هل الجنة درجات؟ وهل يزور أهل الدرجات الدنيا أهل الدرجات العليا؟
السؤال
الناس في الجنة مراتب متفاوتة، فمنهم في مكانة عالية، وبعضهم في مكانة أقل، وبعضهم أقل، وهكذا، فهل يستطيع الذي في المكانة الأقل أن يحصل على نفس ما يحصل عليه الذي فوقه؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
مما يعتقده المسلمون أن الجنة درجات، وأن الله قد وعد الطائعين بمنازل في الجنة إن هم قاموا بما حثَّهم عليه من تلك الطاعات، وما ذلك التفاضل بين أهل الجنة في المنازل والدرجات: إلا بسبب تفاضلهم في أعمال الطاعات في الدنيا.
قال تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) الإسراء/ 21، وقال تعالى: ( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) الأنعام/ من الآية132.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
والجنَّة درجات، متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات: بحسب إيمانهم، وتقواهم . ” مجموع الفتاوى ” ( 11 / 188 ).
* وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:
( وَلِكُلٍّ ) منهم ( دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ) بحسب أعمالهم، لا يُجعل قليل الشر منهم ككثيره، ولا التابع كالمتبوع، ولا المرءوس كالرئيس، كما أن أهل الثواب، والجنة وإن اشتركوا في الربح، والفلاح، ودخول الجنة: فإن بينهم من الفرق ما لا يعلمه إلا الله، مع أنهم كلهم قد رضوا بما آتاهم مولاهم، وقنعوا بما حباهم.
فنسأله تعالى أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى، التي أعدها الله للمقربين من عباده، والمصطفيْن من خلقه، وأهل الصفوة من أهل وداده. ” تفسير السعدي ” ( ص 274 ).
ثانيا:
ومما لا شك فيه أن أهل الجنة يتفاوتون في النعيم في الجنان، بحسب درجتهم فيها، فليس من يسكن ” الفردوس ” كمن يسكن في الجنان دونها.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ). رواه البخاري ( 2637 ) ومسلم ( 2831 ).
– ومعنى ” أوسط الجنة ” أي: أفضلها.
وقد ذكر الله تعالى وصفًا لجنان من خاف مقامه سبحانه وتعالى، فقال: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ) الرحمن/ 46 – 48، فوصفهما، ثم قال تعالى: ( وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ) الرحمن/ 62، فتبين به اختلاف الجنان بعضها عن بعض بحسب أعمال أهلها، ومنزلتهم عند ربهم.
ثالثًا:
وقد ثبت في صحيح السنَّة أن أهل الجنة في الدرجات الدنيا يرون من فوقهم.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ ).
رواه البخاري ( 3083 ) ومسلم ( 2831 ).
* قال القرطبي – رحمه الله -:
اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو، والصفة، بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض، وأرفع.
وقوله ( الغائر من المشرق أو المغرب ) يروى بالياء اسم فاعل، من غار، وروي ” الغابر ” بالباء بواحدة، ومعناه الذاهب، أو الباقي، ويعني به: أن الكوكب حالة طلوعه، وغروبه بعيد عن الأبصار، فيظهر صغيرًا لبعده، وقد بيَّنه بقوله ( من المشرق أو المغرب ) و قد روي العازب بالعين المهملة والزاي, أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة المعنى. ” التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ” ( ص 398 ).
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا). رواه الترمذي ( 3658 )، وحسَّنه، وابن ماجه ( 96 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
* قال المباركفوري – رحمه الله -:
والمعنى: أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم، بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلى ليراهم مَن هو أسفل منهم كالنجوم.” تحفة الأحوذي ” ( 7 / 273 ).
رابعًا:
وما ذكرناه فيما سبق يبين بوضوح أنه لا يستطيع أهل الدرجات الدنيا تحصيل ما في الدرجات العلى؛ لعدم قيامهم بما استحقوا من أجله تلك الدرجات، ولو اشترك أهل الجنان بالنعيم الذي أعده الله لمن هو فوقهم: لما كان للتفاوت في المنازل والدرجات حكمة! ومن عظيم عدل الله تعالى أن لا يساوي بين المستحقين للجنة في الدرجة والنعيم؛ فالتفاضل بين الناس في الدنيا في الإيمان والطاعات يؤدي إلى التفاضل في المنازل والدرجات عنده سبحانه وتعالى.
* قال القرطبي – رحمه الله -:
وقوله: ( والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ) ولم يذكر عملًا، ولا شيئًا سوى الإيمان، والتصديق للمرسلين؛ وذلك ليُعلم أنه عنى الإيمان البالغ، وتصديق المرسلين من غير سؤال آية، ولا تلجلج، وإلا فكيف تُنال الغرفات بالإيمان, والتصديق الذي للعامة؟! ولو كان كذلك: كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات، وأرفع الدرجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى ( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا )، والصبر: بذل النفس الثبات له، وقوفًا بين يديه بالقلوب، عبوديةً، وهذه صفة المقربين.
” التذكرة ” ( ص 398 ).
مع التنبيه على أنه ليس ثمة حسد في الجنة ولا بغضاء، وفي ذلك قال تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) الحجر/ 47.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُون، آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ، أَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، مِنَ الْحُسْنِ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا .
رواه البخاري ( 3073 ) ومسلم ( 2834 ).
* قال ابن عطية الأندلسي -رحمه الله -:
وكلُّ مَن فيها قد رُزق الرضا بحاله، وذهب عنه أن يعتقد أنه مفضول، وإن كنَّا نحن قد علمنا من الشريعة أن أهل الجنة تختلف مراتبهم، على قدر أعمالهم, وعلى قدر فضل الله على من شاء. ” المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ” ( 2 / 91 ).
