لماذا يجعل الله بعض الأقدار غامضة؟
السؤال
لقد هُديت إلى الدين الإسلامي منذ فترة قصيرة وأنا في راحة عظيمة عندما أعرف الله وأعرف أن الله معنا دائمًا، على الرغم من ذلك لقد اندهشت جدًّا عندما سمعت اصطدام الطائرة، لم أستطع التوقف عن البكاء، إنني لم أفهم لما يجعل الله الأشياء بذلك الغموض. إنني أشعر بأننا كبشر بالفعل لا نملك السيطرة على حياتنا “(معيشتنا ) عندما أكن في موقفٍ صعبٍ غالبًا أدعوا الله حتى يساعدني لاجتياز هذا الوقت العصيب، أحيانًا أشعر أن دعواتي مستجابة وأن الله قريب مني جدًّا في حين أن أوقاتاً أخرى أشعر أنه ( عز وجل ) بعيدٌ عنا كثيرًا إن الدعوات إلى الله هي الطريقة الوحيدة لي حتى أشعر بالراحة من ( العظيم ) ولكنني لا زلت لا أفهم لما تلك المحزنة التي حدثت، شكرًا على صبركم لقراءة سؤالي والسلام.
الجواب
الحمد لله
- الحمد لله على إسلامك – أخي السائل – وهذا من فضل الله عليك وعلى الناس أن جعلهم مسلمين، ثم الحمد لله على شعورك بمعية الله تعالى التي بها تطمئن القلوب وتستقيم الأعمال.
- اعلم أن البلاء ينزله الله تعالى على الناس ليميزهم فيعلم الصابر المحتسب ويعلم القانط الذي يسخط على قضاء الله تعالى فيجزي الصابرين الجنة ويجزي القانطين عذاباً وهمًّا وألماً في الدنيا قبل الآخرة.
- وما اصطدام الطائرة التي سميتَ إلا مِن هذا، فالذين على متنها إما يكونوا من أهل الدين وهذا بلاء الله بهم ليصبروا ويصبر أهلوكم وينالوا محبة الله ومغفرته، وإما أن يكون فيهم الكافر والفاسق غير المطيع لربه فيكون عقاباً لهم.
ويجب علينا ألا نحزن إذا وقع البلاء والمصاب بالكافرين بل يجب علينا أن نفرح لأن الله تعالى قد أذهب عنا بموتهم شرورهم.
- وليس في الأمر غموض كما قلتَ، بل هو قَدَرُ الله واقع في كل لحظة وساعة يجب علينا أن نتوقعه وأن نصبر عليه وألا يذهب بنا الحُزن كلَّ مذهب؛ لأن في سقوط هذه الطائرة آية للناس ليتفكروا بعظيم قدرة الله ومعجزته التي تبلغ كل مبلغ.
قال تعالى: { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام. إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور. أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير. ويعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص. فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون } [ الشورى / 32-36 ].
- واعلم أن الله قريب يجيب دعوة المضطر وليس الله ببعيد عن أحد، والله تعالى لا يبعد عن الإنسان إلا إذا أبعد هو عن الله تعالى ونأى بجانبه.
قال تعالى:{ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } [ البقرة / 186 ].
- ولا يشعر أحد ببعد الله تعالى عنه إلا لأنه خرب ما بينه وبين الله، فإن أصلح ما بينه وبين ربه فإنه لا يشعر بتلك المحزنة ولا بذلك البعد.
- وإنَّ الحزن الذي أحل بك والوحشة التي أغلقت قلبك هي من الشيطان الرجيم الذي يحب أن يرى المسلين حزانى مكسوري الجناح ولا يحب أن يراهم نشيطين للطاعة فهو يحب أن يخربوا ما بينهم وبين ربهم.
* قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -:
قال تعالى:{ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم }، قال تعالى: { خذ العفو وأْمُر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم }، وقال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون. وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون }، وقال تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها, وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليردعه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة من العدو الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل، كما قال تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الحنة }، وقال تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًّا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير }، وقال:{ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلًا }، وقد أقسم للوالد آدم عليه السلام أنه له لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال: { فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين }، وقال تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون }. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 14 ).
فارجع إلى الله لعل قلبك يصفو وتثبت محبته في قلبك وترتاح من هم الشيطان والحزن الذي يختلج في نفسك ونسأل الله لنا ولك الثبات والمغفرة.
والله أعلم.


