الاستشهاد بأفعال السلف وأقوالهم عموما ومن البدعة والمبتدعة خصوصا

السؤال

هل يجوز الاستشهاد بأفعال السلف؟ أي: هل يجوز لنا اتخاذ موقف السلف من البدعة وأصحاب البدع كشاهد في هذه الأيام؟، وأنا أطرح هذا السؤال؛ لأني قرأت في مقال مترجم لأحكام الشيخ الجليل الألباني أن أفعال السلف لا يجوز الاستشهاد بها اليوم ضد أصحاب البدع؛ لأنها تضر أكثر مما تنفع، وخاصة في الوقت الحالي؟.

الجواب

الحمد لله

أولا:

ليُعلم أن مصادر الاستدلال عند أهل السنَّة المجمع عليها هي: القرآن، والسنَّة، والإجماع، على خلافٍ بينهم في بعض مسائل الإجماع.

واختلفوا فيما عدا ذلك، ومنه: قول الصحابي، ولا يُعلم في اختلاف الأئمة أن منهم من يرى قول السلف وفعلهم حجة في دين الله تعالى؛ وذلك لمعرفتهم باختلاف تلك الأقوال والأفعال باختلاف علم أولئك السلف، وطبيعة زمانهم، وبيئتهم، ولكن هذا لا يعني أنه ليس لأقوالهم وأفعالهم اعتبار، بل هم أقدر ممن جاء بعدهم على فهم نصوص الوحيين، وقد غلت طائفتان في هذا الأمر، فرفضت طائفة اعتبار أقوالهم وأفعالهم، وقابلتهم طائفة نزَّلت أقوالهم منزلة نصوص الكتاب والسنَّة، فحكموا على تصرفات الناس وأفعالهم بموجب قولٍ لأحد أئمة السلف وعلمائهم، وليت قول ذلك الإمام كان مطابقاً للحال الذي حكم عليها ذلك الغالي! وإنما هو فهمٌ فهمه هو لقوله، جعله يحكم بذلك الحكم الجائر مستدلاًّ بقول ذلك الإمام من السلف، وبفهمه لتلك الأقوال عقدوا الولاء والبراء على ذلك الفهم!، وميزوا السنِّي من البدعي بمقتضى ما فهموه من ذلك القول! وكل ذلك باطل, وفاسد.

والقول الوسط في ذلك هو اعتبار أقوالهم وأفعالهم على أنها فهم للكتاب والسنَّة، ولكننا لا ننزلها منزلة نصوص الوحيين، ولسنا بالذين نرفض أقوالهم بالكلية، ونظن بهم الجهل، والبُعد عن فهم النصوص.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – رادًّا على من طعن في فهم السلف وقدَّم عليهم ضُلاَّل الخلف -:

كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين, واستبلاههم, واعتقاد أنهم كانوا قوماً أميِّين، بمنزلة الصالحين من العامة, لم يتبحروا في حقائق العلم بالله, ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي, وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله, ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده: في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة.

” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 9 ).

ثانيا:

والعلماء المحققون يعلمون أنه ثمة في كتاب الله تعالى آيات متشابهات، فكيف تكون أقوال السلف كلها محكمة؟! فكما تُرد النصوص المتشابهة من الوحيين على محكمها: فإنه تُرد الأقوال المتشابهة للسلف على محكم النصوص من الكتاب والسنَّة.

ويعلم العلماء المحققون أن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم لا تدل بأصلها على الوجوب، بل على الاستحباب، على تفصيل يُعرف في أصول الفقه، فكيف تكون أفعال السلف دالَّة على الوجوب، ويُؤخذ منها تشريع، دون عرضها على الكتاب والسنَّة؟!.

والعلماء المحققون يعلمون أن السلف بشر، يصيبون، ويخطئون، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، ولا يدَّعون العصمة لهم.

ثالثا:

وبعدما سبق نقول: إن أحوال السلف في إنكارهم للبدعة وأهلها اختلفت بحسب وقت ظهور البدعة، وبحسب انتشارها وقوة أهلها وكثرتهم، وقد راعى السلف بعلمهم وفهمهم للشرع هذا كلَّه، وقد حاربوا البدعة في أول ظهورها بما استطاعوا، وأنكروا على من تلبس بها، وهجروا من أصرَّ عليها، وكان هذا في زمان ظهور السنَّة وقوة أهلها وكثرتهم، ولم يكن الأمر كذلك حينما ضعف أهل السنَّة وقلَّ عددهم، وتأصلت البدعة بمشايخ الضلال، واستقرت بقوة السلطان، فلم يعد – والحال هذه – كبير نفعٍ بهجر أهل البدع، فتغير حالهم في الإنكار لتغير الحال، وهذا من عظيم علم السلف وقوة فقههم لأحكام الشرع، ومَن جاء ليستدل بأقوال وأفعال بعضهم ولم يراع ذلك التغير: فإنه ما أحسن في استدلاله، ولا أصاب في بيان حجته، وقد رأينا بعض من تلبس بهذا الفهم المنكوس يأمر أتباعه في بلاد الكفر أن يهجروا أهل البدعة – عنده لا في حقيقة الحال – حتى لو كان هذا الهاجر وحده في تلك البلاد! وقد استجاب كثير من المقلدة لهذا الشيخ فهجر مساجد المراكز الإسلامية، وقاطع دروسها، وتخلى عن صحبة أهلها، ولك أن تتصور حال ذلك الفرد في بلاد الغربة، والكفر، والانحلال، كيف سيصير حاله، وكل ذلك والشيخ ومقلدته يظنون أنفسهم على هدى، وأنهم يستدلون بفعل السلف، ويتبعون منهجهم!.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم، وضعفهم، وقلتهم، وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور، وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر، وخفيته: كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته: لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر.

والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتألف قوماً، ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلِّفوا كانوا خيراً من أكثر المؤلفة قلوبهم؛ لمَّا كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح.

وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرِّق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع، كما كثر ” القدَر ” في البصرة، و” التنجيم ” بخراسان، و” التشيع ” بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين، وغيرهم.

وإذا عَرَف مقصود الشريعة سَلَك في حصوله أوصل الطرق إليه.

” مجموع الفتاوى ” ( 28 / 206 ، 207 ).

وقال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:

فإذا كانت الغلبة والظهور لأهل السنة: كانت مشروعية هجر المبتدع قائمة على أصلها، وإن كانت القوة والكثرة للمبتدعة – ولا حول ولا قوة إلا بالله -: فلا المبتدع ولا غيره يرتدع بالهجر، ولا يحصل المقصود الشرعي، لم يشرع الهجر، وكان مسلك التأليف؛ خشية زيادة الشر.

” هجر المبتدع ” ( ص 45 ).

وكلام الشيخ الألباني وإن كنا لم نقف على لفظه: فإننا لا نظنه إلا موافقاً لما ذكرناه، مؤيداً لما نقلناه عن أئمة الهدى، وأنه ليس ثمة حال واحدة تُستعمل في مواجهة البدع والمبتدعة، والتفصيل السابق يغني عن الإعادة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة