التوفيق بين موقف ابن آدم مِن قتل أخيه له مع حديث (وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)

السؤال

هل هناك تعارض بين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) وبين قول هابيل ( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) المائدة/ 28؟ أفتوني مأجورين، بارك الله فيكم، ودمتم للدين خادمين.

الجواب

الحمد لله

هذا سؤال دقيق الملحظ، ورفع الإشكال فيه يكون بمعرفة معنى الآية الكريمة في رد ابنِ آدم المقتول على أخيه.

وقد اختلف المفسرون في سبب قول ابن آدم المقتول ظلما ( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ) فقال بعضهم: إنه لم يكن مأذونا لابن آدم المصول عليه أن يدافع عن نفسه تجاه أخيه الذي أراد قتله بل كان عليه أن يستسلم له، وقال آخرون: إن الأمر ليس كذلك بل السبب في ذلك القول أنه لا يحل له قتل أخيه الذي صرَّح له بأنه سيقتله، ولذا فإن القتل قد حصل غيلة، ولعلَّ هذا السبب أن يكون هو الأرجح، وبه يتبين معنى الآية وأنه ليس فيها دلالة على عدم مدافعة القاتل، وهو ما رجحه إمام المفسِّرين الإمام الطبري رحمه الله حيث قال:

وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه ولم يمانعه ما فَعَل به، فقال بعضهم: قال ذلك إعلاما منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتلَه ولا بسطَ يده إليه بما لم يأذن الله جل وعز له به

وقال آخرون: لم يمنعه مما أراد من قتله وقال ما قال له مما قصَّ الله في كتابه إلا أن الله عزّ ذِكْره فرضَ عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه.

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله عزَّ ذِكْره قد كان حرَّم عليهم قتل نفسٍ بغير نفس ظلما، وأن المقتول قال لأخيه: ” ما أنا بباسط يدي إليك إن بسطت إليّ يدك “؛ لأنه كان حراما عليه مِن قتل أخيه مثلُ الذي كان حراما على أخيه القاتل من قتله، فأمّا الامتناع من قتله حين أراد قتله: فلا دلالة على أن القاتلَ حين أراد قتله وعزم عليه كان المقتول عالما بما هو عليه عازمٌ منه ومحاولٌ من قتله فترك دفعَه عن نفسه، بل قد ذكر جماعة من أهل العلم أنه قتله غِيلةً، اغتاله وهو نائم، فشدَخ رأسه بصخرةٍ، فإذْ كان ذلك ممكنا ولم يكن في الآيةِ دلالة على أنه كان مأمورا بترك منع أخيه مِن قتله: يكون جائزا ادِّعاءُ ما ليس في الآية إلا ببرهان يجب تسليمُه

” تفسير الطبري ” ( 10 / 213 ، 214 ).

ومن قال بخلاف ما رجحه الطبري رحمه الله وقال إن الآية تدل على عدم جواز مدافعة القاتل وأنه ينبغي الاستسلام للقتل: فلا يسعه إلا القول بأن هذا شرع من قبلنا وأنه جاء في شرعنا ما ينسخه، أو يقول إن هذا الأمر يُحمل على أحوال معيَّنة كحال الفتنة العظيمة، وبكلا التخريجين للآية قال طائفة من أهل العلم.

قال أبو بكر الجصَّاص – رحمه الله -:

قوله تعالى ( لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ ) قال ابن عباس: معناه: لئن بدأتني بقتل لم أبدأك به، ولم يُرد أني لا أدفعك على نفسي إذا قصدت قتلي، فروي أنه قتل غيلة بأن ألقى عليه صخرة وهو نائم فشدخه بها، وروي عن الحسن ومجاهد أنه كُتب عليهم إذا أراد رجل قتله أن يتركه ولا يدفعه عن نفسه.

قال أبو بكر: وجائز في العقل ورود العبادة بمثله، فإن كان التأويل هو الأول: فلا دلالة فيه على جواز ترك الدفع عن نفسه بقتل مَن أراد قتله وإنما فيه أنه لا يبدأ بقتل غيره، وإن كان التأويل هو الثاني : فهو منسوخ لا محالة، وجائز أن يكون نسخه بشريعة بعض الأنبياء المتقدمة، وجائز أن يكون نسخه بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم، والذي يدل على أن هذا الحكم غير ثابت في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم وأن الواجب على مَن قصده إنسانٌ بالقتل أن عليه قتله إذا أمكنه وأنه لا يسعه ترك قتله مع الإمكان : قوله تعالى ( وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) الحجرات/ 9 ، فأمَر الله بقتال الفئة الباغية ولا بغيَ أشد من قصد إنسان بالقتل بغير استحقاق، فاقتضت الآية قتل مَن قصد قتل غيره بغير حق.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار مستفيضة ( مَن قُتِلَ دُونَ نَفْسِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) – رواه الترمذي والنسائي وأبو داود بإسناد صحيح من حديث سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه دون قوله ( دُونَ نَفْسِهِ ) -، وروى عبد الله بن الحسين عن عبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ ) – رواه ابن ماجه وهو صحيح – فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الدافع عن نفسه وأهله وماله شهيد، ولا يكون مقتولاً دون ماله إلا وقد قاتل دونه.

” أحكام القرآن ” ( 4 / 45 ).

وأما حمْل الآية على الاستسلام للقتل في الفتنة: فقد قال به طائفة من الحنابلة والشافعية، وهو متوافق مع حديث سَعْد بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ دَخَلَ عَليَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( كُنْ كَابْنَيْ آدَمَ ) وَتَلاَ يَزِيدُ ( لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ ) الآيَةَ. رواه الترمذي ( 2194 ) وصححه، وأبو داود ( 4257 ).

وعليه يُحمل فعل عثمان رضي الله عنه حيث استسلم لقتل الخوارج ولم يقاتلهم، وينبغي تقييد الفتنة – عند من يقول بها – بأنها التي يترتب على المدافعة فيها شَرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة فيها غير مجدية.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقوله ” وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ ” أي: يلزم من صال عليه آدمي أو بهيمة أن يدافع عن نفسه وجوبا؛ لقوله تعالى ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) البقرة/ 195، ومَن استسلم للصائل الذي يريد قتله فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، ووقع فيما نهى الله عنه، ولقوله تعالى ( وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ) البقرة/ 191، فأمر بقتلهم حتى عند المسجد الحرام مع حرمته وتعظيمه، ولقوله عليه الصلاة والسلام ( حين سئل ): أرأيتَ إن قاتلني؟ قال ( قاتله ) – رواه مسلم -، ولأن نفسه محترمة وأمانة عنده، ومسؤول عنها أمام الله، فوجب عليه أن يدافع عنها، ولأنها نفس محترمة، ونفس الصائل نفس معتدية ليس لها حرمة، ومعلوم أنه يجب فداء النفس المحترمة بالنفس المعتدية، وأن تتلف النفس المعتدية لإبقاء النفس المحترمة، فهذه تدل على وجوب المدافعة عن النفس.

فالحاصل: أنه يجب الدفاع عن نفسه، لكن هل يُستثنى من هذا شيء؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم : يُستثنى من ذلك حال الفتنة – نعوذ بالله من الفتنة – إذا اضطرب الناس وافتتنوا وصار بعضهم يقتل بعضا لا يدري القاتل فيما قَتَل ولا المقتول فيما قُتِل، فتنة مائجة، فإنه في هذه الحال لا يلزمه الدفع، واستدلوا بقول النبي – عليه الصلاة والسلام – ( إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ) فقيل: يا رسول الله  أرأيت إن دخل بيتي هل أقتله أم لا؟ قال ( لاَ تَقْتُلْهُ ) – هذان حديثان الأول متفق عليه والثاني رواه الترمذي وأبو داود وقد سبق -، وقال – عليه الصلاة والسلام – ( فَإِنْ بَهَرَكَ شُعَاع السَّيْف فَأَلْقِ رِدَاءَكَ عَلَى وَجْهِكَ ) – رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح – يعني: واستسلم، واستدلوا أيضا بفعل عثمان رضي الله عنه فإن الصحابة طلبوا منه أن يدفعوا عنه الذين خرجوا عليه، ولكنه – رضي الله عنه – أبَى، وقال: ” لا تقاتلوا “، فإذا كانت فتنة: فلا تقاتل.

والصواب: أن الفتنة إذا كان يترتب على المدافع فيها شَرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة لا تجدي لكثرة الغوغاء : ففي هذه الحال لا يجب الدفع، وإلا وجب الدفع لما ذكرت فيما سبق، وتُحمل النصوص الواردة في ذلك على هذه الحال، وكذلك ما ورد عن عثمان رضي الله عنه؛ لأن عثمان رأى أن أهل المدينة لو دافعوا لالتهمهم هؤلاء الخارجون؛ لأنهم عدد كبير لا طاقة لأهل المدينة بمدافعتهم.

ويرى بعض العلماء أنه يلزم الدفع مطلقا، وأن الأحاديث الواردة في ذلك فيما إن كان الإنسان لا يستطيع المدافعة؛ لأن مدافعته إذا كان لا يستطيع: لا فائدة منها .

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 14 / 389 – 391 ).

وبما ذكرناه يتبين معنى الآية الكريمة وأنها إما أنها غير دالة على المنع من المدافعة، أو أنها تحمل على المنع فتكون منسوخة، وأنه لا يصح الاستدلال بها إلا على حالة الفتنة العظيمة التي يُعجز عن ردها، وهذا عند بعض العلماء، وأما الجمهور فيخالفون في ذلك ويوجبون مدافعة الفتنة بالقتال.

 

 

والله أعلم.

 

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة