نماذج من تفكر وتأمل النبي صلى الله عليه وسلم
السؤال
هل كان يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بالتأمل والتفكر في الأشياء مِن حوله؟ وإن كان فَعَل فكيف كان يقوم بذلك؟ فليس بالطبع على طريقة الصوفية أو الهندوس وما شابههم.
الجواب
الحمد لله
- عُرف النبي صلى الله عليه وسلم بالتفكر والتأمل فيما حوله حتى قبل أن يوحى إليه! ولذا فقد استعان على ذلك بالخلوة، حتى يفرغ قلبه من الشواغل ليقوى تأمله وتفكره فيما حوله من عبادة الناس لأصنام يصنعونها بأيديهم، ولسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وغير ذلك مما يراه المقيم في مكان مرتفع.
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: ” أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِى النَّوْمِ فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ “.
رواه البخاري ( 2 ) ومسلم ( 160 ).
قال النووي – رحمه الله -:
أما ” الخلاء ” فممدود، وهو الخلوة، وهي شأن الصالحين وعباد الله العارفين، قال أبو سليمان الخطابى رحمه الله: حُببت العزلة إليه صلى الله عليه وسلم لأن معها فراغ القلب، وهي معينة على التفكر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويتخشع قلبه. ” شرح مسلم ” ( 2 / 198 ).
- ثم أكرم الله تعالى نبيَّه بالنبوة والرسالة إلى عموم الخلق، وأنزل عليه كتابه الكريم، فاستغنى عن ذلك الغار، ولم ينقطع عن التأمل والتفكر، ولكن انتقل بتأمله وتفكيره إلى ما يأمره به ربه من أشياء، وإلى ما بعد الحياة الدنيا من أحوال وأهوال.
- وقد أمر الله تعالى بالتفكر في آياته الكونية، وأثنى على عباده الذين يفعلون ذلك، وذمَّ من عطَّل قلبه وعقله عن ذلك التفكر، ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم نصيب من القيام بذلك التفكر في تلك الآيات على أتم وجه.
قال ابن القيم – رحمه الله -:
الله تعالى أكثر ذِكر الأرض في كتابه، وأخبر عن منافعها وخلقها، وأنه جعلها مهادًا وفراشًا، وبساطًا وقرارًا، وكفاتًا للأحياء والأموات، ودعا عباده إلى التفكر فيها والنظر في آياتها وعجائب ما أودع فيها. ” بدائع الفوائد ” ( 4 / 950 ).
وهكذا كان الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، وله في ذلك مواقف عملية مشهودة، منها:
أ. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. رواه البخاري ( 4293 ).
ب. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان ليلة من الليالي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي ) قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما سرَّك قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي قالت: فلم يزل يبكي حتى بلَّ حجره قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، فجاء بلال يُؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: ( أفلا أكون عبدا شكورًا لقد نزلت عليَّ الليلة آية ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) الآية كلها – آل عمران/ 190 -. رواه ابن حبان في ” صحيحه ” ( 2 / 386 ) وحسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 68 ).
- وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزدادُ تفكرًا وتأملًا في آيات الكون حين يحدث فيها تغيير، كعصف الريح، وظهور الغيم، وحدوث الكسوف والخسوف، فيظهر أثر ذلك عليه، فيتغير لونه، ويُعرف ذلك في وجهه صلى الله عليه وسلم، وله في ذلك مواقف عملية مشهودة، منها:
أ. عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَى النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عَرَفْتُ فِى وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةَ، قَالَتْ: فَقَالَ ( يَا عَائِشَةُ مَا يُؤَمِّنُنِى أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) ).
رواه البخاري ( 4551 ) ومسلم ( 899 ).
وعند مسلم ( 899 ):
قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ ( لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ ( فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ) ). رواه مسلم ( 899 ).
– تخيلت: هي سحابة فيها رعد وبرق يخيل إليه أنها ماطرة.
قال النووي – رحمه الله -:
فيه الاستعداد بالمراقبة لله والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه وكان خوفه صلى الله عليه وسلم أن يعاقبوا بعصيان العصاة وسروره لزوال سبب الخوف. ” شرح مسلم ” ( 6 / 196 ).
ب. عَنْ أَبِى بَكْرَةَ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ، وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، فَانْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ ( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَإِنَّهُمَا لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَإِذَا كَانَ ذَاكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ ). رواه البخاري ( 1014 ).
- ومن أعظم ما كان يتفكر به صلى الله عليه وسلم هو اليوم الآخر ومشاهد القيامة، وقد كان موضع هذا التفكر أثناء قراءته أو سماعه للقرآن، أو وهو في صلاته يتلو آيات ربه تعالى أو يدعوه عزَّ وجل، وله في ذلك مواقف عملية مشهودة، ومنها:
أ. عَن ابن مَسعودٍ رضي اللَّه عنه قالَ: قال لي النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ( اقْرَأْ علَيَّ القُرآنَ ) قلتُ: يا رسُولَ اللَّه أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: ( إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ) فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيداً ) قال: ( حَسْبُكَ الآن ) فَالْتَفَتَّ إِليْهِ فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ. رواه البخاري ( 4306 ) ومسلم ( 800 ).
قال ابن بطَّال – رحمه الله -:
وبكاؤه إشارة منه إلى معنى الوعظ؛ لأنه مثَّل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه، والإيمان به وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله، وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن.
” شرح صحيح البخارى ” ( 10 / 279 ).
ب. عن أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا، وَالآيَةُ: ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ).
رواه النسائي ( 1010 ) وابن ماجه ( 1350 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح النسائي”.
قال ابن القيم – رحمه الله -:
فقراءة آية بتفكر وتفهم خيرٌ من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن، وهذه كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصباح، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) فقراءة القرآن بالتفكر هي أصل صلاح القلب.
” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 187 ).
هذا ما يسَّر الله تعالى ذِكره في تفكره وتأمله صلى الله عليه وسلم فيما حوله في الجاهلية والإسلام، بالنظر في الآيات الكونية والتأمل في خلقها، ثم التأمل بها أكثر في حال حدوث تغير لتلك الآيات الكونية خشية أن يكون فيها عذاب، ثم تفكره وتأمله لما هو أعلى من ذلك كله وهو تفكره فيما يتعلق باليوم الآخر ومشاهد القيامة.
ونسأل الله تعالى أن يعيننا على ذِكره وشكره وحسن عبادته، وأن نكون من المتفكرين في آيات الله لا الغافلين عنها.
والله أعلم.


