يخالفون الشرع ويتذرعون بوجود من يفعل ذلك من أهل الاستقامة!.

السؤال

بعض أئمة المساجد وأساتذة التربية الإسلامية وغيرهم مما يعتبرون قدوة لأناس غيرهم يأخذون من لحاهم – والبعض يحلقها كلها -، ويسبلون ثيابهم، فإذا حاججت بعض ضعاف النفوس على حرمة هذه الأمور: يقول لك: فلان إمام مسجد ومسبل ثوبه، أو فلان مدرس إسلاميات ويحلق لحيته, فنريد منكم كلمة – يا شيخ – في مثل هؤلاء الأئمة، ومن في دورهم، وخطر ما يفعلونه على أنفسهم، وعلى الناس كلهم؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

حلق اللحية، وتقصيرها دون القبضة، وإسبال الثياب: كل ذلك من المحرمات، وليس مع من فعل شيئا منها حجة شرعية، إنما هي أهواء نفوس، أو تعلق بأقوال شاذة، أو فهم منكوس لنصوص أو أقوال.

ثانيًا:

وتعلق بعض المخالفين للشرع بفعل أئمة المساجد، أو مدرسي التربية الإسلامية: لا ينفعهم عند ربهم؛ لأن المسلم لا يقتدي بالمخالف للشرع، والقدوة الأولى للمسلم هو نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) [الأحزاب/الآية 21 ].

      ثم يقال لهؤلاء: إن بعض المحسوبين على الاستقامة واقع في معاصٍ لا يشك في حكمها، ولا يُختلف في تحريمها، فبعضهم عاق لوالديه، وآخر قاطع لرحمه، أفترون أن مثل هذه الأفعال منهم تبيح لأحد أن يفعل مثلهم متذرعا بفعلهم لها؟! وقل مثل ذلك في معاصٍ كثيرة، بل كبائر واضحة بينة، وليس ثمة عاقل يقول إنني أفعل هذا لأنه قد فعلها غيري ممن هو محسوب على أهل الاستقامة، وعليه: فما يقوله أولئك المشار إليهم في السؤال لا يعدو أن يكون قولًا فارغًا يُراد منه أن يَترك أهل الخير دعوتَهم، ونصحهم، ووعظهم.

وثمة أمر آخر يقال لهم أيضًا: وهو أنكم ترون غير هؤلاء من أهل العلم، والفضل، والتقوى، لم يحلقوا لحاهم، ولم يقصروها، ولم يسبلوا ثيابهم، فلمَ لم تتشبهوا بهؤلاء؟! ولم لمْ يكن هؤلاء هم القدوة لكم دون أولئك؟!.

فالذي نراه أن هؤلاء يعلمون أنه ثمة من يسير على هدي الإسلام، ويلتزم أحكامه، لكنهم لا يجعلونهم قدوات لهم، وإنما يبحثون عن المقصرين، أو المتساهلين، الذين وقعوا فيما وافق أهواءهم، فجعلوهم قدوة لهم، ولو كان هؤلاء عامَّة، جهلة، لا يرون غير هؤلاء من أهل الاستقامة لكان يمكن أن يكون هذا عذرًا لهم.

فالذي يقول: إنه يوجد من يحلق لحيته ويقصرها، ويسبل ثيابه: فيقال لهم ثمة كثيرون لا يفعلون هذا، بل يلتزمون أحكام الشرع، فاجعلوا هؤلاء قدوتكم.

      ومن يقول: إنه يخرج بعض المشايخ في فضائيات مع نساء، ويستمعون الموسيقى: فيقال لهم: ثمة كثيرون لا يفعلون هذا؛ لأنه حرام، ومنكر، فاجعلوا هؤلاء أسوتكم.

ثالثًا:

ونوصي أنفسنا وإخواننا من أهل الخير والاستقامة أن يكونوا قدوات صالحة للناس، ويجب أن يعلموا أن فئات كثيرة من عوام المسلمين تنظر إليهم بغير العين التي تنظرها لغيرهم من عامة الناس، فهي ترقب أفعالهم، وتنسبها للدين، وتتلمس صفاتهم، وتلصقها بالشرع، فليحذروا من الوقوع في مخالفة الشرع؛ فإن في ذلك عاقبتين سيئتين: الأولى لأنفسهم بتحميلها عواقب فعل المعصية، والثانية لغيرهم بالتسبب في إضلالهم، ووقوعهم في المعاصي.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ولهذا يجب على أهل العلم ما لا يجب على غيرهم، في العبادات، في الأخلاق، في المعاملات؛ لأن الناس يقتدون بهم، يقتدون بهم تمامًا، حتى إن بعض الناس يجلس إلى العالم وهو يصلي – مثلًا – ويحصي عليه حركاته، وسكناته، ولما كبر ابن عمر – رضي الله عنهما –  صار لا يجلس للصلاة مفترشًا، فقال له أحد أبنائه: ” يا أبت كيف هذا الجلوس؟ ” فقال: ” إن رجليِّ لا تقلاني “، فانظر إلى نظرة الناس إلى العالم، يحصون عليه حتى فعله، حتى تركه، لذلك يجب على طلبة العلم أن يكونوا مثالًا طيبًا حسنًا في كل شيء، حتى يكونوا قدوةً صالحة، وحتى يحترمهم الناس. ” اللقاء الشهري ” ( مقدمة اللقاء رقم: 49 ).

