بعض الشبهات حول الغناء وحكم الشطرنج
السؤال
اطلعت إلى ما كتبه بلال كناديس حول ” حكم الإسلام في الموسيقى والغناء ” فوجدت أن بعض النقاط التي يحتج بها من يقول بجواز الاستماع إلى الموسيقى لم يتطرق إليها الكاتب, فأرجو أن تجيب على الأسئلة الآتية:
1- ورد في شرح السنة للإمام البربهاري أن ابن المبارك رضي الله عنه قال ما معناه: “لا تأخذوا عن أهل المدينة فيما يختص بالغناء”, وعليه: أفلا يبرر ذلك ما فهمه بعضهم من أن بعض علماء المدينة آنذاك كانوا يُجيزون الغناء المصحوب ببعض الآلات الموسيقية؟ وإن لم يكن ذلك مبررًا، فكيف يشرح العلماء تلك المقولة الواردة عن ابن المبارك؟
2- يجيز بعض العلماء لعب الشطرنج بشرط أن لا تكون الأحجار مصنوعة على شكل تماثيل وألا يشتمل اللعب على القمار، فما هو الرد إذن على من يقول بأن الموسيقى تجوز بشرط أن لا تحتوي الكلمات على أمور غير إسلامية؟ هل ورد هذا الرأي عن أحد العلماء؟ وإذا ورد، فكيف يرد على ذلك؟
3- سمعت بورود حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان راكبًا ومعه أحد الصحابة، فسمعا صوت موسيقى، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم أصبعيه في أذنيه، وبعد فترة من الوقت، سأل الصحابي عما إذا كان الصوت قد توقف أم لا, فبعضهم يأخذ من هذا الحديث أن الصحابي لم يضع أصبعيه في أذنيه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعه من سماع الموسيقى، وأنه عليه السلام سأل عما إذا كان صوت الموسيقى قد انقطع, ولو كان الصحابي قد وضع أصبعيه أيضًا في أذنيه، لما كان بإمكانه أن يجيب على ذلك, ولذلك فقد توصلوا إلى أن حكم الاستماع إلى الموسيقى هو الكراهة وليس التحريم, فهل يصح هذا الحديث؟ وأرجو أن تذكر قول علماء الحديث حوله، وإذا كان الحديث صحيحًا، فما هو الشرح الصحيح له؟
4- يرى بعض العلماء بحرمة مشاهدة التلفاز، إلا بقصد الدعوة، كما أن أغلب العلماء يقولون بأن الصور الفوتوغرافية محرمة, وقد فهم بعض الناس من ذلك أنه يجوز الاستماع للموسيقى بقصد الدعوة للإسلام، فما الرد على ذلك؟.
الجواب
الحمد لله
- أما رواية البربهاري: فهي في كتابه ” شرح السنة ” ( ص 52 )، ولفظها:
وقال عبد الله بن المبارك: لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئًا، ولا عن أهل الشام في السيف شيئًا، ولا عن أهل البصرة في القدَر شيئًا، ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئًا، ولا عن أهل مكة في الصرف، ولا عن أهل المدينة في الغناء لا تأخذوا عنهم في هذه الأشياء شيئًا.
قد نقل نحوها الذهبي عن الأوزاعي فقال:
ومن تتبع رخص المذاهب وزلات المجتهدين فقد رق دينه كما قال الأوزاعي أو غيره: مَن أخذ بقول المكيين في المتعة, والكوفيين في النبيذ، والمدنيين في الغناء، والشاميين في عصمة الخلفاء: فقد جمع الشر، وكذا من أخذ في البيوع الربوية بمن يتحيل عليها، وفي الطلاق ونكاح التحليل بمن توسع فيه وشبه ذلك : فقد تعرض للانحلال فنسأل الله العافية والتوفيق.
” سير أعلام النبلاء ” ( 8 / 90 )، وأوردها الحافظ في ” التلخيص الحبير ” ( 3 / 187 ):
عن أبي عبد الله بشر بن بكر سمعت الأوزاعي يقول يجتنب أو يترك من قول أهل الحجاز خمس، ومن قول أهل العراق خمس من أقوال أهل الحجاز استماع الملاهي والمتعة وإتيان النساء في أدبارهن والصرف والجمع بين الصلاتين بغير عذر، ومن أقوال أهل العراق شرب النبيذ وتأخير العصر حتى يكون ظل الشيء أربعة أمثاله ولا جمعة إلا في سبعة أمصار والفرار من الزحف والأكل بعد الفجر في رمضان وروى عبد الرزاق عن معمر قال لو أن رجلًا أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء وإتيان النساء في أدبارهن وبقول أهل مكة في المتعة والصرف وبقول أهل الكوفة في المسكر كان شر عباد الله.
* قال الشيخ الألباني معلقًا على هذا الخبر بعد إيراد الشوكاني له في ” النيل “:
ليس منهم الإمام مالك يقينًا بل قد أنكره عليهم هو وغيره من علماء المدينة فروى أبو بكر الخلال في ” الأمر بالمعروف ” (ص32) وابن الجوزي في ” تلبيس إبليس ” (ص244) بالسند الصحيح عن إسحاق بن عيسى الطباع -ثقة من رجال مسلم – قال: سألت مالك بن أنس عما يترخص به أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق.
ثم روى الخلال بسنده الصحيح أيضًا عن إبراهيم بن المنذر – مدني ثقة من شيوخ البخاري – وسئل فقيل له أنتم ترخصون في الغناء؟ فقال: معاذ الله ما يفعل هذا عندنا إلا الفساق.
وأما الأقوال التي نقلها الشوكاني مما سبقت الإشارة إليه ووعدنا بالكلام عليها فالجواب من وجهين:
الأول: أنه لو صحت نسبتها إلى قائليها ( وفيهم الكوفي والمدني وغيرهم ): فلا حجة فيها لمخالفتها لما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة الدلالة.
والثاني: أنه صح عن بعضهم خلاف ذلك فالأخذ بها أولى.
” تحريم آلات الطرب ” ( ص 99 – 100 ).
* وقال القرطبي:
وذكر إسحاق بن عيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال: إنما يفعله عندنا الفساق، وذكر أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال: أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه، وقال: إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد فإنه حكى عنه زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأس.
* وقال ابن خويزمنداد:
فأما مالك فيقال عنه إنه كان عالما بالصناعة، وكان مذهبه تحريمها، وروي عنه أنه قال: تعلمتُ هذه الصناعة وأنا غلام شاب فقالت لي أمي: أيْ بني إن هذه الصناعة يصلح لها من كان صبيح الوجه ولست كذلك فاطلب العلوم الدينية فصحبت ربيعة فجعل الله في ذلك خير. ” التفسير ” ( 14 / 55 ).
فنلاحظ أن إطلاق القول بأن أهل المدينة كانوا لا يرون بذاك بأسًا إطلاق خطأ، والصحيح أنه ورد عن بعض العلماء في المدينة، ولكن لعل بعض الناس لما سمعوا مثل هذا الخبر عن بعض أهل المدينة طاروا به كل مطير؛ لأن من عادات الناس الخضوع والرضا بما يوافق شهوتهم، فشهروا القول في ذلك؛ لأن بعض الروايات تكذب أن علماء المدينة قالوا هذا، وإن قالها أحد منهم فنفر قليل وليسوا جهابذتهم.
ولو صح هذا عن جملتهم فإن الحق أحق أن يتبع ولا يجوز أن نتبع شاذ الفقه ونترك الصحيح البين.
ثم إن العلماء أوردوا هذه المقولة تحذيرا ًمن اتباع ما فيها لا من أجل مخالفة التحذير.
- أما اللعب بالشطرنج فعلى الراجح الصحيح أن اللعب به باطل ولهو إثم وننقل في هذا المقام كلاما نفيسا للإمام القرطبي قال:
روى عبد الله بن عبد الحكم وأشهب عن مالك في قوله تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال } قال: اللعب بالشطرنج والنرد من الضلال، وروى يونس عن ابن وهب أنه سئل عن الرجل يلعب في بيته مع امرأته بأربع عشرة فقال مالك: ما يعجبني وليس من شأن المؤمنين يقول الله تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال }، وروى يونس عن أشهب قال: سئل – يعني: مالكًا – عن اللعب بالشطرنج فقال: لا خير فيه وليس بشيء وهو من الباطل واللعب كله من الباطل وإنه لينبغي لذي العقل أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل، وقال الزهري لما سئل عن الشطرنج: هي من الباطل ولا أحبها.
السادسة: اختلف العلماء في جواز اللعب بالشطرنج وغيره إذا لم يكن على وجه القمار فتحصيل مذهب مالك وجمهور الفقهاء في الشطرنج أن من يقامر بها ولعب مع أهله في بيته مستترًا به مرة في الشهر أو العام لا يطلع عليه ولا يعلم به أنه معفو عنه غير محرم عليه ولا مكروه له وأنه إن تخلع به واشتهر فيه سقطت مروءته وعدالته وردت شهادته، وأما الشافعي فلا تسقط في مذهب أصحابه شهادة اللاعب بالنرد والشطرنج إذا كان عدلاً في جميع أصحابه ولم يظهر منه سفه ولا ريبة ولا كبيرة إلا أن يلعب به قمارًا فإن لعب به قمارًا وكان بذلك معروفًا سقطت عدالته وسفه نفسه لأكله المال بالباطل، وقال أبو حنيفة: يكره اللعب بالشطرنج والنرد والأربعة عشر وكل اللهو فإن لم تظهر من اللاعب بها كبيرة وكانت محاسنه أكثر من مساويه قبلت شهادته عندهم.
* قال ابن العربي:
قالت الشافعية إن الشطرنج يخالف النرد لأن فيه إكداد الفهم واستعمال القريحة، والنرد قمار غرر لا يعلم ما يخرج له فيه كالاستقسام بالأزلام.
السابعة: قال علماؤنا النرد قطع مملوءة من خشب البقس ومن عظم الفيل وكذا هو الشطرنج إذا هو أخوه غذي بلبانه والنرد هو الذي يعرف بالباطل ويعرف بالكعاب ويعرف في الجاهلية أيضًا بالأرن ويعرف أيضًا بالنردشير وفي صحيح مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه قال علماؤنا ومعنى هذا هو كمن غمس يده في لحم الخنزير يهيئه لأن يأكله وهذا الفعل في الخنزير حرام لا يجوز يبينه قوله صلى الله عليه وسلم من لعب بالنرد فقد عصا الله ورسوله رواه مالك وغيره من حديث أبي موسى الأشعري وهو حديث صحيح وهو يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة وكذلك الشطرنج لم يستثن وقتًا من وقت ولا حالًا من حال وأخبر أن فاعل ذلك عاص لله ورسوله إلا أنه يحتمل أن يكون المراد باللعب بالنرد المنهي عنه أن يكون على وجه القمار لما روي من إجازة اللعب بالشطرنج عن التابعين على غير قمار وحمل ذلك على العموم قمارًا وغير قمار أولى وأحوط إن شاء الله …
وعنه – أي: علي – رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمرًا حتى يطفأ خير من أن يمسها، وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد، وقال أبو موسى الأشعري: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ، وسئل أبو جعفر عن الشطرنج فقال: دعونا من هذه المجوسية …
وهذه الآثار كلها تدل على تحريم اللعب بها بلا قمار والله أعلم.
وقد ذكرنا في ” المائدة ” بيان تحريمها وأنها كالخمر في التحريم لاقترانها به. والله أعلم.
