التعليق على أسلوب بعض الخطباء في إضحاك المصلين في خطبة الجمعة

السؤال

في بعض الأحيان عندنا هنا في ” الولايات المتحدة ” يوجد بعض الخطباء البارعون لكنهم فكاهيون في نفس الوقت، فتراه يقول بعض الأشياء والتي هي صحيحة في معناها وأصلها ولكن طريقة عرضه لها تجعل المستمعين يضحكون، فما الحكم هنا؟ هل جمعة هؤلاء صحيحة؟ فحسب علمي أن الكلام والأكل والشرب يفسد الجمعة، فما بالك بالضحك؟!.

الجواب

الحمد لله

ينبغي على الداعية وطالب العلم أن يولي خطبة الجمعة اهتمامًا خاصًّا من حيث وقتها وموضوعها وأسلوب عرضها وطريقة أدائها، وليس أمرها بسعة المحاضرات العامة أو الدروس واللقاءات؛ فإنه يمكنه التبسط مع الحضور والتلاميذ فيها ما لا يمكنه في خطب الجمعة؛ لما لخطبة الجمعة من هيبة عظيمة ومنزلة جليلة.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وكذلك كانت خطبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنما هي تقرير لأصول الإِيمان من الإِيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائِه، وذكرِ الجنة، والنار، وما أعدَّ الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعدَّ لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب مِن خُطبته إيمانًا وتوحيدًا، ومعرفة بالله وأيامه. ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 423 ).

ومثل هذه المواضيع لا يصلح معها إلا الجديَّة في الطرح والقوة في الأداء، ولا يصلح معها الهزل وإضحاك الناس، وقد يقتضي موضوع الخطبة من الخطيب احمرار عينه ورفع صوته واشتداد غضبه، كما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم إذا اقتضى منه الأمر ذلك، فقد روى مسلم ( 867 ) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا خَطَبَ: احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ ” صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ “.

* قال النووي – رحمه الله -:

يُستدل به على أنه يُستحب للخطيب أن يفخِّم أمر الخطبة ويرفع صوته ويجزل كلامه، ويكون مطابقاً للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غضبه كان عند انذاره أمرًا عظيمًا وتحديده خطبًا جسيمًا. ” شرح مسلم ” ( 6 / 155، 156 ).

ومن هذه الأمور العظيمة والخطوب الجسيمة: التذكير بالساعة وبالنار، فقد روى الإمام أحمد في مسنده ( 28 / 364 ) من قول جابر: ” ثُمَّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَتَحْمَرُّ وَجْنَتَاهُ وَيَشْتَدُّ غَضَبُهُ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ “.

وروى الإمام أحمد ( 37 / 353 ) – وحسَّنه المحققون – عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَخْطُبُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَقُولُ ( أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمْ النَّارَ ) حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِالسُّوقِ لَسَمِعَهُ مِنْ مَقَامِي هَذَا، قَالَ: حَتَّى وَقَعَتْ خَمِيصَةٌ كَانَتْ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ.

وفي حال كانت الخطبة بيانًا لأحكام فقهية أو تنبيهًا على سلوك معيَّن فلا يكون ثمة حاجة لرفع صوت ولا احمرار وجه ولا اشتداد غضب، لكن لا ينبغي أن يخرج أسلوب الخطبة عن الجدية، ولكل مقام مقال.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في شرح حديث جابر -:

وإنما كان يفعل هذا لأنه أقوى في التأثير على السامع، فكان صلى الله عليه وسلم يكون على هذه الحال للمصلحة وإلا فإنه من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان أحسن الناس خُلقًا وألينهم عريكة، لكن لكل مقام مقال، فالخطبة ينبغي أن تحرك القلوب وتؤثر في النفوس وذلك في موضوعها وفي كيفية أدائها. ” شرح رياض الصالحين ” (2/334).

