لماذا لا تنهانا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر؟!
السؤال
أنا أفعل معاصي كثيرة، مثل كثير من الناس، ولكنني لا أستطيع أن يفوت عليَّ يوم دون أن أكون قد أديت صلواته كاملة، وأشعر بأنه ينقصني شيء إذا ضاعت عليَّ صلاة، حتى لو كنت قد فعلت معاصي كبيرة، فهل تلك الصلاة تكون مجرد عادة أم عبادة؟ وإذا كانت عادة ماذا أفعل لكي أجعلها عبادة، وأخشع فيها؟.
وجزاكم الله كل خير.
الجواب
الحمد لله
إن العلاقة بين ترك المعاصي والسيئات وبين إقامة الصلاة: علاقة وثيقة متداخلة، وما تقوله أيها السائل يُرى في كثيرين ممن التزموا الصلاة، ومع ذلك لم تنههم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر! فما هو سبب ذلك؟ يمكن إجمال الأسباب في سببين:
الأول: وجود الخلل في الصلاة ذاتها. الثاني: النفاق! – عياذًا بالله -.
والذي يَظهر لنا أن غالب الناس الذين يُرى عليهم عدم الانفكاك بين الصلاة وبين فعل الفحشاء والمنكر إنما يعود أمرهم إلى السبب الأول، وهو الخلل في الصلاة ذاتها، ومؤدَّى ذلك أن صارت الصلاة في حياتهم عادة، لا عبادة.
* والذي نرجو منك تأمله لعلاج مشكلتك أشياء، منها:
- أن الله تعالى لم يأمر في آية واحدة بأداء الصلاة! بل بإقامتها، ولم يذكر الله تعالى في صفة المؤمنين أنهم يؤدون الصلاة، بل يقيمونها، وشتان بين الأداء والإقامة، وهو كالفرق بين العادة والعبادة، والذي يقيم الصلاة حقًّا هو الذي ينتهي عن فعل المعاصي والسيئات، ففي وصف المؤمنين قال الله تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) البقرة/ 3.
* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
ثم قال: ( وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون بالصلاة؛ لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقامة الصلاة: إقامتها ظاهرًا، بإتمام أركانها، وواجباتها، وشروطها، وإقامتها باطنًا بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله، ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )، وهي التي يترتب عليها الثواب، فلا ثواب للإنسان من صلاته إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة: فرائضها، ونوافلها.
” تفسير السعدي ” ( ص 40 ).
- أن الله تعالى أمر المؤمنين بالاستعانة بالصلاة، ومن أعظم وجوه الاستعانة: التخلي عن الصفات والأفعال القبيحة، والتحلي بالصفات والأفعال المليحة، قال تعالى: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) البقرة/ 45.
* قال الشيخ محمد الصالح العثيمين – رحمه الله -:
فإن قال قائل: كيف تكون الصلاة عونًا للإنسان؟.
الجواب: تكون عونًا: إذا أتى بها على وجه كامل، وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها، أما صلاة غالب الناس اليوم: فهي صلاة جوارح، لا صلاة قلب، ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر: ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فائدة منها، ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه، وتذهب، لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة: لا بد أن يَسلوَ بها عن كل همّ؛ لأنه اتصل بالله عزّ وجلّ الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جُعِلَت قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاة ) – رواه النسائي ( 3940 )، وهو صحيح -، أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها: فهذا لا تكون الصلاة عوناً له؛ لأنها صلاة ناقصة، فيفوِّت من آثارها بقدر ما نقص فيها، كما قال الله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) العنكبوت/ 45، وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها، لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر، هو على ما هو عليه، لا لانَ قلبُه لذِكر، ولا تحوَّل إلى محبة العبادة. ” تفسير سورة البقرة ” ( 1 / 164، 165 ).
- وإذا أردتَ أن تكون الصلاة عبادة لا عادة، وأن تستعين بها على طاعة الله تعالى، وترك الفواحش والمنكرات: فعليك أن تقيمها حق القيام، وأن تتفكر بما فيها من تكبير، وتسبيح، وتحميد، وقرآن، وأن تتأمل ركوعك، وسجودك، وأن تستشعر قربك من ربك تعالى، وقرب ربك منك، وبهذا تكون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وخاصة إذا علمت الحكمة العظيمة في جعلها خمس صلوات على طول اليوم؛ فكلما خبت تقواك، ونشطت نفسك الأمارة بالسوء: جاءت الصلاة الأخرى، وهكذا تبقى محاطًا من كيد الشيطان متصلًا بربك تعالى على الدوام. قال الله تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/ من الآية 45.
* قال الشيخ الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:
الصلاة تشتمل على مذكِّرات بالله، من أقوال، وأفعال، من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكِّر بالله تعالى، إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يُرضي الله، وهذا كما يقال: ” صديقك مرآة ترى فيها عيوبك “، ففي الصلاة من الأقوال: تكبير لله، وتحميده، وتسبيحه، والتوجيه إليه بالدعاء، والاستغفار، وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد، والثناء على الله، والاعتراف بالعبودية له، وطلب الإعانة، والهداية منه، واجتناب ما يغضبه، وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله، والإقلاع عن عصيانه، وما يفضي إلى غضبه، فذلك صدٌّ عن الفحشاء والمنكر.
