ما الفرق بين النبي والرسول؟
السؤال
ما الفرق بين النبي والرسول؟ لأن القرآن قال بأن محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ولم يقل بأنه خاتم الرسل.
ادعى مؤخرا قبطي كذاب بأنه رسول من الله وقال بأنه رسول وليس بنبي, ويدعي بأن كل نبي رسول ولا يكون العكس دائمًا صحيح؛ لأن الله ذكر كلمة رسول قبل كلمة نبي في القرآن في السور والآيات الآتية: (7.157) (7.158) (19.51) (19.54) (22.52).
– أظن بأنه من المهم أن ترد عليه قبل أن يغوي الكثير من المسلمين ويضلهم.
الجواب
الحمد لله
- الفرق بين النبي والرسول:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن النبي هو من أوحي إليه من ربه فاطلع على بعض المغيبات دون أن يؤمر بتبليغ الرسالة.
وأن الرسول من أُوحي إليه ثم أمر بتبليغ الرسالة، وما سمي الرسول بهذا إلا لأنه يحمل رسالة يجب عليه تبليغها من ربه كما يدل عليها الاشتقاق اللغوي للكلمة.
* قال الحافظ ابن حجر:
فإن لفظ النبوة والرسالة مختلفان في أصل الوضع فإن النبوة من النبأ وهو الخبر فالنبي في العرف هو المنبأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفًا، وإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول وإلا فهو نبي غير رسول.
وعلى هذا فكل رسول نبي بلا عكس؛ فإن النبي والرسول اشتركا في أمر عام وهو النبأ وافترقا في الرسالة فإذا قلت فلان رسول تضمن أنه نبي رسول، وإذا قلت فلان نبي لم يستلزم أنه رسول. ” فتح الباري ” ( 11 / 112 ).
* وقال أيضًا:
أن الرسالة تزيد على النبوة بتبليغ الأحكام للمكلفين بخلاف النبوة المجردة فإنها اطلاع على بعض المغيبات، وقد يقرر بعض الأنبياء شريعة من قبله، ولكن لا يأتي بحكم جديد مخالف لمن قبله. ” فتح الباري ” ( 12 / 374 ).
* وقال ابن أبي العز الحنفي:
وقد ذكروا فروقًا بين النبي والرسول، وأحسنها: أن من نبَّأه الله بخبر السماء: إنْ أمَره أن يبلِّغ غيرَه فهو نبيٌّ رسولٌ، وإن لم يأمره أن يبلغ غيره: فهو نبيٌّ وليس برسول.
فالرسول أخص من النبي، فكل رسولٍ نبيٌّ، وليس كل نبيٍّ رسولًا.
ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتـناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، بل الأمر بالعكس، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها. ” شرح العقيدة الطحاوية ” (ص 167 ).
- أما أنه لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خاتم المرسلين، فالرد من وجهين:
- ثبوت أنه كذلك في السنة – كما سيأتي – .
- دخول ذلك من باب أولى، فإنه إذا ختمت النبوة به، فمن باب أولى ختم الرسالة، لأنه لا رسول بلا وحي ونبوة.
* قال الإمام ابن كثير:
وقوله تعالى { ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليمًا } كقوله عز وجل { الله أعلم حيث يجعل رسالته }، فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة؛ فإن كل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، قال الإمام أحمد حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” مَثَلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها وأكملها وترك فيها موضع لَبِنَة لم يضعها فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة “، ورواه الترمذي عن بندار عن أبي عامر العقدي به وقال حسن صحيح.
حديث آخر: عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال الإمام مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر قالوا حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون “. ” التفسير ” (3 / 494 ).
* وقال الشيخ ابن عثيمين:
وآخرهم محمد عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى { ولكن رسولَ الله وخاتم النبيين } [ الأحزاب / 40 ]، ولم يقل ” وخاتم المرسلين ” لأنه إذا ختم به النبوة: ختم الرسالة مِن باب أولى.” شرح العقيدة الواسطية ” ( 1 / 66 ).
* أما النص على ذلك في السنة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ” مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بناؤه وترك منه موضع لبنة فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل “.
رواه ابن عساكر، وأحمد من حديث أبي سعيد الخدري.
وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” تخريج الطحاوية ” ( ص 168 ).
- أما ادعاء بعض الكذابين للنبوة، فإن الله تعالى يُظهر كذبَهم للناس.
* قال ابن أبي العز الحنفي:
وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشيطان عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز فان الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمورًا يبين بها صدقه والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة والصادق ضده بل كل شخصين ادعيا أمرًا أحدهما صادق والآخر كاذب لا بد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة إذ الصدق مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور.
والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعى للصناعات والمقالات كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها وهي أشرف العلوم واشرف الأعمال فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب …
وأيضًا فان الله سبحانه أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة وما فعله بمكذبيهم من العقوبة كثبوت الطوفان وإغراق فرعون وجنوده ولما ذكر سبحانه قصص الأنبياء نبيًّا بعد نبي في سورة الشعراء كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده يقول في آخر كل قصة { إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم }…
ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر من أحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم علمنا يقينا أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة منها أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم ومنها ما أحدثه الله لهم من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه الذي حصل عليه كغرق فرعون وغرق قوم نوح وبقية أحوالهم عرف صدق الرسل ومنها أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم اعلم الخلق وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل وأن فيما جاؤوا به من المصلحة والرحمة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أنه لا يصدر إلا عن راحم بر يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق. ” شرح الطحاوية ” ( ص 158 – 165 ).
- أما استدلاله بالآيات المشار إليها فلا يعني تقديم لفظ الرسالة على لفظ النبوة أن الرسالة لم تختم وأن النبوة قد ختمت، وإنما هذا من باب ذكر الأهم والأفضل والرسالة أفضل من النبوة، أو هو من باب ذِكر الخاص بعد العام، كما قال تعالى {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } [ البقرة / 238 ].
أو هو إرسال مقيد، والأصل أن النبي لم يؤمر بتبليغ قومه جميعًا، لكن لا يمنع أن يبلغ بعض الناس كما بلَّغ يوسف عليه السلام ودعا إلى التوحيد مَن كان معه في السجن وهو مِن الأنبياء.
* قال شيخ الإسلام:
وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه.
ولهذا كان كل رسولٍ نبيًّا وليس كل نبيٍّ رسولًا وإن كان قد يوصف بالإرسال المقيد في مثل قوله { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم } [الحج / 52 ]. ” مجموع الفتاوى ” ( 18 / 7 ).
والله أعلم.