فعلى من رضي لنفسه أن يكون من أهل الاستقامة الحذر من الوقوع في المعصية، والحذر من التساهل في الشرع، أو تمييع مسائله، والتهوين من الالتزام بأحكامه، وليعلم أن الداعي ليس هو من دعا الناس بأقواله فحسب، بل وبأفعاله، وصفاته، وأخلاقه.

وهذه وصايا ونصائح من أهل العلم والفضل، نسأل الله أن ينفع بها:

1.*  قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

والعالِم يُعرف بصبره، وتقواه لله, وخشيته له سبحانه وتعالى, ومسارعته إلى ما أوجب الله ورسوله, وابتعاده عما حرم الله ورسوله .

هكذا يكون العالم، سواءً كان مدرسًا، أو قاضيًا، أو داعيًا إلى الله, أو في أي عمل, فواجبه أن يكون قدوة في الخير, وأن يكون أسوة في الصالحات, يعمل بعلمه، ويتق الله أين ما كان, ويرشد الناس إلى الخير, حتى يكون قدوة صالحة لطلابه, ولأهل بيته ولجيرانه ولغيرهم ممن عرفه, يتأسون به: بأقواله، وأعماله الموافقة لشرع الله عز وجل.

وعلى طالب العلم أن يحذر غاية الحذر من التساهل فيما أوجب الله, أو الوقوع فيما حرم الله؛ فإنه يُتأسى به في ذلك, فإذا تساهل: تساهل غيره, وهكذا في السنَّة، والمكروهات, ينبغي له أن يحرص على تحري السنن, وإن كانت غير واجبة؛ ليعتادها، وليَتأسى الناس به فيها, وأن يبتعد عن المكروهات، والمشتبهات؛ حتى لا يتأسى به الناس فيها .

فطالب العلم له شأن عظيم, وأهل العلم هم الخلاصة في هذا الوجود, فعليهم من الواجبات والرعاية ما ليس على غيرهم, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته “.

” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” ( 2 / 312 ،313 ).

  1. * وقال – رحمه الله – أيضًا -:

( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) هذه الآية العظيمة تبين لنا أن الداعي إلى الله عز وجل ينبغي أن يكون ذا عمل صالح يدعو إلى الله بلسانه، ويدعو إلى الله بأفعاله أيضًا, ولهذا قال بعده: ( وَعَمِلَ صَالِحًا )، فالداعي إلى الله عز وجل يكون داعية باللسان, وداعية بالعمل, ولا أحسن قولًا من هذا الصنف من الناس, هم الدعاة إلى الله بأقوالهم الطيبة، وهم يوجهون الناس بالأقوال والأعمال، فصاروا قدوة صالحة في أقوالهم، وأعمالهم، وسيرتهم .

وهكذا كان الرسل عليهم الصلاة والسلام, دعاة إلى الله بالأقوال، والأعمال، والسيرة, وكثير من المدعوين ينتفعون بالسيرة أكثر مما ينتفعون بالأقوال، ولا سيما العامة، وأرباب العلوم القاصرة؛ فإنهم ينتفعون من السيرة، والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة ما لا ينتفعون من الأقوال التي قد لا يفهمونها, فالداعي إلى الله عز وجل من أهم المهمات في حقه أن يكون ذا سيرة حسنة، وذا عمل صالح، وذا خلُق فاضل حتى يقتدى بأفعاله، وأقواله وسيرته. ….

فهذه الآية العظيمة فيها الحث، والتحريض على الدعوة إلى الله عز وجل، وبيان منزلة الدعاة، وأنهم أحسن الناس قولًا إذا صدقوا في قولهم، وعملوا الصالحات، وهم أحسن الناس قولًا، ولا أحد أحسن منهم قولًا أبدًا، وعلى رأسهم: الرسل عليهم الصلاة والسلام, ثم أتباعهم على بصيرة إلى يوم القيامة .” مجموع فتاوى الشيخ ابن باز ” (3 / 110 ، 111 ).

  1. * وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

ويجب على المسلم أن يهتمَّ بأمور دينه، ويحافظ على أداء ما أوجب الله عليه، ويترك ما حرَّمَ الله عليه، وأن يتحلَّى بالأخلاق الفاضلة مع إخوانه، وأن يصدُقَ في معاملته، ويحفظ أمانته، ويكون قدوةً صالحةً لغيره .

ويجب أن يتربَّوا على التّمسّك بالدّين، والأخلاق الفاضلة، وأن يبتعدوا عن الأخلاق الرّذيلة، وقرناء السُّوء، وأن يهتمُّوا بما ينفعهم في دينهم ودُنياهم، وأن يكونوا قوَّة للإسلام، والمسلمين .” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 1 / 408 ).

 

ونسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يهدي الدعاة وطلبة العلم لما فيه صلاحهم وصلاح الناس.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة