هل سيكون في الجنة ذنوب وفي حال النفي كيف نرد على معصية آدم فيها؟
السؤال
لديَّ سؤال وأتمنَّى أن لا يكون مِن سوء الأدب مع الأنبياء, وإن كان كذلك فسؤالي ما هو إلا لأرشد وأتعلم وأتلقى النصح, السؤال يقول: إن شاء الله عندما ندخل الجنة والفردوس الأعلى بإذن الله وبوجود النعيم وعندما نحبر بالجنة ونتمتع بما جازانا الله: هل سوف نذنب؟! آدم عليه السلام أكل مِن الشجرة وخرج من الجنة, فهل ما فعله آدم عليه السلام يعتبر ذنبا؟، أثق أنها حكمة الله بأنه أكل منها وهبط, ولكن سؤالي الذي أريد أن أصل لإجابته دون المساس أو التجرؤ على الأنبياء هل في الجنة سنذنب أم أن ما حدث خاص بسيدنا آدم كما أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع خاص به؟ وأرجع وأقول: أثق – بإذن الله – أنه من حكمة الخالق سبحانه، ولكني أحتاج لمن يعينني على أن أجد هذه الإجابة, والجنة هي الخلود، إذا بها الكماليات، وهي عالم المثُل بما أنها كذلك، هذا إن صح قولي ولم أخطئ بقولي, هل نقول إنه لا ذنب في الجنة؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
لا بأس أن يسأل المسلم عما يتعلق بدينه من أحكام وحكَم وتشريعات، والمهم في ذلك أن يبتعد عن التكلف المذموم وأن يجتنب ما لا طائل تحته من المسائل، مع التزام الأدب في العبارة واستعمال جميل الألفاظ في الكلام، ونراك – أخي السائل – من هذا الصنف من الناس ونرجو أن تنعم بزيادة في الأدب وأن تغنم بمزيد من العلم.
ثانيا:
اعلم – أولا – أن العلماء غير مختلفين في كون أبينا آدم عليه السلام قد عصى ربَّه تعالى بأكله من الشجرة التي نهيَ عن الأكل منها، وقد صرَّح الله تعالى بذلك فقال ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) طه/ 121، ثمَّ بيَّن أنه عليه السلام قد تاب وأن الله تعالى قد هداه واجتباه فقال تعالى – بعدها – ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) طه/ 122.
قال الشيخ الشنقيطي – رحمه الله – :
المعصية خلاف الطاعة، فقوله ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) أي: لم يطعه في اجتناب ما نهاه عنه مِن قُربان تلك الشجرة.
وقوله ( فَغَوَى ) الغي: الضلال، وهو الذهاب عن طريق الصواب، فمعنى الآية: لم يُطِع آدمُ ربَّه فأخطأ طريق الصواب بسبب عدم الطاعة.
” أضواء البيان ” ( 4 / 116 ).
وقال – رحمه الله -:
ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء: فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله حتى يبلغوا بذلك درجة أعلى مِن درجة مَن لم يقع منه ذلك، كما قال هنا ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) ثم أتبع ذلك بقوله ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ). ” أضواء البيان ” ( 4 / 105 ، 106 ).
لكنَّ العلماءَ مختلفون في كون ذلك كان في جنة الخلد التي أعدَّها الله تعالى للمتقين أو أن تلك جنة من جنان الدنيا، والصحيح المختار: أن آدم عليه السلام كان في جنة الخلد نفسها، وأنه قد أهبط منها بعد أن عصى ربَّه تعالى، وهو قول جمهور سلف الأمة، وقد نقل بعضهم الإجماع على ذلك، ولكنَّ الإجماع لا يثبت.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
و” الجنَّة ” التي أُسكنها آدم وزوجته عند سلف الأمة وأهل السنَّة والجماعة : هي جنة الخلد.” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 347 ).
والأدلة في المسألة يطول ذِكرها وشرحها، ويمكن النظر فيها في أول كتاب ” مفتاح دار السعادة ” لابن القيم رحمه الله تعالى، ولولا أن المسألة تتعلق بفهم آيات وأحاديث من الوحي لقلنا هي مسألة لا طائل من البحث فيها وأنها من ترف العلم، هذا مع أن طائفة مِن العلماء يراها كذلك أصلا.
ثالثا:
إنَّ جنَّة الخلد التي وعد الله تعالى بها عباده المتقين ليس فيها ما في الدنيا من آفات ومنغصات فضلا أن يكون فيها شيء من المعاصي والذنوب، وإن الله تعالى يطهِّر قلوب عباده قبل دخولها فيها ليجعلهم متوافقين مع جنته دار السلام.
قال تعالى ( لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ ) الطور/ 23.
قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:
واللغو: سِقْط الكلام والهذيان الذي يصدر عن خلل العقل.
والتأثيم: ما يؤثَّم به فاعله شَرعا أو عادة من فعل أو قول، مثل الضرب والشتم وتمزيق الثياب وما يشبه أفعال المجانين من آثار العربدة مما لا يخلو عنه الندامى غالباً، فأهل الجنة مُنزَّهون عن ذلك كله؛ لأنهم من عالم الحقائق والكمالات فهم حكماء علماء. ” التحرير والتنوير ” ( 27 / 54 ).
وقال تعالى: ( لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا . جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ) النبأ/ 35 ، 36.
قال ابن كثير – رحمه الله -:
أي: ليس فيها كلام لاغٍ عَارٍ عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل ما فيها سالم من النقص.
” تفسير ابن كثير ” ( 8 / 308 ).
ولا يرِد على هذا ما حصل في الجنة التي كان فيها آدم من معصية أكله من الشجرة أو من كذب إبليس على آدم حين أقسم له أن الشجرة الممنوعة عليه هي شجرة الخلد؛ لأن الجنة التي ليس فيها شيء من هذا إنما هي جنة الخلد بعد البعث ودخول المستحقين لها، لا ما كانت قبل ذلك.
قال ابن حزم – رحمه الله – رادّا على القاضي منذر بن سعيد في كون جنة آدم ليست هي جنة الخلد نفسها -:
واحتج أيضا بأن جنة الخلد لا كذب فيها وقد كذب فيها إبليس، وقال: مَن دخل الجنة لم يخرج منها وآدم وامرأته عليهما السلام قد خرجا منها.
قال أبو محمد – أي: ابن حزم -: كلُّ هذا لا دليل له فيه … وأما قوله ” إن الجنة لا كذب فيها وأن مَن دخلها لم يخرج منها وآدم وامرأته قد خرجا منها: فهذا لا حجة له فيه، وإنما تكون كذلك إذا كانت جزاءً لأهلها كما أخبر عز وجل عنها حيث يقول ( لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً ) فإنما هذا على المستأنف لا على ما سلف، ولا نص معه على ما ادَّعى ولا إجماع. ” الفصل في الملل والأهواء والنحل ” ( 4 / 69 ).
والخلاصة: أنه وقع ذنب من أبينا آدم عليه السلام، وأن معصيته تلك كانت في الجنة التي في السماء، وأنه لن يكون في جنة الخلد بعد البعث معصية ولا لغو ولا إثم، بل هي دار السلام، ونسأل الله أن يدخلنا جميعاً إيّاها بفضله وكرمه.
والله أعلم.


