أسئلة عن أحكام المسبوق في الصلاة
السؤال
عندما نلحق بالجماعة في الركعة الثالثة أو الرابعة فهل يجب أن نقرأ سورة بعد الفاتحة حين نقضي الركعات الفائتة؟
- الكثير من الناس لا يعرفون بأنه من السنة أن نحاذي بين المناكب والأقدام ويتركون فُرجات بينهم فإلى أي حد يمكن أن نفرّج بين القدمين لنملئ الفراغ ونسد الفرجة؟ وإذا أردنا أن نسوي الصف فهل ينظر أحدنا إلى يمينه ويبدأ بالتسوية أم إلى الشمال؟
- ذكرت في جوابك بأننا يجب أن نرفع أيدينا بعد الرفع من الركعة الثانية، إذا لحقنا بالجماعة متأخرين، فأي ركعة تُعتبر الثانية بالنسبة لنا؟ إذا لحقنا بالجماعة في الركعة الثانية فهي الثانية بالنسبة للجماعة ولكنها الأولى بالنسبة لي.
- ما هو موضع اليدين بعد الرفع من الركوع؟ شاهدت بعض الناس يضعونهم على الصدر والبعض يسدل يديه.
الجواب
الحمد لله
1 . قراءة القرءان بعد الفاتحة في الصلاة ليس بواجب لا في الفرض ولا في النافلة، ولا في الجهر، ولا في السر، ولا لمسبوق، ولا لغيره.
* عن عطاء قال:
قال أبو هريرة: في كل صلاة قراءة، فما أسمعَنا النبي صلى الله عليه وسلم أسمعْناكم، وما أخفى منا أخفيناه منكم، ومن قرأ بأم الكتاب فقد أجزأت عنه ومن زاد فهو أفضل. رواه البخاري ( 738 ) وعنده ” وإن زدت فهو خير “، ومسلم ( 396).
* قال النووي:
قوله: ” ومن قرأ بأم الكتاب أجزأت عنه، ومن زاد فهو أفضل “: فيه دليل لوجوب الفاتحة، وأنه لا يجزى غيرها.
وفيه استحباب السورة بعدها، وهذا مجمع عليه في الصبح والجمعة والأولييْن من كل الصلوات وهو سنة عند جميع العلماء، وحكى القاضي عياض رحمه الله تعالى عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة وهو شاذ مردود.
وأما السورة في الثالثة والرابعة فاختلف العلماء هل تستحب أم لا وكره ذلك مالك رحمه الله تعالى واستحبه الشافعي رضي الله عنه في قوله الجديد دون القديم والقديم هنا أصح.” شرح مسلم ” ( 4 / 105 ، 106 ).
* وقال الشيخ ابن عثيمين ـ حفظه الله ـ:
وقراءة السورة على قول جمهور أهل العلم سنة وليست واجبة لأنه لا يجب إلا قراءة الفاتحة.” الشرح الممتع ” ( 3 / 103 ).
وعليه: فإن ما أدركته مع الإمام هو أول صلاتك على قول الجمهور، ولا يجب قراءة شيء بعد الفاتحة سواء كنت مع الإمام من أول صلاته أو كنت مسبوقًا.
2 . يجب على المسلمين أن يرصوا صفوفهم وأن يسدوا الفرج بينهم وذلك يكون بوضع المنكب على المنكب والقدم على القدم.
عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري “. رواه البخاري ( 686 ) ومسلم ( 425 ).
وعن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفًا وصله الله ومن قطع صفًا قطعه الله . . .”.
* قال أبو داود: ومعنى ولينوا بأيدي إخوانكم إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يدخل فيه فينبغي أن يلين له كل رجل منكبيه حتى يدخل في الصف.
أبو داود ( 666 ) والنسائي (819 ).
– ويكون مدى ذلك بمقدار وضع المناكب على المناكب والأقدام على الأقدام.
عن النعمان بن بشير يقول: ” أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه فقال: أقيموا صفوفكم ثلاثًا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال: فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه “. رواه أبو داود ( 662 ) وصححه ابن حبان ( 396 ).
أما كيف يكون ذلك عن اليمين أو الشمال؟ فالأحسن أن يكون الناس على يمين الإمام.
* عن البراء قال:
” كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه قال فسمعته يقول رب قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك ” .رواه مسلم ( 709 ).
* قال الشيخ ابن باز ـ رحمه الله ـ:
قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن يمين كل صف أفضل من يساره، ولا يشرع أن يقال للناس: اعدلوا الصف، ولا حرج أن يكون يمين الصف أكثر حرصًا على تحصيل الفضل.
أما ما ذكره بعضهم من حديث: ” من عمر مياسر الصفوف فله أجران “: فلا أعلم له أصلًا، والأظهر أنه موضوع وضعه بعض الكسالى الذين لا يحرصون على يمين الصف أو لا يسابقون إليه والله الهادي إلى سواء السبيل.
فتاوى إسلامية ( 1 / 223 ).