ومع هذا فلا يمنع أن يتبسم الخطيب أحيانًا في حال كان ما جاء به مناسبًا له التبسم، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يخالف ما قلناه من جدية خطبة الجمعة وأهميتها؛ لأن هذا ليس هديًا له صلى الله عليه وسلم في سائر خطبه، ثم إنه لم يُضحك الناس، وقد كان تبسُّمه تعجبًّا، فاختلف الأمر عما نحن في صدد بيان منعه وعدم لائقيته لخطبة الجمعة.

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْوَ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: قَحَطَ الْمَطَرُ فَاسْتَسْقِ رَبَّكَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ وَمَا نَرَى مِنْ سَحَابٍ، فَاسْتَسْقَى فَنَشَأَ السَّحَابُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ مُطِرُوا حَتَّى سَالَتْ مَثَاعِبُ الْمَدِينَةِ، فَمَا زَالَتْ إِلَى الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ مَا تُقْلِعُ، ثُمَّ قَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَالَ: غَرِقْنَا فَادْعُ رَبَّكَ يَحْبِسْهَا عَنَّا، فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ ( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، فَجَعَلَ السَّحَابُ يَتَصَدَّعُ عَنِ الْمَدِينَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا، يُمْطَرُ مَا حَوَالَيْنَا، وَلاَ يُمْطِرُ مِنْهَا شَيءٌ، يُرِيهِمُ اللَّهُ كَرَامَةَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِجَابَةَ دَعْوَتِه. رواه البخاري ( 5742 ).

* قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:

” فضحك ” وفي رواية ثابت ” فتبسَّم “.

” عمدة القاري ” ( 7 / 40 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفيه: جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجُّباً من أحوال الناس.

” فتح الباري ” ( 2 / 507 ).

فالخلاصة: نوصي الخطباء بأن يجعلوا لخطبة الجمعة هيبتها اللائقة بها، وأن تبقى في إطار الجدية والاتزان، وللإخوة الدعاة وطلبة العلم من أهل الظرافة سعة في المحاضرات والدروس.

ثانيًا:

وأما بخصوص حكم جمعة من ضحك في الخطبة فلا يبعد القول ببطلان خطبته؛ لأن القهقهة لا تخرج عن كونها كلامًا أو لعبًا وعبثًا، وكلا الأمرين جاء النص على أن من فعله فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له – على الصحيح من معنى ” اللغو ” -، فقد روى مسلم ( 857 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ مسَّ الحصى فَقَدْ لَغَا )، وروى البخاري ( 934 ) ومسلم ( 851 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه – أيضًا – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمْعَة وَالإِمَامُ يَخْطُب فَقَدْ لَغَوْتَ ).

ومما يؤكد صحة معنى اللغو في الأحاديث أنه لا أجر له على جمعته: حديثان:

  1. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى الْمِنْبَرِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَتَلَا آيَةً وَإِلَى جَنْبِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أُبَيُّ، مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَ: فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي أُبَيٌّ: مَا لَكَ مِنْ جُمُعَتِكَ إِلَّا مَا لَغَيْتَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَلَوْتَ آيَةً وَإِلَى جَنْبِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَسَأَلْتُهُ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي حَتَّى إِذَا نَزَلْتَ زَعَمَ أُبَيٌّ أَنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ جُمُعَتِي إِلَّا مَا لَغَيْتُ؟ فَقَالَ ( صَدَقَ أُبَيٌّ فَإِذَا سَمِعْتَ إِمَامَكَ يَتَكَلَّمُ فَأَنْصِتْ حَتَّى يَفْرُغَ ). رواه أحمد ( 36 / 60 ) وصححه المحققون.
  2. عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ ( مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ – إِنْ كَانَ لَهَا – وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا وَمَنْ لَغَا وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا ). أبو داود ( 347 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال ابن القيم – رحمه الله – في بيان خصائص الجمعة -:

الخاصة التاسعة: الإِنصات للخطبة إذا سمعها وجوبًا، في أصح القولين، فإن تركه: كان لاغيًا، ومن لغا: فلا جمعة له، وفي ” المسند ” مرفوعًا ( والذي يقول لِصاحِبِه أنصِتْ، فَلا جُمُعَةَ لَهُ ). ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 1 / 377 ).

