ماذا يحصل للإنسان بعد الموت بالتفصيل؟
السؤال
سأكون ممتنًا إذا كتب الشيخ مقالًا مفصلًا عن ترتيب ما يحصل بعد الموت فمثلًا عندما يوضع الجسد في القبر والملائكة تأتي وتسأل، هل يعاقب أم لا؟ ونهايته ستكون في الجنة أم في النار؟ والنفخ في الصور، وقيام الموتى، ومجيء الله سبحانه والجنة عن يساره، والحساب، والصراط، والحوض، ونهر الحياة،…الخ.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إذا مات ابن آدم وخرجت روحه ووضع في قبره فإنه عندئذٍ سيكون في أول مراحل الآخرة لأن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة.
ثانيًا:
يأتيه الملكان الموكلان به يسألانه عما كان يؤمن به في الدنيا عن ربه وعن دينه وعن نبيه فإن أجابهم بخير فذلك خير وإن لم يجبهم فإنهم يضربونه ضربًا مرًّا أليمًا.
وإن كان من أهل الصلاح جاءه ملائكة بيض الوجوه وإن كان من أهل الفساد جاءه ملائكة سود الوجوه.
عن البراء قال: ” خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر ثلاث مرات أو مرتين ثم قال إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس حتى يجلسون منه مد البصر معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة يجيء ملك الموت فيقعد عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فإذا أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون هذا فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا فيستفتح فيفتح لهم فيستقبله من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعة قال فيقول الله اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان ما عملك فيقول قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت به فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة فيأتيه من طيبها وروحها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول ابشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح حتى يجلسون منه مد البصر ثم قال ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه قال فتفرق في جسده قال فتخرج فينقطع معها العروق والعصب كما تنزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسموح فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي به إلى سماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط قال فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتطرح روحه طرحًا وقال ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق قال فيعاد روحه في جسده ويأتيه الملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له وما دينك فيقول هاه هاه لا أدري قال فينادي مناد من السماء أفرشوا له من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار قال فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه وقبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة “.
رواه أبو داود ( 4753 ) وأحمد ( 18063 ).
بعد أن يشاء الله تعالى أن تقوم القيامة وأن يحاسب الناس على ما قدموا ويأمر الله بالنفخة الأولى وذلك بآخر يومٍ من أيام الدنيا فتتبدل الأرض غير الأرض فيخرب كل شيء على الأرض الجبال تصبح كثيبًا مهيلًا والسماء تتشقق والكواكب تتناثر والبحار تتسجر وذلك قوله تعالى { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار } ( إبراهيم / 48 )، وقال تعالى { إنّ يوم الفصل كان ميقاتًا. يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا. وفتحت السّماء فكانت أبوابًا. وسيّرت الجبال فكانت سرابًا } ( سورة النبأ / 17 – 20 ).
وقال تعالى { يوم ترجف الرّاجفة. تتبعها الرّادفة. قلوبٌ يومئِذٍ واجفةٌ. أبصارها خاشعةٌ. يقولون أءنا لمردودون في الحافرة. أئذا كنا عظامًا نخرة. قالوا تلك إذاً كرة خاسرة. فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالسّاهرة } ( سورة النازعات / 6 – 14 )
وقال تعالى: { إذا الشمس كورت. وإذا النجوم انكدرت. وإذا الجبال سيرت. وإذا العشار عطلت. وإذا الوحوش حشرت. وإذا البحار سجرت. وإذا النفوس زوجت. وإذا الموءودة سئلت .- بأي ذنب قتلت و إذا الصحف نشرت – وإذا السماء كشطت – وإذا الجحيم سعرت. وإذا الجنة أزلفت. علمت نفس ما أحضرت }
( التكوير / 1-14).
وقال تعالى: { إذا السماء انفطرت . وإذا الكواكب انتثرت. وإذا القبور بعثرت. علمت نفس ما قدمت وأخرت } ( الانفطار / 1-5 ).
وقال تعالى: { إذا السماء انشقت. وأذنت لربها وحقت. وإذا الأرض مدت. وألقت ما فيها وتخلت. وأذنت لربها وحقت } ( الانشقاق / 1-5 ).
ثم تكون الصعقة الثانية فيبعث الله الناس من قبورهم، قال تعالى { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا ما شاء الله . ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيامٌ ينظرون } ( الزمر / 68 ) وذلك بعد أن ترجع الأرواح إلى الأجساد فيقول الكافرون { قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } ( يس / 52 ).
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ” أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى آخذٌ بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور”. رواه البخاري ( 3217 ) ومسلم ( 2373 ).
ثم بعد ذلك يكون الحشر وهو قبل أن يعرض الناس على ربهم ويقفون في المحشر أو الموقف وهو موقف شديد الكرب عصيب.
قال تعالى { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا } ( 85- 86 ).
فيقف الناس كما ولدتهم أمهاتهم حفاة عراة غرلًا.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا، قلت: يا رسول الله ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال صلى الله عليه وسلم: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض “. رواه البخاري ( 6162 ) ومسلم ( 2859 ).
ثم بعد ذلك تأتي شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم للناس للفصل بينهم.
عن أنس قال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم: ” قال إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض فيأتون آدم فيقولون اشفع لنا إلى ربك فيقول لست لها ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن فيأتون إبراهيم فيقول لست لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى فيقول لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتونني فأقول أنا لها فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفع فأقول يا رب أمتي أمتي فيقول انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل فلما خرجنا من عند أنس قلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن وهو متوار في منزل أبي خليفة فحدثناه بما حدثنا أنس بن مالك فأتيناه فسلمنا عليه فأذن لنا فقلنا له يا أبا سعيد جئناك من عند أخيك أنس بن مالك فلم نر مثل ما حدثنا في الشفاعة فقال هيه فحدثناه بالحديث فانتهى إلى هذا الموضع فقال هيه فقلنا لم يزد لنا على هذا فقال لقد حدثني وهو جميع منذ عشرين سنة فلا أدري أنسي أم كره أن تتكلوا قلنا يا أبا سعيد فحدثنا فضحك وقال خلق الإنسان عجولًا ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم حدثني كما حدثكم به وقال ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله فيقول وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله”. رواه البخاري ( 7072 ) ومسلم ( 193 ).
ثم العرض: وهو أن تعرض أفعال الخلأئق على الله تبارك وتعالى وذلك قبل الحساب.
قال تعالى { وعرضوا على ربك صفاً . لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة } (الكهف/ 48 )،{ ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا} ( الكهف / 49 ).
ثم الحساب: وهو مناقشة العبد بسيئاته وحسناته قبل أن ينصرف من المحشر من بين يدي الله تبارك وتعالى فيسأل عن كل شي عن الصغيرة والكبيرة قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ” لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن عمله فيم عمل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ فيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه ؟”. رواه الترمذي ( 2417 ) وصححه .
والمؤمن يعرض الله عليه أعماله عرضًا، فمن ناقشه الله هلك.
عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى { فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب “.
رواه البخاري ( 6172 ) ومسلم ( 2876 ).
غير أن أقوام يدخلون الجنة بغير حساب.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:” خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال عرضت علي الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرهط والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فرجوت أن يكون أمتي فقيل هذا موسى وقومه ثم قيل لي انظر فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل لي انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادًا كثيرًا سد الأفق فقيل هؤلاء أمتك ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب فتفرق الناس ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أما نحن فولدنا في الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله ولكن هؤلاء هم أبناؤنا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال أمنهم أنا يا رسول الله قال نعم فقام آخر فقال أمنهم أنا فقال سبقك بها عكاشة “.
رواه البخاري ( 5378 ) ومسلم ( 220 ).
وهناك تشهد على الكافرين أعضاؤهم.
قال تعالى: { ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون. حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة و إليه ترجعون. وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون } ( فصلت / 19 – 22 ).
ولكن يستر الله على المؤمنين ويناجيهم بحيث لا يطلع أحد على ذنوبهم ويفضح الكافرين فيناديهم على رؤوس الأشهاد فيخبرهم بما صنعوا.
عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذ عرض رجل فقال يا أبا عبد الرحمن أو قال يا ابن عمر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم في النجوى فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” وقال هشام يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا يقول أعرف يقول رب أعرف مرتين فيقول سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم تطوى صحيفة حسناته وأما الآخرون أو الكفار فينادى على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين “. رواه البخاري ( 4408 ) ومسلم ( 2768 ).
أما الميزان: فقد سئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ
هل هو عبارة عن العدل أم له كفتان؟.
فأجاب: الميزان هو ما يوزن به الأعمال وهو غير العدل كما دل على ذلك الكتاب والسنة مثل قوله تعالى:{ فمن ثقلت موازينه } ( الأعراف / 8 )، { ومن خفت موازينه} ( الأعراف / 9 )، وقوله تعالى { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} (الأنبياء / 47 ).
عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده. سبحان الله العظيم”. رواه البخاري ( 6043 ) ومسلم ( 2694 ).
وقال عن ساقي عبد الله بن مسعود: ” لهما في الميزان أثقل من أحد “.
رواه أحمد ( 922 ).
وفي الترمذي وغيره حديث البطاقة وصححه الترمذي والحاكم وغيرهما: وفي الرجل الذي يؤتى به فينشر له تسعة وتسعون سجلًا كل سجل منها مد البصر فيوضع في كفة ويؤتى له ببطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله قال النبي صلى الله عليه وسلم: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة.
وهذا وأمثاله ما يبين أن الأعمال توزن بموازين تبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس فهو ما به تبين العدل والمقصود بالوزن العدل كموازين الدنيا، وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب. ” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 186 ).
* وقال ابن أبي عز الحنفي:
والذي دلت عليه السنة أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان.
” شرح الطحاوية ” ( ص 417 ).
ـ وأما الصراط: فقد قال الإمام ابن أبي الغر الحنفي:
ونؤمن بالصراط وهو جسر على جهنم إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط كما قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، فقال: ” هم في الظلمة دون الجسر ” وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين ويتخلفون عنهم ويسبقهم المؤمنون ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليه وروى البيهقي بسنده عن مسروق عن عبد الله قال: يجمع الله الناس يوم القيامة إلى أن قال: فيعطون نورهم على قدر أعمالهم وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه ومنهم من يعطى دون ذلك بيمينه حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ مرة إذا أضاء قدم قدمه وإذا طفيء قام قال: فيمر ويمرون على الصراط والصراط كحد السيف دحض – مزلة – فيقال لهم امضوا على قدر نوركم فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالطرف ومنهم من يمر كشد الرجل يرمل رملًا فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار فيخلصون فإذا خلصوا قالوا الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك لقد أعطانا ما لم يعط أحد “”. ” شرح الطحاوية ” ( ص 415 ).
والصحيح الراجح أن كل الناس يردون الصراط يوم القيامة ويمرون فوقه وهذا معنى قوله تعالى: { وإن منكم إلا واردها } ( مريم / 71 )، ولذا قال تعالى: {ثم ننجي الذين انقوا ونذر الظالمين فيها جثيًّا } ( مريم / 72 ).
عن جابر بن عبد الله يقول: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها قالت بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت حفصة { وإن منكم إلا واردها } فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله عز وجل { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًّا } “. رواه مسلم ( 2496 ).
وأما الحوض فهو حوض واسع كبير لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أول من يأتي إليه يوم القيامة ثم يتبعه المسلمون ويذاد عنه الكافرون وأهل البدع والضلالة والعصاة والفسقة من المسلمين.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إن حوضي أبعد من آيلة من عدن لهو أشد بياضًا من الثلج وأحلى من العسل باللبن ولآنيته أكثر من عدد النجوم وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه قالوا يا رسول الله أتعرفنا يومئذ قال نعم لكم سيما ليست لأحد من الأمم تردون علي غراًّ محجلين من أثر الوضوء “. رواه مسلم ( 247 ).
* قال الإمام النووي:
قال القاضي عياض رحمه الله: أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض والتصديق به من الإيمان وهو على ظاهرة عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا يختلف فيه. ” شرح مسلم ” ( 15 / 53 ).
ثم بعد ذلك يذهب أصحاب النار إلى النار وأصحاب الجنة إلى الجنة ثم ينادى كل فريق بأنهم مخلدون.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ثم ينادي يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه فيذبح ثم يقول يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة } وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا { وهم لا يؤمنون } “. رواه البخاري ( 4453 ) ومسلم ( 2849 ).
وأما أهل المعاصي من المسلمين فقد أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم سيخرجون من النار.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يقول الله من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه فيخرجون قد امتحشوا وعادوا حمما فيلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل أو قال حمية السيل وقال النبي صلى الله عليه وسلم ألم تروا أنها تخرج صفراء ملتوية “.
رواه البخاري ( 6192 ) ومسلم ( 184 ).
ويجعل الله لأهل الجنة بعد ذلك المقام الدائم الذي لا يزول.
عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قوله عز وجل ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون “. رواه مسلم ( 2837 ).
و هذا ما أثبتناه بتوفيق من الله تعالى عما يكون بعد الموت لكلا الفريقين: أهل الجنة وأهل النار.
والله أعلم.


