دائم الشك في الصلاة
السؤال
دائمًا أكون في شك وأنا أصلي، هل قرأت الفاتحة؟ هل ركعت؟ هل سجدت؟
أحاول قدر المستطاع أن أركز ولكنني دائمًا في شك في صلاتي, فأرجو التوجيه؟
الجواب
الحمد لله
الوسوسة في العبادات وخارجها من الشيطان يحاول إفساد هذه العبادات على أصحابها، والواجب على المسلم أن يجاهد شيطانه، ويتخذه له عدوًّا، وأن يحاول أن لا يسهو في صلاته ولا يبعد في فكره عن ربه حيث أنه حين يبدأ الصلاة بقوله : الله أكبر ؛ فإن كل شيء يصغر في نظره وعندما يرفع يديه في تكبيرة الإحرام فكأنما رمى الدنيا وراء ظهره.
* يقول ابن القيم واصفاً حال المسلم الذي يدخل في صلاته:
وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ المقصود منه استحضار هذا المعنى وتصوره سر عظيم يعرفه أهل الحضور المصلون بقلوبهم وأبدانهم فإن العبد إذا وقف بين يدي الله عز وجل وقد علم أن لا شيء أكبر منه وتحقق قلبه ذلك وأشربه سره استحي من الله ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يشغل قلبه بغيره وما لم يستحضر هذا المعنى فهو واقف بين يديه بجسمه وقلبه يهيم في أودية الوساوس والخطرات، وبالله المستعان، فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلب هذا لما اشتغل عنه وصرف كلية قلبه إلى غيره كما أن الواقف بين يدي الملك المخلوق لما لم يكن في قلبه أعظم منه لم يشغل قلبه بغيره ولم يصرفه عنه صارف.
” حاشية ابن القيم على تهذيب سنن أبي داود ” ( 1 / 63 – 64 ).
فالوساوس التي تشغلك عن الصلاة هي من كيد إبليس اللعين يريد منك أن تمل الصلاة وتهجرها ليحقق غايته التي يريد أن تكون عند كل مخلوق، ولا يرد كيد الشيطان عنك إلا الذي خلقه ويعلم سره وأمره فاهتف بربك ووكل الأمر إليه فهو يعصمك من شره، فعليك بالدعاء والاستعانة بمن لا تضيع شفاعته.
* قال القرطبي:
وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سوَّل لك الخطايا؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده، قال: هذا يطول، أرأيتَ لو مررت بغنمٍ فنبحك كلبها ومنع من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي، قال: هذا يطول عليك، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك.
” تفسير القرطبي ” ( 7 / 348 ).
وأنت يا أخي – ولله المثل الأعلى – استغث بالذي خلق الشيطان يكفك الشيطان وكيده ويرده عنك بإذن الله تعالى.
* يقول الإمام ابن كثير في تفسير الاستعاذة:
قال الله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } [ الأعراف / 199 – 200 ]، وقال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون } [ المؤمنون / 96 – 97 ]، وقال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } [ فصلت / 34 – 36]. فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليرده عنه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة ويأمر بالاستعاذة به من العدو الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل كما قال تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } [ الأعراف / 27 ]، وقال تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } [ فاطر / 6 ]، وقال: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلًا } [ الكهف / 50 ]، وقد أقسم للوالد آدم عليه السلام أنه له لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال:{ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } [ ص / 82 -83 ]، وقال تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } [ النحل / 98 – 100 ]. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 13 – 14 ).
والشيطان الذي يأتي الناس في صلواتهم سمَّاه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم وعرفنا به وحذرنا منه واسمه ” خنزب “.
عن عثمان بن أبي العاص : ” أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوَّذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني ” .رواه مسلم ( 3203 ).
والتفل: هو البصاق الخفيف من غير ريق.
فالعلاج الناجع في التخلص من الشيطان كما علمنا الإمام ابن كثير من الآيات السابقة هو الاستعاذة من الشيطان ومن كيده.
* يقول المناوي – ناقلاً أقوال بعض السلف واصفاً حال الذين يوسوسون في الوضوء -:
قال الغزالي: من وهن علم الرجل ولوعه بالماء الطهور، وقال ابن أدهم: أول ما يبدأ الوسواس من قبل الطهور، وقال أحمد: من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء، وقال المروزي: وضأت أبا عبد الله بن العسكري فسترته من الناس لئلَّا يقولوا لا يحسن الوضوء لقلة صبه الماء: وكان أحمد يتوضأ فلا يكاد يبل الثرى ومن مفاسد وسواس الماء شغل ذمته بالزائد على حاجته فيما لو كان لغيره كموقوف أو نحو حمام فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد حتى يحكم بينه وبين صاحبه رب العباد انتهى. ” فيض القدير ” ( 2 / 503 ).
* وقال الشيخ صديق خان – في وصف حال الموسوسين في الوضوء – أيضًا -:
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم حدوث الشكوك في الطهارات فيما يأتي من الزمان وأطلعه الله على ما يأتي به المصابون بالوسوسة من التأويلات التي ليس لها في الشريعة أساس: أوضح هذا المعنى إيضاحاً ينهدم عنده كل ما بنوه على قنطرة الشك والخيال فقال: ” إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما”.
فانظر هذه العبارة الهادمة لكل شك، فإنه أولًا بين لهم أنهم إذا وجدوا النجاسة في النعلين وجودًا محققًا فعلوا المسح بالأرض، ثم أمرهم بالصلاة في النعلين ليعلموا بأن هذه هي الطهارة التي تجوز الصلاة بعدها، ثم ترى أحدهم يلعب به الشيطان حتى يصير ما هو فيه نوعاً من الجنون فيغسل يده أو وجهه مرة بعد مرة حتى يبلغ العدد إلى حد يضيق عنه الحصر، مع دلك شديد وكلفة عظيمة واستغراق للفكر وهو يعلم بأن ذلك العضو لم تصبه نجاسة مغلظة ولا مخففة . فلا يزال في تعب ونصب ومزاولة لا يشك من رآه أنه لم يبق عنده من العقل بقية، ثم إذا فرغ من العضو الأول بعد جهد جهيد شرع في العضو الثاني ثم كذلك، وكثير منهم من يدخل محل الطهارة قبل طلوع الفجر ولا يخرج إلا بعد طلوع الشمس فما بلغ الشيطان هذا المبلغ من أحد من العصاة لأنه عذب نفسه في معصية لا لذة فيها للنفس ولا رفعة للقدر، وصار بمجرد مجاوزة الثلاث الغسلات كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في من تجاوزها : ” فقد أساء وتعدى وظلم ” فجمع له صلى الله عليه و سلم بين هذه الثلاثة الأنواع ثم لم يقنع منه لهذا حتى صيره تاركاً للفريضة التي ليس بين العبد إلا تركها. …فانظر كيف صار هذا الموسوس بنص الرسول صلى الله عليه و سلم مسيئًا متعديًا ظالمًا كافرًا إذا بلغ إلى الحد الذي ذكرناه …” الروضة الندية ” ( 1 / 41 – 43 ).
واعلم – يا أخي – أنا قد سمعنا عمن أخرجته الوساوس من دينه، حتى إنه من كثرة تكراره للوضوء شتم الدين وعزم على ترك الوضوء ثم الصلاة.
فلا تكن مثل هذا الخاسر وادخل في الصلاة بخشوع وطمأنينة واستعذ من الشيطان ثم الله تعالى يعصمك من كيده وضلالاته.
ونسأل الله الهداية لنا ولك.
والله أعلم.


