يريد تفصيل قصة قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليهود بني قريظة
السؤال
هل من الممكن أن تحدثونا عن نهاية ” بني قريظة “؟ أحد الأشخاص غير المسلمين قال لي بأن النبي صلى الله عليه وسلم قام بإعدام الرجال كلهم – وعددهم بالمئات – واستعباد النساء والأطفال، فهل هذا صحيح؟ وكيف تم الأمر بالتفصيل؟.
بارك الله فيكم.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
من الجيد للمسلم عدم الاستماع لما يقوله أعداء الإسلام عن الدين حتى يتبين منه ويتثبت؛ حتى لا يَنسب للإسلام ما ليس منه، وحتى يقف على الأمر على حقيقته إذا كان ثابتًا في الشرع المطهَّر، وإن إرجاعك الأمر إلى أهله مما تستحق عليه الشكر والثناء.
ثانيًا:
عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة النبوية كان فيما حولها ثلاثة طوائف من اليهود، وهم: ” بنو قَيْنُقاع” و “بنو النضير” و” بنو قريظة “، وكان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء للخزرج، وكانت بنو قريظة حلفاء للأوس.
فلما قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة هادن أولئك اليهود جميعًا ووادعهم، وكل من يعرف التاريخ والحاضر يعلم أن اليهود أهل غدر وخيانة، ولذا فإن جميع تلك الطوائف من اليهود لم يلتزموا بهدنتهم ولم يوفوا بعهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حاربوا المسلمين وتآمروا على قتله وقتل أصحابه، فتعامل معهم النبي صلى الله عليه وسلم كلٌّ بحسب حاله وما يستحقه، فمنَّ على بني قيْنقاع، وأجلى بني النضير، وقتل بني قريظة لأنهم كانوا أشدَّ عداوة وأغلظ كفرًا وقد سبُّوه – صلى الله عليه وسلم -، وهم الذين اختاروا أن يَحكم فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أوكل سعدَ بن معاذ سيد الأوس ليحكم عليهم، فحكم عليهم – رضي الله عنه – بقتل رجالهم وسبي نسائهم وغلمانهم وتقسيم أموالهم، وهم حربيون، والإمام مخيَّر في الحربي الأسير إما أن يمنَّ عليه بلا مقابل، أو يأخذ منه الفداء، أو يُقتل، ولما كان بنو قريظة قد نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإن حكم نقضهم يسري إلى نسائهم وذرياتهم إذا كان النقض بالحرب.
هذا ملخَّص الأمر في حال طوائف اليهود في المدينة وما آل إليه أمرهم، وهذا حال بني قُريظة، وسنذكر من كلام الإمام ابن القيِّم رحمه الله ما يوضح ذلك ويفصِّله.
ثالثًا:
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
- ووادع رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَن بالمدينة مِن اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا، وبادر حَبْرُهم وعالمُهم عبدُاللهِ بنُ سلاَم فدخل في الإسلام، وأبى عامَّتُهم إلا الكفرَ.
وكانوا ثلاثَ قبائل: بنو قَيْنُقَاع، وبنو النَّضير، وبنو قُرَيْظَة، وحاربَه الثلاثة، فمنَّ على بني قَيْنُقَاع، وأجلَى بني النَّضِير، وقتل بني قُريظة وسبى ذُرِّيَّتهم، ونزلت سورة الحشر في بَني النَّضيرِ، وسورة الأحزاب في بني قُريظة.
” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 65).
- وكانت غزوة كل طائفة منهم عَقِبَ كُلِّ غزوة من الغزوات الكبار، فغزوة بني قَيْنُقَاع عقب” بدر “، وغزوة بني النَّضير عقب غزوة ” أُحُد “، وغزوة بني قُريظة عقب” الخندق”. ” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 135).