خامسًا:
وما هي السبل التي يمكن أن يرتقي بها المسلم في الجنة ليصل إلى درجة أعلى مما هو فيه؟:
- محض فضل الله.
فقد يمنُّ الله على من يشاء من عباده، فيكرمه برفع منزلته في الجنة إلى حيث يشاء سبحانه، والله ذو الفضل العظيم، وعليه يدل عموم قوله تعالى ( نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) الأنعام/ من الآية83، وهو داخل في معنى صفته تعالى ” رفيع الدرجات ” على أحد التفسيرين، قال تعالى: ( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) غافر/ 15.
* قال القرطبي – رحمه الله -:
وقال يحيى بن سلام: ” هو رفعة درجة أوليائه في الجنة “، فـ ( رَفِيعُ )0 على هذا بمعنى رافع فعيل بمعنى فاعل. ” تفسير القرطبي ” ( 15 / 299 ).
* وقال أبو حفص الدمشقي – رحمه الله -:
وهذا يحتمل أن يكون المراد منه: ” الرافع “، وأن يكون المراد منه ” المرتفع “، فإن حملناهُ على الأول: ففيه وجوه:
الأول: أن الله يرفع درجات الأنبياء، والأولياء في الجنة .
والثاني: يرفع درجات الخلق في العلوم، والأخلاق الفاضلة.
” اللباب في علوم الكتاب ” ( 17 / 23 ).
- شفاعة الشافعين.
وفي ذلك حديثان:
أ. عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ) – وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ – ثُمَّ قَالَ: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ ). رواه البخاري ( 4067 ) ومسلم ( 2498 ).
– وأبو عامر هو الأشعري، وهو عم أبي موسى، رضي الله عنهما.
ب. عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: ( إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ ) فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ: ( لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ) ثُمَّ قَالَ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ ). رواه مسلم ( 920 ).
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
والنوع الثاني: شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب، ورفعة الدرجات. ” حاشية ابن القيم على مختصر سنن أبي داود ” ( 13 / 56 ).
واستدل – رحمه الله – على كلامه بالحديثين السابقين.
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في بيان أنواع الشفاعة -:
النوع الثالث: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أبي سلمة: ( اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه، واخلفه في عقبه )، والدعاء شفاعة، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا؛ إلا شفعهم الله فيه ).
” مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين ” ( 9 / 326 ).
- دعاء واستغفار الولد لوالده.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ أَنَّى هَذَا فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ).
رواه ابن ماجه ( 3660 )، وحسَّنه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 1598 ).
- إلحاق الآباء بدرجة الأبناء والعكس.
قال تعالى ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور/ 21.
وعن ابن عباس قال: ” إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه ” ، وهو أثر صحيح ، له حكم الرفع ، وانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 2490 ) .
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – :
قال عز وجل: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الطور/21، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعًا: هي الذرية الصغار، فيقول الله عز وجل: ( أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم.
وأما الكبار الذين تزوجوا: فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة، لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية، فهم في مقرهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم: فإنهم يرقَّون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ )، ( ألتناهم ) يعني: نقصناهم، يعني: أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال أخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعتم درجات الذرية، بل يقول: ( وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ).” تفسير القرآن من الحجرات إلى الحديد ” ( ص 187 ).
سادسًا:
وليُعلم بعدما سبق أن نزول أصحاب الدرجات العليا إلى الدرجات الدنيا: أنه لا يوجد ما يمنع منه، بخلاف العكس؛ فإنه الذي لا يوجد ما يدل عليه، بل الوارد هو أنه لا يحصل، وذلك بالنظر إلى الأحاديث التي جاء فيها أنهم ينظرون إليهم، دون الارتقاء إليهم، ولمخالفته الحكمة التي من أجلها جُعل التفاضل بين الدرجات.
وأعلى ما وقفنا عليه من كلام أهل العلم في المسألة هو ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” ( 422 ) عن حميد بن هلال قال: بلغنا أن أهل الجنة يزور الأعلى الأسفل، ولا يزور الأسفل الأعلى. وحميد من التابعين، وإسناده إليه صحيح.
* هذا، وقد جاءت أحاديث تنص على ما قررناه، لكنها لا تصح، ومنها:
- عن أبي سلام الأسود قال: سمعتُ أبا أمامة قال: سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: ( نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم، ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم أعمالهم ). رواه ابن أبي حاتم في ” تفسيره ” ( 10 / 3371 ).
وفيه ضعف، فيه سعيد بن يوسف.
* قال يحيى بن معين: ضعيف الحديث، ليس بالقوي. ” الضعفاء والمتروكين ” لابن الجوزي ( 1 / 327 ).
- عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يتزاور أهل الجنة على نوق عليها الحشايا، فيزور أهل عليين من أسفل منهم، ولا يزور من أسفل منهم أهل عليين إلا المتحابين في الله فإنهم يتزاورون من الجنة حيث شاؤوا ). رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 8 / 240 ). وفيه: بِشر بن نُمير، متروك، وقد اتهم بالوضع.
* قال الهيثمى – رحمه الله -:
فيه بشر بن نمير وهو متروك. ” مجمع الزوائد ” ( 10 / 496 ).
– “الحشايا”: هي الفرش المحشوة.
- ورواه أبو نعيم الأصبهاني في ” صفة الجنة ” برقم ( 421 ) من طريق جعفر بن الزبير، وبشر بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعا بنحوه.
– وجعفر بن الزبير: متروك، وقد اتهم بالوضع.
– وبشر بن نمير: سبق بيان حاله.
- ( إذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيقول أحدهما لصاحبه: تعلم متى غفر الله لنا؟ فيقول صاحبه: نعم يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا ) . وهو حديث ضعيف، انظر ” السلسلة الضعيفة ” ( 5029 ).
والله أعلم.