أما الفرجة بين القدمين فإنها تكون بقدر المسافة بين المنكبين، ولا ينبغي للمصلي أن يزيد في الفرجة، فإنه كلما زاد تباعد إلصاق المنكب بالمنكب، والتراص في الصف يكون في إلصاق القدم بالقدم والكتف بالكتف.
* قال الشيخ بكر أبو زيد:
ومن الهيئات المضافة مجدَّدًا إلى المصافة بلا مستند: ما نراه من بعض المصلين من ملاحقته مَن على يمينه إن كان في يمين الصف، ومَن على يساره إن كان في ميسرة الصف، وليِّ العقبين ليُلصق كعبيه بكعبي جاره.
وهذه هيئة زائدة على الوارد، فيها إيغال في تطبيق السنة، وهي هيئة منقوضة بأمرين:
الأول: أن المصافَّة هي مما يلي الإمام، فمن كان على يمين الصف: فليصافَّ على يساره مما يلي الإمام، وهكذا يتراصُّون ذات اليسار واحدًا بعد واحد على سمت واحد في تقويم الصف، وسد الفُرَج، والتراص والمحاذاة بالعنق، والمنكب، والكعب، وإتمام الصف الأول فالأول.
أما أن يلاحق بقدمه اليمنى – وهو في يمين الصف – مَن على يمينه، ويلف قدمه حتى يتم الإلزاق: فهذا غلط بيِّن، وتكلف ظاهر، وفهم مستحدث فيه غلو في تطبيق السنة، وتضييق ومضايقة، واشتغال بما لم يشرع، وتوسيع للفُرَج بين المتصافين.
يظهر هذا إذا هوى المأموم للسجود، وتشاغل بعد القيام لمَلْأ الفراغ، وليِّ العقب للإلزاق، وتفويت لتوجيه رؤوس القدمين إلى القبلة.
وفيه ملاحقة المصلي للمصلي بمكانه الذي سبق إليه، واقتطاع لمحل قدم غيره بغير حق. وكل هذا تسنُّن بما لم يشرع. ” لا جديد في أحكام الصلاة ” ( 12 ، 13 ).
3 . ما أدركه المسبوق هو أول صلاته، وعليه فلا يرفع يديه بعد ثانية الإمام إذ هي أولى بالنسبة له.
4 . بعض العلماء يرى وضع الأيدي على الصدور بعد الرفع من الركوع وبعضهم يرى السدل ويرى أن القبض على الصدر من البدع.
ودليل الأولين: حديث علقمة بن وائل عن أبيه: ” أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه “.
رواه النسائي في السنن ( 877 ).
* قالوا:
هذا الحديث عام لا مخصص له فلفظ ” قام ” لفظ عام يكون في القيام من الركوع كما أنه يكون في القيام للصلاة ابتداءًا.
* وقالوا:
إن الأحاديث الدالة على أنه ” كان إذا قام في القيام الأول قبض “: لا تخصص عموم الحديث، مثل حديث وائل بن حجر قال: ” قلت لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه ثم أخذ شماله بيمينه فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك . . . ” رواه النسائي ( 1265 ): لأن ذكر بعض أجزاء العام لا يدل على اقتصار هذا الجزء دون غيره.
واستدلوا بحديث عن رفاعة بن رافع الزرقي وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” جاء رجل ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد فصلى قريبًا منه ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعد صلاتك فإنك لم تصل، قال: فرجع فصلى كنحو مما صلى ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أعد صلاتك فإنك لم تصل، فقال: يا رسول الله علمني كيف أصنع؟ قال: إذا استقبلت القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك ومكن لركوعك فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها وإذا سجدت فمكن لسجودك فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة “. رواه أحمد ( 18516 ) والترمذي ( 302 ) والنسائي (1136 ) وأبو داود ( 856 )، واللفظ لأحمد.
والشاهد في الحديث عندهم ” حتى ترجع العظام إلى مفاصلها “.
وردَّ الآخرون على الحديث الأول بأنه مخصوص كما أسلفنا.
وردوا على الحديث الثاني: بأن المقصود منه هو الاطمئنان.
– والراجح هو القول الأول لأن الحديث الأول عام لا مخصص له كما أسلفنا، وهو ما يفتي به الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله والشيخ ابن عثيمين وغيرهما.
* قال الشيخ ابن عثيمين:
ولكن الذي يظهر أن السنَّة هو وضع اليمنى على ذراع اليسرى لعموم حديث سهل بن سعد الثابت في البخاري ” كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة ” فإنك إذا نظرت لعموم هذا الحديث ” في الصلاة ” ولم يقل في ” القيام ” تبيَّن لك أن القيام بعد الركوع يشرع فيه الوضع؛ لأنَّ الصلاة اليدان فيها حال الركوع: تكون على الركبتين، وفي حال السجود: على الأرض، وفي حال الجلوس: على الفخذين، وفي حال القيام – ويشمل ما قبل الركوع وما بعد الركوع -: يضع الإنسان يده اليمنى على ذراعه اليسرى، هذا هو الصحيح. ” الشرح الممتع ” ( 3 / 146 ). وفي الاستدلال بالحديث الثاني نظر لا يخفى.
والله أعلم.