- وحكم في اليهود بعدة قضايا، فعاهدَهم أوَّل مقدمه المدينة، ثم حاربه بُنو قَيْنُقَاع فظَفِرَ بهم ومنَّ عليهم، ثم حاربه بنو النضير فظفِرَ بهم وأجلاهم، ثُمَّ حارَبه بنو قُريظة فظفِرَ بهم وقتلهم ثم حاربه أهلُ خيبر فظَفِرَ بهم وأقرَّهم في أرض خيبرَ ما شاء سِوى مَنْ قتل مِنهم.” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 5/ 66 ، 67 ).
- وأما قُريظة: فكانت أشدَّ اليهودِ عداوةً لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوا أغلظَهم كُفرًا، ولذلك جرى عليهم ما لم يجرِ على إخوانهم.
وكان سببُ غزوهم: أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما خرج إلى غزوة الخندق والقوم معه صُلْحٌ: جاء حُيَيُّ بن أخطَب إلى بني قُريظة في ديارهم، فقال: قد جئتُكم بعزِّ الدَّهر، جئتكم بقُريش على سادتها، وغَطَفَان على قادتها، وأنتم أهلُ الشَّوْكَة والسلاح، فهلمَّ حتى نناجِزَ محمَّدًا ونفرُغ منه، فقالَ لهُ رئيسُهم: بل جئتني والله بذُلِّ الدهر، جئتني بسحاب قد أراق ماءه، فهو يرعُدُ ويبرُق، فلم يزل حُيَي يُخادعه ويَعِده ويُمنيه حتى أجابه بشرط أن يدخل معه في حِصنه يُصيبه ما أصابهم، ففعل، ونقضُوا عهدَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأظهروا سبَّه، فبلغ رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخبرُ، فأرسلَ يستعلِمُ الأمرَ، فوجدهم قد نقضُوا العهد، فكبَّر وقال: (أبْشِرُوا يا مَعْشرَ المسلمين ).
فلما انصَرَفَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة لم يكن إلا أن وضع سِلاحه، فجاءه جبريلُ فقال: أوضعتَ السِّلاح؟ والله إن الملائكةَ لم تضعْ أسلحَتِها، فانهض بمن معكَ إلى بني قُريظة فإني سائرٌ أمامك أُزلزل بهم حصونَهم وأقذِف في قلوبهم الرُّعبَ، فسار جبريلُ في موكبه من الملائكة ورسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أثره في موكبه مِن المهاجرِين والأنصار، وقال لأصحابه يومئذ ( لا يُصَلَّيَنَّ أَحَدُكُم العَصْرَ إِلا في بني قُرَيْظَةَ )، فبادروا إلى امتثال أمرِه ونهضُوا مِن فورهم، فأدركتهم العصرُ في الطريق، فقال بعضُهم: لا نُصليها إلا في بني قُريظة كما أمرنا، فصلَّوها بعد عشاء الآخرة، وقال بعضُهم: لم يُرِدْ منَّا ذلك وإنما أراد سُرعة الخروج، فَصَلَّوْهَا في الطريق، فلم يُعنِّفْ واحدة من الطائفتين.
وأعطى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرايةَ عليَّ بن أبي طالب، واستخلفَ على المدينة ابنَ أمِّ مكتومٍ، ونازل حصُون بني قُريظة، وحصرهم خمسًا وعشرين ليلةً، ولمَّا اشتد عليهم الحِصَارُ عرض عليهم رئيسُهم كعبُ بن أسد ثلاثَ خِصال: إما أن يُسْلِمُوا ويدخُلوا مع محمد في دينه، وإما أن يَقتلوا ذراريَهم ويخرجوا إليه بالسيوف مُصلتة يناجِزُونه حتى يظفروا بِه، أو يُقتلوا عن آخرهم، وإما أن يهجمُوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَوا أصحابِه ويكبِسُوهم يومَ السبت لأنهم قد أمِنُوا أن يُقاتِلوهم فيه، فأَبَوْا عليه أن يُجِيبُوهُ إلى واحدة منهن،…ثم إنهم نزلُوا على حُكم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقامَت إليه الأوسُ، فقالوا: يا رَسُولَ الله قد فعلتَ في بني قَيْنُقَاع ما قد عَلِمْتوهم حلفاءُ إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا فأحسِنْ فيهم، فقال ( ألاَ تَرْضوَنَ أَنْ يَحْكُم فِيِهمْ رَجُلٌ مِنْكُم؟ ) قالوا: بلى، قال ( فَذَاكَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعَاذ ) قالوا: قد رضينا، فأرسلَ إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرُج معهم لجُرح كان به، فأُرْكِبَ حمارًا وجاء إلى رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجعلُوا يقولون له وهم كَنَفتاهُ: يا سَعْدُ أجمل إلى مواليَك فأحْسِن فيهم فإن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حكَّمك فِيهم لِتُحْسِنَ فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئاً، فلما أكثرُوا عليه قال: لقد آن لِسعد ألا تأخذه في اللهِ لومةُ لائم، فلما سَمِعُوا ذلِكَ منه رجعَ بعضُهم إلى المدينة فنعى إليهم القومَ، فلما انتهى سعد إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للصحابة: ( قُومُوا إلَى سَيِّدكُم ) فلما أنزلُوهُ قالوا: يا سعدُ إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حُكمك، قال: وحكمي نافِذٌ عليهم؟ قالوا: نعم، قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: وعلى مَنها هنا؟ وأعرض بوجهِهِ وأشار إلى ناحية رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إجلالًا له وتعظيمًا، قال: ( نعم، وعليَّ )، قال: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرِّجَالُ، وتُسْبىَ الذُّرِّيَّةُ، وتقسمَ الأموالُ، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الله مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَات ) وأسلم منهم تلك الليلة نفر قبل النزول، وهرب عمرو بن سُعْدَى، فانطلق فلمْ يُعلم أين ذهب، وكان قد أبى الدخُول معهم في نقض العهد، فلما حكم فيهم بذلك أمرَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتل كُلِّ مَن جرت عليه الموسى منهم، ومَن لم يُنْبتْ أُلحِقَ بالذُرِّية، فحفر لهم خنادِقَ في سوق المدينة، وضُرِبَتْ أعناقهم، وكانوا مابين الستمائة إلى السبعمائة، ولم يُقتل مِن النساء أحد سوى امرأة واحدة كانت طَرحَتْ على رأس سويد بن الصامت رحى فقتلته، وجعل يذهب بهم إلى الخنادق أرسالًا أرسالًا، فقالوا لرئيسهم كعب بن أسد: يا كعبُ؛ ما تراه يصنَعُ بنا؟ فقال: أفي كل موطن لا تعقِلُونَ؟ أما ترون الدَّاعي لا يَنْزعُ، والذاهِبُ منكم لا يرجعُ، هو واللهِ القتلُ. ” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 129 – 135).
- وكان هَدْيُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه إذا صالح قوماً فَنَقَضَ بعضُهم عهده وصُلْحه وأقرَّهم البَاقُونَ ورضُوا به: غزا الجميعَ وجعلهم كُلَّهُم ناقضين، كما فعل بِقُريظة والنَّضير وبني قَيْنُقَاع، وكما فعل في أهل مكة، فهذه سُنَّته في أهل العهد، وعلى هذا ينبغي أن يَجرِىَ الحُكْمُ في أهل الذِّمة كما صرَّح به الفقهاءُ من أصحاب أحمد وغيرهم .” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 3/ 136).
- ولما حكم سعدُ بن معاذ في بني قُريظة بأن تُقتَل مقاتلتُهم وتُسبى ذراريهم وتُغنم أموالُهم: أخبره رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أن هذا حُكْمُ اللهِ عزَّ وجلَّ مِن فوق سَبْعِ سَمَاوات )، وتضمَّن هذا الحكم: أن ناقضي العهدِ يسر ينقضُهم إلى نسائهم وذُرِّيَّتِهم إذا كان نقضُهم بالحرب، ويعودون أهلَ حرب، وهذا عينُ حكمِ اللهِ عزَّ وجل.” زاد المعاد في هدي خير العباد” ( 5/ 67).
والله أعلم.


