لمَ تترك المرأة الصلاة أثناء نفاسها؟
السؤال
عندما تلد المرأة لماذا لا تصلي لمدة أربعين يومًا؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
قد تصلِّي المرأة التي تلد قبل إتمام أربعين يوما باتفاق الفقهاء؛ إذ لا حد لأقل النفاس، وإنما اختلف العلماء في أكثره، فقد جمهورهم إنه أربعون يومًا، وقال الحسن البصري: خمسون، وقالت طائفة: ستون، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وجمع من المحققين: لا حدَّ لأكثره، بل متى انقطع دم النفاس، ورأت المرأة علامة الطهر: انتهى زمن نفاسها. وهذا القول هو الصحيح.
ثانيًا:
النفساء لها أحكام الحائض في جميع أحكامها المتعلقة بما يحرم عليها، ويسقط عنها، وقد أجمع المسلمون على اشتراكهما في تحريم الصيام، والصلاة، وكذا يحرم على الزوج جماعهما، إلى أن تطهران.
ومما يدل على ذلك الاشتراك: إطلاق اسم ” النفاس ” على الحيض في مواضع من السنَّة النبويَّة، ومنها:
أ. عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَرِفَ وَأَنَا أَبْكِي فَقَالَ: ( مَا لَكِ؟ أَنَفِسْتِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ اقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ ).
رواه البخاري ( 5239 ) ومسلم ( 1211 ).
ب. وعن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، قَالَ: ( أَنُفِسْتِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي، فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ. رواه البخاري ( 294 ) وبوَّب عليه: باب من سمى النفاس حيضًا، ومسلم ( 296 ).
* قال ابن المنيِّر السكندري – رحمه الله – تعليقًا على ترجمة الإمام البخاري -:
إن قلتَ: ما فقه الترجمة، وكيف تطابق الحديث، وإنما فيه تسمية الحيض نفاسًا، لا تسمية النفاس حيضًا؟.
قلتُ: أما فقههما: فالتنبيه على أن حكم الحيض والنفاس في منافاة الصلاة، ونحوها: واحد، وألجأه إلى ذلك: أنه لم يجد حديثًا على شرطه في حكم النفاس، فاستنبط من هذا الحديث: أن حكمهما واحد.
وظن الشارح أنه يلزم من تسمية الحيض نفاسًا تسمية النفاس حيضًا، وليس كذلك؛ لجواز أن يكون بينهما عموم كالإنسان والحيوان، والعَرَض واللون، وإنما أخذه البخاري من غير هذا، وهو أن الموجب لتسمية الحيض نفاسًا: أنه دم – والنَّفْس: الدم – فلما اشتركا في المعنى الذي لأجله سمِّيَ النفاس نفاسًا: وجب جواز تسمية الحيض نفاسًا، وفهم أنه دم واحد، وهو الحق، فإن الحمْل يَمنع خروج الدم المعتاد، فإذا وضعَتْ: خرج دفعة، وهذا ينبىءُ على أن تسمية النفاس لم يكن لخروج النفْس التي هي النَّسَمة، وإنما كان لخروج الدم، والله أعلم.
” المتواري على أبواب البخاري ” ( ص 81، 82 ).
* قال ابن قدامة – رحمه الله -:
وحكم النفساء حكم الحائض في جميع ما يحرم عليها، ويسقط عنها، لا نعلم في هذا خلافًا، وكذلك تحريم وطئها، وحل مباشرتها، والاستمتاع بما دون الفرج منها. ” المغني ” ( 1 / 392 ).
ثالثًا:
ولا بدَّ لكل مسلم أن يعتقد أن الله تعالى ما شرعَ حكمًا إلا لحكمة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وإنما واجب المسلم التسليم لأمر الله تعالى بتنفيذه، ولنهيه بتركه والكف عنه، ولا مانع من البحث عن حكَم تلك الأوامر والنواهي مما لم يُذكر في النصوص، شريطة عدم الجزم به، وعدم تعليق تنفيذ تلك الأوامر بمعرفة تلك الحكمة، ولا بدَّ للمسلم من أن يعلم أن التسليم لأمر الله مع جهله بالحكمة أعظم من التسليم لها مع معرفتها؛ لظهور التعبُّد في الأولى، كما لا يخفى.
قال تعالى: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء/ 65.