وفي الصلاة أفعال هي خضوع، وتذلل لله تعالى: من قيام، وركوع، وسجود ، وذلك يذكِّر بلزوم اجتلاب مرضاته، والتباعد عن سخطه، وكل ذلك مما يصدُّ عن الفحشاء، والمنكر.
وفي الصلاة أعمال قلبية: من نية، واستعداد للوقوف بين يدي الله، وذلك يذكِّر بأن المعبود جدير بأن تُمتثل أوامره، وتُجتنب نواهيه.
فكانت الصلاة بمجموعها: كالواعظ الناهي عن الفحشاء، والمنكر ….
ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار، والليل؛ ليتجدد التذكير، وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك: تزداد خواطر التقوى في النفوس، وتتباعد النفس من العصيان، حتى تصير التقوى ملَكة لها، ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.
روى أحمد وابن حِبّان والبيهقي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلانًا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق، فقال: ( سينهاه ما تقول ) أي: صلاته بالليل.
واعلم أن التعريف في قوله ( الفحشاء والمنكر ) تعريف الجنس، فكلما تذكَّر المصلي عند صلاته عظمة ربه، ووجوب طاعته، وذكر ما قد يفعله من الفحشاء والمنكر: كانت صلاته حينئذ قد نهته عن بعض أفراد الفحشاء، والمنكر.
” التحرير والتنوير ” ( 20 / 259، 260 ).
* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
ووجه كون الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: أن العبد المقيم لها، المتمم لأركانها، وشروطها، وخشوعها: يستنير قلبُه، ويتطهر فؤادُه، ويزداد إيمانُه، وتقوى رغبته في الخير، وتقل – أو تعدم – رغبته في الشرِّ، فبالضرورة مداومتها، والمحافظة عليها على هذا الوجه: تنهى عن الفحشاء، والمنكر، فهذا من أعظم مقاصدها، وثمراتها. ” تفسير السعدي ” ( ص 632 ).
- وما قلناه يؤكده حديث في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، يبيِّن فيه نبينا أن الخلل هو في صلاة المسلم، وأنه متى أقامها، وأحسن شروطها، وواجباتها: نهته عن الفحشاء والمنكر.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، قَالَ: ( إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ ).
رواه أحمد ( 15 / 483 )، وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 3482 ).
وليس المسلمون على درجة واحدة في حضور القلب، والاطمئنان، في الصلاة، بل قد بين لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تفاوتهم في هذا، ويُبنى عليه: تفاوتهم في الأجر، وتفاوتهم في فعل المنكرات.
عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدْسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا ). رواه أبو داود ( 796 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
ولهذا يجب علينا جميعًا – وأقول ذلك لنفسي قبلكم – أن نراجع قلوبنا كل ساعة، وكل لحظة، أين يعيش القلب؟ بماذا ينشغل؟ لماذا ينصرف عن الله؟ لماذا يلتفت يمينًا وشمالًا؟ ولكن نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وغلب على كثير من الناس، حتى إنه ليصرف الإنسان عن صلاته، التي هي رأس ماله بعد الشهادتين، فتجده إذا دخل في صلاته: ذهب قلبُه يمينًا وشمالًا، حتى يخرج من صلاته ولم يعقل منها شيئًا، والناس يصيحون يقولون: صلاتنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، أين وعد الله؟ حينها يقال: يا أخي! هل صلاتك صلاة؟ إذا كنت من حين تكبِّر تفتح لك أبواب هواجس لا نهاية لها، فهل أنت مصلٍّ ؟ صليتَ بجسدك لكن لم تصلِّ بقلبك، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها ) حسب ما يعقل منها.
” لقاء الباب المفتوح ” ( 34 / المقدمة ).
- وأما من استمر على فعل الفواحش والمنكرات وهو يصلي ويحافظ على صلواته: فليعلم أنها صلاة خاوية، وأنه ليس له منها إلا السهر والتعب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ ).
رواه ابن ماجه ( 1690 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.
* قال المناوي – رحمه الله -: يعني: أنه لا ثواب له؛ لفقد شرط حصوله، من نحو إخلاص، أو خشوع، أما الفرض: فيسقط طلبه. “التيسير بشرح الجامع الصغير” (2 /55). وللاستعانة على الخشوع في الصلاة: انظر جواب السؤال رقم ( 25778 ).
* ونوصيك بتقوى الله تعالى، والخوف منه، واستشعار رقابته، واترك فعل المعاصي قليلها وكثيرها، كبيرها وصغيرها، وتب إلى الله مما فعلته توبة صادقة، واصدق مع ربك في عدم الرجوع لفعل ما يُسخطه، وأصلح ما بينك وبينه تعالى، وثق بوعد الله في تبديل سيئاتك حسنات، وفي تثبيتك على الهداية والطاعة.
والله الموفق.


