كيفية التخلص من ذنوب الخلَوات؟ وشرح ميسر لحديث ( الإثم ما حاك في صدرك )
السؤال
ما المقصود بـ ” ذنوب الخلوات “؟ وكيف يستطيع الإنسان التخلص منها؟.
ولدي استفسار:
حديث ( الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس ) المفهوم من الحديث: أن الإنسان بفطرته يخجل من الإثم، ويخفيه عن الناس، فكيف الرابط بين كون الإثم مجرد إثم يرتكبه الإنسان كونه غير معصوم، وكون هذا الإثم يعدُّ من ذنوب الخلوات؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
المسلم في هذه الدنيا معرَّض للوقوع في الذنب، والمعصية, والواجب عليه – إن وقع فيهما – أن يسارع إلى التوبة، والاستغفار، قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر/ 53، وقال تعالى: ( وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ) النساء/ 110، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) الفرقان/ 68 – 71.
والله تعالى يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه، كما جاء في الحديث عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلاَةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ). رواه البخاري ( 5950( ومسلم ( 2747 ) – واللفظ له -.
ثانيًا:
والواجب على المسلم أن يحذر من ذنوب الخلوات, فالله تعالى قد ذم من يستخفي بذنبه من الناس، ولا يستخفي من الله، قال تعالى: ( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ) النساء/ 108.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذنوب الخلوة والسر، كما جاء في الحديث عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ( لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ) قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَ نَعْلَمُ، قَالَ: ( أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ).
رواه ابن ماجه ( 4245 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.
ثالثًا:
وأما الأسباب التي يدفع بها الإنسان ذنوب الخلوات:
أ. الالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء, والتضرع إليه، أن يصرف عنه الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة/ 186.
ب. مجاهدة النفس، ودفع وسوستها، ومحاولة تزكيتها بطاعة الله، قال تعالى: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) الشمس/ 7 – 10، وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت/ 69.
ت. تأمل الوعيد العظيم الوارد في حديث ثَوْبَانَ السابق ذِكره، وخشية انطباقه على فاعل تلك الذنوب في خلواته.
ث. استشعار مراقبة الله تعالى، وأنه رقيب، ومطلع على المسلم في كل حال.
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
وقد ذُكر عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كان ينشد هذين البيتين، إما له، أو لغيره:
إذَا مَا خَلَوتَ الدهْرَ يَومًا فَلا تَقُل … خَلَوتُ وَلكن قُل عَليّ رَقيب
وَلا تَحْسَبَن الله يَغْفُل ساعةً … وَلا أن مَا يَخْفى عَلَيْه يَغيب
” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 219 ).
ج. أن يتخيل المسلم من يجلهم، ويحترمهم، ينظرون إليه وهو يفعل ذلك الذنب!، ويستشعر استحياءه من الله أكثر من استحيائه من الخلق, وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( واستحي من الله استحياءك رجلًا مِنْ أهلكَ ) صححه الألباني رحمه الله في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3559 )، وعزاه للبزار، والمروزي في ” الإيمان “.
ح. تذكر الموت لو أنه جاءه وهو في حال فعل المعصية، وارتكاب الذنب, فكيف يقابل ربه وهو في تلك الحال؟!.
خ. تذكر ما أعده الله لعباده الصالحين من جنة عرضها السموات والأرض, والتفكر في عذاب الله تعالى، قال تعالى: ( أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فصلت/ من الآية 40.
رابعًا:
وأما حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِي قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ: ( الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ): فقد رواه مسلم ( 2553 )، وهو ميزان يدل على معرفة الذنب، والمعصية، عند الاشتباه في أمرهما.
* قال النووي – رحمه الله – في شرح الحديث -:
ومَعنَى ( حَاكَ فِي صَدْرك ) أَي: تَحَرَّكَ فِيه، وَتَرَدَّدَ، وَلَمْ يَنشَرح لَهُ الصَّدر، وَحَصَل في القَلب مِنه الشَّكّ، وَخَوْف كَونه ذَنبًا. ” شرح مسلم ” ( 16 / 111 ).
وقال ابن رجب – رحمه الله -:
إشارةٌ إلى أنَّ الإثم: ما أثَّر في الصدر حرجًا، وضيقًا، وقلقًا، واضطرابًا، فلم ينشرح له الصَّدرُ، ومع هذا: فهو عندَ النَّاسِ مستنكرٌ، بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عندَ الاشتباه.
” جامع العلوم والحكَم ” ( ص 254 ).
فإذا تردد القلب السليم من الهوى في أمرٍ هل هو معصية أم لا؟ فلينظر صاحبه إلى فعله لهذا الأمر أمام الناس, فإن استحيى من فعله أمامهم ، أو اطلاعهم عليه : فهو مظنة كونه ذنبًا، ومعصية, وإن كانت النفس بطبيعتها تستحي من فعل الذنب والمعصية جهارًا أمام الناس.
ولا يعني ذلك أن لا يؤاخذ بذلك؛ لأن من طبيعة الناس إخفاء الذنب, بل فعل المعصية بحد ذاته ذنب, وإذا صاحبه مجاهرة: فهو ذنب آخر, وهكذا ربما يقترن بالذنب أمور أخرى تزيده آثامًا، وتضاعفه عقوبة.
وربما يكون ذنب الخلوة أعظم؛ لأن تعظيم الخالق أولى من تعظيم المخلوق, فأن يكون الإنسان استحياؤه من الناس أعظم من الله: دليل على نقص الإيمان، وضعف التقوى, فوجه تعظيم ذنوب الخلوات: أن بها استصغاراً لنظر الخالق، ومراقبته.
قال ابن رجب – رحمه الله -:
قال بعض العارفين: ” اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك “، وقال بعضهم: ” ابن آدم إن كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تصف لك من عينٍ ناظرة إليك، فلما خلوتَ بالله وحده صفتْ لك معصيته, ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه: ما أنت إلا أحد رجلين: إن كنتَ ظننتَ أنه لا يراك: فقد كفرت, وإن كنتَ علمتَ أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه: لقد اجترأت.
” جامع العلوم والحكَم ” ( ص 162 ).
والله سبحانه نسأله أن يحفظنا وإياكم من الذنوب والمعاصي، وأن يعيننا على أنفسنا.
والله أعلم.