وقد أجمع العلماء على بطلان صلاة من قهقه في صلاته واختلفت اتجاهاتهم في تخريج سبب ذلك، فمنهم من قال لأن القهقهة فيه إذا كان صدرت من صاحبها فبان منه حرفان فما فوق فهو كلام، وهذا قول جمهور العلماء، ومن لم يجعل القهقهة مبطلة للصلاة من باب أنها كلام فهي عنده لعب وعبث، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وكما أن الصلاة تنزه عن الكلام والعبث فكذاك خطبة الجمعة.

* قال ابن المنذر – رحمه الله -:

أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة .

” الأوسط ” ( 3 / 254 ).

* وقال النووي – رحمه الله -:

مذهبنا: أن التبسم لا يضر، وكذا الضحك إن لم يبن منه حرفان، فإن بان: بطلت صلاته، ونقل ابن المنذر الإجماع على بطلانها بالضحك، وهو محمول علي من بان منه حرفان. ” المجموع ” ( 4 / 89 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما القهقهة ونحوها: ففيها جوابان:

أحدهما: أن تدل على معنى بالطبع.

والثاني: أنا لا نسلم أن تلك أبطلت لأجل كونها كلاما؛ يدل على ذلك: أن القهقهة تُبطل بالإجماع، ذكره ابن المنذر، وهذه الأنواع – يعني: مثل التأوه والأنين والبكاء – فيها نزاع، بل قد يقال: إن القهقهة فيها أصوات عالية تنافي حال الصلاة وتنافي الخشوع الواجب في الصلاة فهي كالصوت العالي الممتد الذي لا حرف معه، وأيضًا: فإن فيها من الاستخفاف بالصلاة والتلاعب بها ما يناقض مقصودها فأبطلت لذلك لا لكونه متكلمًا، وبطلانها بمثل ذلك لا يحتاج إلى كونه كلامًا وليس مجرد الصوت كلامًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 618 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

والقول الراجح: أن الصَّلاة لا تبطل بذلك – يعني: بمثل النحنحة والأنين -، ولو بَانَ حرفان؛ لأن ذلك ليس بكلام، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إنما حَرَّم الكلام، اللَّهُمَّ إلا أن يقع ذلك على سبيل اللعب، فإن الصلاة تبطل به؛ لمنافاته الصلاة فيكون كالقهقهة.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 3 / 368 ).

وعليه: فلا يخرج الضاحك في خطبة الجمعة بالقهقهة من كونه متكلمًا أو عابثًا بفعله ذاك، ولا يبعد بطلان جمعته عليه، وإذا كان الخطيب قد تعمَّد إضحاك المصلين فعليه وزرهم، وإذا لم يكن هو السبب فلا يتحمَّل شيئًا، وفي حال مشاركة الخطيب للمصلين في الضحك فلا نجزم ببطلان جمعته؛ لأن الكلام ومس الحصى إنما يُمنع منه الحاضرون للخطبة لا الخطيب نفسه، لكنه لن يخرج منها سالمًا.

مع التنبيه أننا لم نجد فيما اطلعنا عليه من كتب أهل العلم من نصَّ على حكم ضحك الحاضرين لخطبة الجمعة، ولذلك لم نذكر مرجعًا نحيل عليه، ولذلك – أيضًا – لم نجزم بالحكم وإنما قلنا ” لا يبعد القول ببطلان جمعة من ضحك فيها ” وليس يعني هذا – كما نبهنا عليه سابقًا – بطلان صلاته بل المراد بطلان أجر جمعته.

 

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة