السؤال
سمعت من خطيب الجمعة أن الله لا يغفر لمن يتجرأ ويخبر أصحابه بالذنب الذي فعله وستره الله. واستشهد في ذلك بحديث نبوي فهل هذا صحيح؟ أعتقد أن الله يغفر الذنوب جميعا. والحق أنني أصبت باليأس فأرجو إجابتي بسرعة فإن هذا الأمر يضايقني جدًّا.
الجواب
الحمد لله
- أما أن الله تعالى يغفر الذنوب جميعا: فصحيح لكن في الدنيا، وبشرط الإتيان بما يكفر الذنوب.
قال تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم } ( الزمر 53 ).
– والصغائر تكفرها الطاعات واجتناب الكبائر.
أ. قال الله تعالى { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا } ( النساء / 31 ).
ب. عن ابن مسعود: أن رجلًا أصاب مِن امرأة قُبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله عز وجل { أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات } ( هود / 114 )، فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: لجميع أمتي كلهم “. رواه البخاري ( 503 ) ومسلم ( 2763 ).
ج. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” الصلاة الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر “.
رواه مسلم ( 233 ).
والأمثلة على الطاعات المكفرة للصغائر كثيرة، كالصيام، والقيام، والوضوء، وغير ذلك.
– والكبائر تكفرها الحدود، والتوبة الصادقة، وغير ذلك.
- عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال – وحوله عصابة من أصحابه -: ” بايِعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمَن وفَّى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب مِن ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا: فهو كفارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك “. رواه البخاري ( 18 ) ومسلم ( 1709 ).
ومعنى ” فعوقب به في الدنيا “: أي: أقيم عليه الحد.
- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال له: هل من توبة, قال: لا, فقتله فجعل يسأل فقال له رجل ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له “. رواه البخاري ( 3283) ومسلم (2766).
– وأما إذا مات صاحب الذنب على ذنوبه، فإن كان منها الشرك: فإن الله لا يغفره في الآخرة، وإن كان مما هو دونه فصاحبه تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
أ. قال الله تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، الآية.
ب. عن ابن عمر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه تعرف ذنب كذا يقول أعرف يقول رب أعرف مرتين فيقول سترتها في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم تطوى صحيفة حسناته وأما الآخرون أو الكفار فينادى على رءوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين “. رواه البخاري ( 4408 ) ومسلم ( 2768 ).
كنفه: ستره.
- وأما يأسك من أن يغفر الله ذنوبك : فهذا لا يجوز من المسلم.
- قال تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم } ( الزمر / 53 )، ويقول: {ورحمتي وسعت كل شيء ….} ( الأعراف / 156 ).
- عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها”. رواه مسلم ( 2759 ).
- وأما تحدثك بذنبك ومجاهرتك به أمام أصحابك: فحرام وهو من كبائر الذنوب، وهو باب من الأبواب الموصلة إلى الكفر، لأنه يؤدي بصاحبه إلى تحليل ما حرَّم الله أو الاستهزاء بالذنب وتحريمه.
عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه “. رواه البخاري ( 5721 ) ومسلم ( 2990 ).
قال الشيخ ابن عثيمين حفظه الله:
هناك قسم ثالث فاسق مارد ماجن، يتحدث بالزنى افتخاراً والعياذ بالله، يقول: إنه سافر إلى البلد الفلاني، وإلى البلد الفلاني، وفجر وفعل وزنى بعدة نساء، وما أشبه ذلك، يفتخر بهذا.
هذا يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن الذي يفتخر بالزنى مقتضى حاله أنه استحل الزنى والعياذ بالله، ومن استحل الزنى فهو كافر.
” شرح رياض الصالحين ” ( 1 / 116 ).
وعليه:
فإنا ننصحك بالتوبة الصادقة، وأنك إذا ابتليت بشيء من الذنوب أن لا تجهر وتفاخر بها، بل ينبغي أن تستشعر عظمة من عصيت، وأن لا يصيبك اليأس والقنوط من رحمة الله.
– وفقنا الله وإياك لما فيه رضاه.
والله أعلم.


