مجموعة أسئلة تتعلق بحقوق الوالدين والأبناء
السؤال
لدي بعض الأسئلة عن الوالدين:
- ما هو حق الأم علي؟
- ما هو حقي على أمي؟
- ما هي الأشياء التي يمكن أن أعملها ( المباحة طبعًا ) دون أن يكون لأمي الحق من منعي؟
- متى يكون للأب القرار الأخير في الموضوع؟
أنا أحب أمي جدًّا جدًّا وهي تريد حمايتي حتى أنني أشعر بعض الأحيان بأنني مقيد، أعلم بأنها تفعل هذا من فرط حبها لي فكيف أخبرها بأنني أريد بعض الحرية في اختياراتي في الحياة؟
الجواب
الحمد لله
أولًا: حق الأم على ولدها:
للأم على ولدها حقوق كثيرة وكبيرة لا يحصيها المحصي ولكن نذكر منها:
أ – وجوب حبها وتوقيرها في النفس والقلب ما استطاع لأنها أحق الناس بحسن صحبته.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك “. رواه البخاري ( 5626 ) ومسلم ( 2548 ).
فهي التي جعلت بطنها لك وعاءًا وثديها لك سقاءًا، فحبها لازم ولا بد، والفطرة تدعو إليه، بل إن حب الأولاد لأمهاتهم وحب الأمهات لأولادها فطر الله عليها البهائم والدواب، فبنو البشر أولى بذلك والمسلمون أولى بذلك كله.
ب – الرعاية والقيام على شؤونها إن احتاجت إلى ذلك بل إن هذا ديْن في عنق ولدها أليست قد رعته طفلًا صغيرًا وسهرت عليه وكانت تصبر على أذاه.
قال تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا} ( الأحقاف / 15).
– بل إن ذلك قد يقدم على الجهاد إن تعارض معه.
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد. رواه البخاري ( 2842 ) ومسلم ( 2549 ).
ت – عدم الأذية وإسماعها ما تكره من القول أو الفعل.
قال تعالى { فلا تقل لهما أفٍ } ( الإسراء / 23 ).
فإذا كان الله تعالى حرَّم قول ” أف ” للوالدين: فكيف بمن يضرب أباه وأمه بكف؟.
ث – النفقة عليها إن أعوزت ولم يكن لها زوج ينفق عليها أو كان زوجها معسرًا بل إن النفقة عليها وإطعامها عند الصالحين أحب إليهم من أن يطعموا أبناءهم.
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال فقال بعضهم لبعض ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه فقال أحدهم اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب فآتي به أبوي فيشربان ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي فاحتبست ليلة فجئت فإذا هما نائمان قال فكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند رجلي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء قال ففرج عنهم …. “.
رواه البخاري ( 2102 ) ومسلم ( 2743 ).
يتضاغون: يبكون بصوت عالِ.
ج – الطاعة والائتمار بأمرها إن أمرت بمعروف، أما إن أمرت بشرٍّ كالشرك: فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال تعالى:{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا } ( لقمان / 15 ).
ح – أما بعد موتها فيسن قضاء ما عليها من كفارات والتصدق عنها والحج أو الاعتمار عنها.
عن ابن عباس رضي الله عنهما:” أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أمك ديْن أكنتِ قاضيته، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء”. رواه البخاري ( 1754 ).
خ – وكذلك بعد موتها يسنّ برها بصلة من كانت تصله وتحترمه كأقاربها وأصدقائها.
عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه “. رواه مسلم ( 2552 ).
ثانيًا: حقوقك على أمك:
أ – القيام على شأنك وأنت طفل وإرضاعك ما دامت في عصمة والدك لأن هذا معلوم من فطرة الناس وهو متواتر عنهم من بدء الخليقة.
قال تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ….. } (البقرة /233 ).
ب – أن تربيك تربيةً صالحةً لأنها مسؤولة عنك يوم القيامة أمام الله لأنك من رعيتها وهي راعيتك مسؤولة عنك.
عن عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع ومسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته قال وحسبت أن قد قال والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته”.رواه البخاري ( 853 ) ومسلم ( 1829 ).
ثالثًا: أما ما يحل لك أن تصنعه دون أن تتدخل أمك في شؤونك من المباحات: فليس لها الحق في اختيار ما تحب من المباحات التي لا سلطة لها عليك بها كالطعام والشراب والملبس.
وكذلك باختيارك الزوجة التي تريد إن كانت صالحة, ما دام أنك لم تعصِ الله في ذلك كله.
وأما التدخل بشؤونك في خروجك ودخولك المنزل أو السهر في الليل مع الرفقة الذين تصحبهم: فيجب على الوالدين كليهما أن يراقبا أولادهما في ذلك ليضبطوا الأمر ولا يضيع الأولاد مع رفقة السوء، فإن أكثر ما سبب للشباب الفساد رفقة السوء، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل “. رواه الترمذي ( 2387 ) وأبو داود ( 4833 ).
والحديث حسَّنه الترمذي وصححه النووي كما في ” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 42 ).
وكذلك يجب عليهما أن يعلما متى ترجع إلى البيت ومتى تخرج فإنه لا يجوز لهما أن يتركا لك الحبل على غاربه، تخرج متى تشاء في الساعة التي تشاء مع من تشاء، بل يجب عليهما أن يراقبا وضعك، فلعلك تخرج إلى غير مرضاة الله تعالى.
أما إن كان سهرك ودخولك وخروجك محدوداً حسب ما يبيح الشرع فليس لهما أن يضيقا عليك ما أباح الله لك.
ولكن مع هذا كله فينبغي عليك أن تراعي منزلة الوالدين وتوقيرهما وأخذهما بالصحبة الحسنة حتى وإن ضيقا عليك فيما أباح الله لك، فإنه أمرنا أن نصحب آباءنا بالصحبة الحسنة حتى ولو كانوا كفارًا يدعوننا إلى الشرك فكيف وهما لا يدعوننا إلا إلى شيء يظنان كل الظن أن الخير لنا فيه وإن كان في بعض ما يأمرانك تضييق عليك في بعض ما يباح لك، فالأحسن أن تطيعهما وأن تصنع ما يريدان وتنزل عند رغبتها، وإن كان لا يجب عليك ولكن من باب التضحية والإيثار فإنهما أحق من يُحسن إليهما ولذا جعل الله الصبر على طاعة الوالدين جهادًا، وجعل الله تعالى طاعة الوالدين بعد عبادته مباشرة؛ وذلك بيانا لمنزلة بر الوالدين.
رابعًا: أما قرار الأب فإنه كما أخبرناك سابقاً يجب عليه أن يأمرك بالخير ويجب عليك أن تأتمر فإن كان أمر الوالد في طاعة الله فيجب تنفيذه وإن كان في غير طاعة الله فلا يجب.
قال تعالى:{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا } ( سورة لقمان / 15 ).
ولكن هناك من المباحات قد تتعارض فيها الآراء مع الاشتراك في المصلحة فهنا يقدم رأي الأب وإن كان الأمر مباحًا لأن المباح الذي يتحصل لك تختص به مصلحة الأب وتتعدد فيه الآراء فيكون الأب ملزمَا برأيه إن تعارضت الآراء في المباح مع اشتراك المصلحة، ولو لم يكن واجبًا لكان أولى من باب البر وحسن العشرة، فقد روي عن ابن عمر أنه قال: ” ما رقيت سطح منزل أبي تحته “.
فإن تعارضت المباحات مع كمال الشريعة وأمر الوالد بترك المباح فتجب طاعته كما كان من عمر بن الخطاب أنه أمر ولده بطلاق زوجته.
عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال:” تزوج أبي امرأة وكرهها عمر فأمره بطلاقها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أطع أباك “.
رواه أحمد ( 4697 ) وابن حبان ( 2 / 169 ) والحاكم ( 2 / 215 ).
وهذا الحكم ليس لكل أحد من الآباء، فمن كان على مثل خلق ودين ونظر عمر فيطاع وإلا فلا.
وقد كان عمر رضي الله عنه محدَّثًا مُلهمًا.
عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: ” قد كان يكون في الأمم قبلكم محدَّثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم “، قال ابن وهب: تفسير محدَّثون مُلهمون “. رواه البخاري ( 3282 ) ومسلم ( 2398 ).
وقد بوَّب على الأثر الإمام ابن حبان بقوله:
ذكر استحباب طلاق المرء امرأته بأمر أبيه إذا لم يفسد ذلك عليه دينه ولا كان فيه قطيعة رحم.
خامسًا: أما كيف تخبر أمك بأنك حر غير مقيد: فذلك يكون بالقول والعمل.
أ – أما العمل: فيكون ذلك بعد أن تثبت لأمك بعد عدة أعمال بأنك لم تعد الصبي الذي تعهد وأنك أصبحت رجلًا قادرًا على تحمل الأمر فتصرف أمامها تصرف الرجال في أكثر من موقف واصبر على ذلك فإن هي رأت منك ذلك بعد مرات ستثق بك؛ لأنها لم تزل تظنك ذلك الصبي الذي كان يتكل عليها حتى في شربة الماء وهذا معلوم ومجرب عند الآباء أنهم لا يثقون بمقولة أبنائهم.
ولكن إذا كررت مواقفك التي من بعدها ستثق أمك بك عندئذٍ سيستقيم أمرك وينعدل مقامك في نفس أمك.
ب – أما القول: فيكون بالحجة القاطعة والقول اللين والمعالجة الحسنة مع إعطاء المواثيق والمواعيد والصدق في تنفيذها وضرب الأمثلة على مواقفك السليمة الصحيحة، ولعل الله تعالى أن يشرح صدرها للحق وتعاملك معاملة الرجل البالغ العاقل الراشد السوي.
مع كل هذا ننصحك بحسن المعاشرة وحسن الحديث وعدم العقوق حتى ولو طلب الأب أو الأم منك أن تشرك في الله فلا تطعهما ولكن صاحبهما في الدنيا معروفًا.
قال تعالى:{ وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفًا } ( لقمان / 15 ).
والله أعلم.