* وهذا كان حال سلف الأمة كما وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:
وكان مِن أعظم ما أنعم الله به عليهم: اعتصامهم بالكتاب، والسنَّة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة، والتابعين لهم بإحسان: أنه لا يُقبل من أحدٍ قط أن يعارِض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وَجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالهدى، ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم: فيه نبأ من قبلهم، وخبر ما بعدهم، وحُكم ما بينهم، هو الفصل ليس بالهزل .. .
” مجموع الفتاوى ” ( 13 / 28 ).
* وقال الأوزاعي – رحمه الله -:
من الله تعالى التنزيل، وعلى رسوله التبليغ، وعلينا التسليم.
“التمهيد ” ( 6 / 14 ).
وفي هذا السياق نفسه: جاءت امرأة لعائشة رضي الله عنها تسألها لم كانت الحائض – ومثلها النفساء بالطبع – تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة، فما كان من عائشة إلا أن أجابت بالنص الذي يأمر بهذا، دون تعليل ذلك الحكم، أو ذكر معنى له، وقد ظنتها عائشة أنها ليست من أهل السنَّة بسؤالها ذلك، وظنتها من الخوارج، فلما علمت أنها جاءت مستفسرة، لا متعنتة: أجابتها بالنص، ولم تزد.
عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ.
رواه البخاري ( 315 ) ومسلم ( 335 ).
* قال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:
و ” الحروري “: مَن ينسب إلى ” حروراء “، وهو موضع بظاهر الكوفة، اجتمع فيه أوائل الخوارج، ثم كثر استعماله حتى استُعمل في كل خارجي، ومنه قول عائشة لمعاذة: ” أحرورية أنتِ؟ “، أي: أخارجية؟، وإنما قالت ذلك لأن مذهب الخوارج أن الحائض تقضي الصلاة، وإنما ذكرت ذلك أيضًا لأن معاذة أوردت السؤال على غير جهة السؤال المجرد، بل صيغتها قد تشعر بتعجب، أو إنكار، فقالت لها عائشة: ” أحرورية أنتِ؟ ” فأجابتها بأن قالت: ” لا، ولكني أسأل ” أي: أسأل سؤالاً مجردًا عن الإنكار، والتعجب، بل لطلب مجرد العلم بالحكم، فأجابتها عائشة بالنص، ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ، وأقوى في الردع عن مذهب الخوارج، وأقطع لمن يعارض، بخلاف المعاني المناسبة فإنها عرضة للمعارضة.
والذي ذكره العلماء من المعنى في ذلك أن الصلاة تتكرر، فإيجاب قضائها مفضٍ إلى حرج ومشقة، فعفي عنه، بخلاف الصوم؛ فإنه غير متكرر فلا يفضي قضاؤه إلى حرج، وقد اكتفت عائشة رضي الله عنها في الاستدلال على إسقاط القضاء بكونه لم يؤمر به ….” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 90 ).
رابعًا:
ومع كل ما سبق: فإن بعض المشككين أراد الطعن في حكمة التشريع، فقال: كيف تؤمر الحامل بالصلاة مع ما تعانيه من تعب، وتبذله من جهد، وتترك الحائض والنفساء الصلاة، وليس يصيبهما ما يصيب الحامل، وكما قلنا فإن الأمر في ذلك تعبُّدي في أصله، ومن آمن بالله ربًّا، وعلم ما لله تعالى من صفات الكمال والجلال: لم يشك للحظة أن في تشريعه هذا من الحكَم الجليلة ما فيه، وليس على المرأة إلا أن تصلي في حال حملها، لا يسعها ترك الصلاة، وتترك النفساء والحائض الصلاة، بل ويحرم عليها أداؤها.
والمعلوم أن المشقة التي تصيب الحامل في الصيام ليست هي ذاتها التي تصيبها في الصلاة، وهذا لا يشك فيه عاقل، ولذا أبيح لها الفطر في الصيام الواجب إن كانت حاملًا، ولم يُبح لها ترك الصلاة.
ولا نجد لذات السؤال خيرًا من جواب عائشة رضي الله عنها، ولا نمانع قبول البحث في حكمة ذلك التشريع بالشرطين السابقين.
ونذكر الأخوات المسلمات أن من تركت الصلاة والصيام في حال حيضها أو نفاسها أجرت على ذلك الامتثال، فلم تضع عليها تلك الأيام، بل هي تاركة للعبادات بجوارحها، لكنها مأجورة على ذلك الامتثال.
* وفي ” حاشية قليوبي ” ( 1 / 114 ):
وتثاب الحائض على ترك ما حرم عليها، إذا قصدت امتثال الشارع في تركه. انتهى.
والله أعلم.