* قال ابن العربي في ” قبسه “:
وقد جوزه الشافعي، وانتهى حال بعضهم إلى أن يقول: هو مندوب إليه! حتى اتخذوه في المدرسة فإذا أعيا الطالب من القراءة لعب به في المسجد! وأسندوا إلى قوم من الصحابة والتابعين أنهم لعبوا بها! وما كان ذلك قط وتالله ما مستها يد تقي.
ويقولون: إنها تشحذ الذهن، والعِيان يكذبهم ما تجر فيها قط رجل له ذهن.
سمعت الإمام أبا الفضل عطاء المقدسي يقول بالمسجد الأقصى في المناظرة: إنها تعلم الحرب، فقال له الطرطوشي: بل تفسد تدبير الحرب؛ لأن الحرب المقصود منها الملِك واغتياله، وفي الشطرنج تقول شاه إياك الملك نحه عن طريقي فاستضحك الحاضرين.
وتارة شدد فيها مالك وحرمها وقال فيها { فماذا بعد الحق إلا الضلال } وتارة استهان بالقليل منها والأهون والقول الأول أصح والله أعلم.
فإن قال قائل روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن الشطرنج فقال: وما الشطرنج؟ فقيل له: إن امرأة كان لها ابن وكان ملِكًا فأصيب في حرب دون أصحابه فقالت كيف يكون هذا؟ أرنيه عِيانًا فعمل لها الشطرنج فلما رأته تسلَّت بذلك ووصفوا الشطرنج لعمر رضي الله عنه فقال: لا بأس بما كان من آلة الحرب!
قيل له: هذا لا حجة فيه لأنه لم يقل لا بأس بالشطرنج وإنما قال لا بأس بما كان من آلة الحرب، وإنما قال هذا لأنه شبه عليه أن اللعب بالشطرنج مما يستعان به على معرفة أسباب الحرب فلما قيل له ذلك ولم يحط به علمه قال لا بأس بما كان من آلة الحرب إن كان كما تقولون فلا بأس به.
وكذلك من روي عنه من الصحابة أنه لم ينه عنه فإن ذلك محمول منه على أنه ظن أن ذلك ليس يُتلهى به وإنما يراد به التسبب إلى علم القتال والمضاربة فيه … ” التفسير ” ( 8 / 337 ).
* وقال شيخ الإسلام رحمه الله:
والمقصود أن الشطرنج متى شغل عما يجب باطنًا أو ظاهرًا حرام باتفاق العلماء وشغله عن إكمال الواجبات أوضح من أن يحتاج إلى بسط، وكذلك لو شغل عن واجب من غير الصلاة من مصلحة النفس أو الأهل أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو صلة الرحم أو بر الوالدين أو ما يجب فعله من نظر في ولاية أو إمامة أو غير ذلك من الأمور وقلَّ عبدٌ اشتغل بها إلا شغلته عن واجب.
فينبغي أن يعرف أن التحريم في مثل هذه الصورة متفق عليه، وكذلك إذا اشتملت على محرم أو استلزمت محرما: فإنها تحرم بالاتفاق مثل اشتمالها على الكذب واليمين الفاجرة أو الخيانة التي يسمونها المغاضاة، أو على الظلم أو الإعانة عليه: فإن ذلك حرام باتفاق المسلمين ولو كان ذلك في المسابقة والمناضلة، فكيف إذا كان بالشطرنج والنرد ونحو ذلك؟
وكذلك إذا قدر أنها مستلزمة فسادًا غير ذلك مثل اجتماع على مقدمات الفواحش أو التعاون على العدوان أو غير ذلك أو مثل أن يفضي اللعب بها إلى الكثرة والظهور الذي يشتمل معه على ترك واجب أو فعل محرم فهذه الصورة وأمثالها مما يتفق المسلمون على تحريمها فيها.
وإذا قدر خلوها عن ذلك كله: فالمنقول عن الصحابة المنع من ذلك، وصح عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ شبههم بالعاكفين على الأصنام كما في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” شارب الخمر كعابد وثن “، والخمر والميسر قرينان في كتاب الله تعالى، وكذلك النهي عنها معروف عن ابن عمر وغيره من الصحابة، والمنقول عن أبي حنيفة وأصحابه وأحمد وأصحابه تحريمها، وأما الشافعي فإنه قال: أكره اللعب بها للخبر، واللعب بالشطرنج والحمَام بغير قمار وإن كرهناه أخف حالًا من النرد، وهكذا نقل عنه غير هذا اللفظ مما مضمونه أنه يكرهها ويراها دون النرد.
ولا ريب أن كراهته كراهة تحريم فإنه قال للخبر ولفظ الخبر الذي رواه هو عن مالك: ” مَن لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله “، فإذا كره الشطرنج وإن كانت أخف من النرد وقد نقل عنه أنه توقف في التحريم وقال: لا يتبين لي أنها حرام وما بلغنا أن أحدا نقل عنه لفظًا يقتضي نفي التحريم والأئمة الذين لم تختلف أصحابهم في تحريهما أكثر ألفاظهم الكراهة . قال ابن عبدالبر: أجمع مالك وأصحابه على أنه لا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج وقالوا لا يجوز شهادة المدمن المواظب على لعب الشطرنج، وقال يحيى: سمعت مالكًا يقول لا خير في الشطرنج وغيرها وسمعته يكره اللعب بها وبغيرها من الباطل ويتلو هذه الآية { فماذا بعد الحق إلا الضلال }، وقال أبو حنيفة: أكره اللعب بالشطرنج والنرد، فالأربعة تحرم كل اللهو.
” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 218 – 220 )
ثم لو صح ذلك أن الشطرنج مباح مع مراعاة الشروط التي ذكرت فإن قياس الموسيقى عليه قياس فاسد لاختلاف الطرفين كليهما في العلة وما القياس إلا علم العلة فإن لم تكن علة جامعة بين الطرفين سقط القياس؛ لأن الشطرنج علة التحريم فيه كونه يلهي عن ذكر الله وعلة الموسيقى أنه من الشيطان ذلك أنها تعلق القلب بغير الله وتدفع إلى الخنا والفجور.
وأما الموسيقى فهي حرام للأدلة الآتية:
1 – قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم } [ لقمان / 6 ].
* قال القرطبي:
قلت: هذه إحدى الآيات الثلاث التي استدل بها العلماء على كراهة الغناء والمنع منه والآية الثانية قوله تعالى { وأنتم سامدون } قال ابن عباس: هو الغناء بالحميرية اسمدي لنا أي غني لنا، والآية الثالثة قوله تعالى { واستفزز مَن استطعت منهم بصوتك } قال مجاهد: الغناء والمزامير، وقد مضى في ” سبحان ” – أي: سورة الإسراء – الكلام فيه.
* قال ابن عطية:
وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد، وذكره أبو الفرج بن الجوزي عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والنخعي.
قلت: هذا أعلى ما قيل في هذه الآية، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات إنه الغناء، روى سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري قال: سئل عبد الله بن مسعود عن قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } فقال: الغناء والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث مرات، وعن ابن عمر: أنه الغناء، وكذلك قال عكرمة وميمون بن مهران ومكحول، وروى شعبة وسفيان عن الحكم وحماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، وقاله مجاهد، وزاد: إن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله من الباطل، وقال الحسن: لهو الحديث: المعازف والغناء وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل والباطل في النار، وقال ابن القاسم: سألت مالكًا عنه فقال قال الله تعالى { فماذا بعد الحق إلا الضلال } أفحق هو، وترجم البخاري باب كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك وقوله تعالى { ومِن الناس مَن يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا } فقوله إذا شغل عن طاعة الله مأخوذ من قوله تعالى ليضل عن سبيل الله. ” تفسير القرطبي ” ( 14 / 51 )
- روى البخاري في صحيحه: عن أبي عامر – أبي مالك – الأشعري سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علَم يروح عليه بسارحة لهم يأتيهم يعني الفقير لحاجة فيقولوا ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة “.
