيذ هذا القانون؟ مع العلم بأن مجالات العمل كثيرة في الشرطة، فمنا من يكـافح الدعارة، ومنا من يكافح المخدرات، وكثير من الأشياء الطيبـة، ولكن كل هذا وفقا وتحت مظلة القانون الوضعي، ومنا من هو يعمل بالســجون منفِّــذاً للحكم الصادر من المحكمة وفقاً للقـانون الوضعي.
فهل يجوز لي أن أستمر في عملي؟ أم يجب عليَّ تـركه؟ أم أتخيــر العمل ما استطعت إلى ذلك سبيلا؟ أفتونا وأفيضوا علينا مما علَّمكم الله، مشكورين مأجورين، إن شاء الله.
الجواب
الحمد لله
العمل في سلك الشرطة كالعمل في الوظائف الأخرى، فيه ما هو مباح، وما هو محرَّم، وإنما يختلف ذلك تبعاً لطبيعة المهام التي يقوم بها المنتسب لذلك السلك.
وفي كثير من الدول يتم – وللأسف – إلزام المنتسبين لهذا السلك بحلق لحاهم، وتحية العلم، وتعظيم من هو أعلى رتبة بالتحية الأعجمية, ولو كان كافرا أو فاسقا.
وأما بخصوص ذات العمل: فإن فيه – كما هو معلوم – ما هو ظلم، وما هو عدل، فمن كانت مهام عمله ملاحقة المجرمين والفاسقين, وكف أذاهم عن الناس, وإرجاع الحقوق إلى أهلها، ومنع الظالمين من التعدي على غيرهم: فلا شك في إباحة عمله، بل هو يؤجر أجراً عظيماً إن أخلص النية لله تعالى بإرادته إقامة العدل، ومنع الظلم، ومن كانت مهام عمله سلب الناس أموالهم، والتعدي عليهم بالضرب، والتعرض لأعراضهم، وسجنهم بغير حق: فلا شك أن عمله – حينئذٍ – محرَّم، وهو من المفلسين الذين يلقون الله تعالى في الآخرة وللناس في ذممهم حقوق, يعطيهم الله تعالى إياها حسنات, يأخذها من أولئك الظلمة، أو سيئات تؤخذ من المظلومين, فتلقى عليهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
إذا كان ولي الأمر يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو وذووه: فلا ينبغي إعانة واحد منهما؛ إذ كل منهما ظالم، كلص سرق من لص، وكالطائفتين المقتتلتين على عصبية ورئاسة، ولا يحل للرجل أن يكون عوناً على ظلم؛ فإن التعاون نوعان:
الأول: تعاون على البر والتقوى، من الجهاد، وإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وإعطاء المستحقين، فهذا مما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة: فقد ترك فرضاً على الأعيان، أو على الكفاية، متوهماً أنه متورع، وما أكثر ما يشتبه الجبن، والفشل بالورع، إذ كل منهما كف وإمساك.
والثاني: تعاون على الإثم والعدوان، كالإعانة على دم معصوم، أو أخذ مال معصوم، أو ضرب من لا يستحق الضرب، ونحو ذلك: فهذا الذي حرمه الله ورسوله. ” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 283 ).
وعليه: فعلى كل من يريد أن يكون كسبه حلالا من وظيفته أن ينظر في طبيعتها وحالها، فإن كانت تحوي ظلما لأحدٍ، أو تعديًّا على عرضه، أو ماله، أو كانت حراسة لظالم محتل، أو فاسق فاجر، أو كانت تنفيذا لأوامر تخالف الشرع كحبس مظلوم، أو إطلاق مستحق للسجن والتعزير: فلا خير في هذه الوظيفة، ولا ينبغي له الاستمرار بها، ومن كانت طبيعة عمله إقامة العدل، ومحو الظلم: فلا حرج في بقائه بها، إلا أن يُلزم بمخالفة الشرع في حلق لحيته.
والله أعلم.