وهذا الحديث صحيح موصول لأن البخاري قال: قال هشام بن عمار والبخاري لا يعرف عنه التدليس وهشام هذا من شيوخه فانتفى الإشكال، وثبت الاتصال.
- عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة مزمار عند نعمة ورنة عند مصيبة “. رواه البزار، وصححه الشيخ الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 428 ).
- عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله: ” ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير “. رواه ابن ماجه ( 4010 ).
والحديث: صححه الحافظ ابن القيم في ” إغاثة اللهفان ” ( 1 / 261 ).
وهذه الأدلة قاطعة الحجة أن رسول الله حرم المعازف وأنذر فاعل ذلك بأنه في عاصٍ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟.
- أما الحديث المشار إليه في السؤال: فهو حديث ابن عمر الذي رواه أحمد (4307).
عن نافع مولى بن عمر أن ابن عمر سمع صوت زمارة راعٍ فوضع إصبعيه في أذنيه وعدل راحلته عن الطريق وهو يقول: يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم، فيمضي حتى قلت لا فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع صوت زمارة راع فصنع مثل هذا “.
والحديث فيه كلام من حيث الصحة، ولو صح فليس فيه دليل على إباحة المعازف.
أما أقوال العلماء في سند الحديث:
* قال الشوكاني:
وحديث ابن عمر الأول أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه قال أبو علي وهو اللؤلؤي سمعت أبا داود يقول: وهو حديث منكر انتهى. ” نيل الأوطار ” ( 8 / 260 ).
وشكك ابن تيمية في صحته، فقال: فهذا الحديث إن كان ثابتًا فلا حجة فيه…
” مجموع الفتاوى ” ( 30 / 116 ).
وصححه الألباني – رحمه الله – في كتابه ” تحريم آلات الطرب ” ( ص 116 )، ولكن تصحيح الحديث لا يعني أنه يُفهم على جواز الآلات الموسيقية.
والرد على من استدل به على إباحة المعازف من وجوه.
* قال الشيخ ابن تيمية – رحمه الله -:
فهذا الحديث إن كان ثابتًا فلا حجة فيه على إباحة الشبابة بل هو على النهي عنها أولى من وجوه:
الوجه الأول: أن المحرم هو الاستماع لا السماع فالرجل لو يسمع الكفر والكذب والغيبة والغناء والشبابة من غير قصد منه بل كان مجتازًا بطريق فسمع ذلك: لم يأثم بذلك باتفاق المسلمين، ولو جلس واستمع إلى ذلك ولم ينكره لا بقلبه ولا لسانه ولا يده: كان آثمًا باتفاق المسلمين, فالنبي صلى الله عليه و سلم – وابن عمر – كان مارًّا مجتازًا لم يكن مستمعًا وكذلك كان ابن عمر مع النبي صلى الله عليه و سلم – ونافع مع ابن عمر- كان سامعاً لا مستمعًا، فلم يكن عليه سد أذنه.
الوجه الثاني: أنه إنما سدَّ النبي صلى الله عليه وسلم أذنيه مبالغة في التحفظ حتى لا يسمع أصلاً فتبين بذلك أن الامتناع من أن يسمع ذلك خير من السماع وإن لم يكن في السماع إثم ولو كان الصوت مباحاً لما كان يسد أذنيه عن سماع المباح.
الوجه الثالث: أنه لو قدر أن الاستماع لا يجوز فلو سد هو ورفيقه آذانهما لم يعرفا متى ينقطع الصوت فيترك المتبوع سد أذنيه.
الرابع: أنه لم يُعلم أن الرفيق كان بالغاً أو كان صغيرًا دون البلوغ، والصبيان يرخص لهم.
الخامس: أن زمارة الراعي ليست مطربة كالشبابة التي يصنع غير الراعي فلو قدر الإذن فيها لم يلزم الإذن في الموصوف وما يتبعه من الأصوات التي تفعل في النفوس فعل حميا الكؤوس.
السادس: أنه قد ذكر ابن المنذر اتفاق العلماء على المنع من إجارة الغناء والنوح، فقال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال النائحة والمغنية.
فإذا كان قد ذكر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم على إبطال إجارة النائحة والمغنية والغناء للنساء في العرس، والفرح جائز وهو للرجل إما محرم وإما مكروه، وقد رخص فيه بعضهم: فكيف بالشبابة التي لم يبحها أحد من العلماء لا للرجال ولا للنساء لا في العرس ولا في غيره، وإنما يبيحها من ليس من الأئمة المتبوعين المشهورين بالإمامة في الدين. ” مجموع الفتاوى ” ( 30 / 118 ).
- أما قياس التلفاز على الموسيقى فباطل أيضًا:
حيث إن القول بإباحة التلفاز فيه نظر، والصحيح أنه حرام من وجوه:
ـ هو وكر للخنا والفجور والسقاطة وتأثيره على شبان وشابات المجتمع واضح لذي عينين مبصر.
ـ هو مرسى العقائد الباطلة والإلحادية والمذاهب الهدامة من الأفكار المستوردة من الكفار وتأثير هذا واضح بيِّن أيضًا.
ـ وفيه أيضًا ضياع الوقت واللهو عن ذكر الله.
ـ ثم إني أعجب كيف تصفه بأنه يستعمل في الدعوة وهذا خبر غير صائب فعلمنا أن هذا الجهاز لم يوضع للدعوة إلى الله بل قد وضع للأسباب سالفة الذكر فأين مجالات الدعوة فيه أما إن قصدت أن فيه أخبار الناس من حولنا مما يفيد الدين وكذلك منه نعرف أخبار المسلمين في أصقاع العالم، قلت: نعم، هذا طيب، ولكن هذا فرض كفاية يطلب من بعض الدعاة لا من كلهم، ثم إن أمكن تحصيله من سبيل أخرى تعين المصير إليها – مما هو أخف ضررًا – كالإذاعة مثلاً فهي أخف ضررًا وأغنى خبرًا.
ـ أما الصور في التلفاز فهي فوتوغرافية، وهذه فيها خلاف بين العلماء المعاصرين معروف فمن أباح فلا إشكال عنده وأما من حرمها فإن أجاز عمل هذه الصور فمتناقض لأن تحريم المتحرك من الصور أعظم مضاهاة من الثابت، ومن أجاز قدْر الضرورة والحاجة فلا حرج عليه.
وأما الموسيقى فليس فيها ما يدعو لأن يكون ضرورة في حياتنا، وإنما هو لهو ولعب وفساد مجرد ليس فيه ما يؤدي إلى الدعوة إلى الله، بخلاف الصور الفوتغرافية، فإنها أصبحت ضرورة في حياتنا كاستعمالها في كشف المجرمين، وإثبات هوية الناس وأسماءهم، وكذا تستعمل في الدعوة إلى الله كعرض صور المجاهدين والمقتولين في ساحات المعارك لجمع المال اللازم للجهاد، ولدفع الحمية للقاعد.
فإذا أمكن استعمال الصور للدعوة إلى الله، فهذا ما لا يمكن أن يكون في الموسيقى التي تؤدي إلى نشر الفساد، ونزع الحياء، وتهييج كوامن النفوس.
وعليه فأين المخرج لنا في قياس التلفاز على الموسيقى من جميع الوجوه سواء الصور أو غيرها، فقياس إباحة الموسيقى على التلفاز قياس فاسد لا يستقيم.
والله أعلم.


