هل يجوز أداء صلاة الرواتب والنوافل في السيارة في الحضر؟

السؤال

هل يصح أن أصلِّي صلاة الضحى في السيارة لأني أمكث بها نصف ساعة قبل وصولي للمدرسة؟ وهل يكون لها نفس الأجر لو صليتها بالمدرسة؟.

الجواب

الحمد لله

– ثمة مسائل ثلاثة هنا:

الأولى: صلاة النافلة في السيارة جالسًا ولغير اتجاه القبلة في السفر.

الثانية: صلاة النافلة في السيارة الواقفة جالسًا باتجاه القبلة في الحضر.

الثالثة: صلاة النافلة في السيارة السائرة جالسًا ولغير اتجاه القبلة في الحضر.

والمسألة الأولى والثانية محل اتفاق بين الفقهاء على الجواز، والمسألة الثالثة خلافية.

وهذا بيانها – باختصار -:

أما المسألة الأولى:

فقد ثبت في السنَّة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى نافلة على راحلته في السفر حيثما توجهت به، فسقط شرط الاتجاه للقبلة، وسقط ركن القيام، لكنَّ ذلك مشروط في كون الصلاة نافلة، ويكون للمصلي نصف أجر المصلي قائمًا.

وعليه: فمن كان مسافرًا راكبًا في سيارة: فله أن يصلي الضحى – أو غيرها من النوافل – في أي اتجاه سارت تلك السيارة، يومئ في ركوعه وسجوده، ويجعل إيماءه في سجوده أخفض من إيمائه في ركوعه.

عَن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهُوَ رَاكِبٌ فِي غَيْرِ الْقِبْلَة. رواه البخاري ( 1043 ) ومسلم ( 540 ).

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي فِى السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلاَةَ اللَّيْلِ إِلاَّ الْفَرَائِضَ وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ.

رواه البخاري ( 955 ) ومسلم – نحوه – ( 700 ).

* وهي مسألة إجماعية.

* ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 27 / 228 ):

اتفق الفقهاء على أنه يجوز للمسافر صلاة النفل على الراحلة حيثما توجهت به . انتهى.

وأما إن كانت السيارة – أو الراحلة – في السفر واقفة: فحكمها حكم الحضر، فيشترط القبلة والسجود، وهي المسألة الآتية.

وأما المسألة الثانية:

فإنه لا خلاف بين العلماء – أيضًا – في جواز صلاة النافلة في الحضر جالسًا باتجاه القبلة مع القدرة على القيام، وأن للمصلي نصف أجر المصلي قائمًا.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

لا نعلم خلافًا في إباحة التطوع جالسًا، وأنه في القيام أفضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ ) متفق عليه – رواه البخاري ( 1064 ) فقط -، وفي لفظ مسلم – ( 735 ) – (صَلاَةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلاَةِ ). ” المغني ” ( 1 / 811 ).

وعليه: فمن صلَّى الضحى – أو غيرها من النوافل أو الرواتب – في سيارته الواقفة جالسًا في الحضر، وكان اتجاه السيارة إلى القبلة – أو استطاع هو أن يتجه إلى القبلة -: فإنه لا حرج عليه لو صلَّى على تلك الحال بالاتفاق، ولا فرق بين أن يصلي جالسًا – والحالة هذه – في سيارة أو في بيت أو مسجد، وله أن يومئ في الركوع، لكن ليس له أن يومئ في سجوده، بل عليه أن يسجد على أرضية السيارة أو كرسيها الذي يصلي عليه، كما يفعل في صلاته جالساً فيما ذكرناه من تلك الأماكن، فحكم السيارة الواقفة حكم الأرض، ولا يسقط عنه شرط الاتجاه إلى القبلة، ولا يسقط السجود لمن كان قادرًا عليه – على الراجح والأحوط من قولي العلماء وهو قول الجمهور – وإنما الذي يسقط عنه هو القيام، والركوع الذي يتبع القيام.

وقد وصفت عائشة رضي الله عنها صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قاعد في بعض حالاتها، وبيَّنت أنه كان يركع وهو قاعد ويسجد وهو قاعد، يعني: يركع من قعود ويسجد من قعود دون أن يأتي بهما وهو قائم، فقد روى مسلم ( 730) عنها رضي الله عنها قولها ” وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ

ويكون للمصلي في تلك الحال نصف أجر صلاة القائم كما سبق ذِكره في الحديث الصحيح.

وأما المسألة الثالثة:

هل يجوز الصلاة في السيارة السائرة جالسًا لغير اتجاه القبلة في الحضر كما هو الحال في السفر أم أن تلك الحال للمصلي لا تصلح إلا في السفر؟.

قولان للعلماء، والجمهور على الثاني، وذهب إلى الأول: أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وأبو سعيد الاصطخري من الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول الطبري والأوزاعي وابن حزم.

وقال به من المعاصرين: الشيخ عبد الله بن عقيل، والشيخ عبد الله بن قعود، وقال الشيخان عبد الله بن جبرين وعبد الكريم الخضير بالجواز في حال خشي المصلي فوات وقت النافلة أو الراتبة.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وأما الصلاة على الراحلة: فقد ثبت فى الصحيح بل استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلِّي على راحلته في السفر قبَل أي وجه توجهت به، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلِّي عليها المكتوبة.

وهل يسوغ ذلك في الحضر؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره، فإذا جوِّز في الحضر: ففي القصر أولى، وأما إذا منع في الحضر: فالفرق بينه وبين القصر والفطر يحتاج إلى دليل. ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 37، 38 ).

– وانظر ” شرح مسلم ” للنووي ( 5 / 211 ) و ” المجموع ” – له – ( 3 / 212 )، و ” المحلى ” لابن حزم ” ( 3 / 56 )، و ” نيل الأوطار ” للشوكاني ( 2 / 149 ).

وتنظر رسالة الشيخ عبد الله بن عقيل حفظه الله التي ألَّفها لهذا المسألة تحديداً وهي بعنوان ” تُحْفَةُ اْلقَافِلَةِ فِي حُكْمِ الْصَّلَاةِ عَلَى الْرَّاحِلَة “.

فعند هؤلاء العلماء يجوز لمن يركب السيارة السائرة في الشارع أن يصلي فيها الضحى – وغيرها من الرواتب والنوافل – جالسًا – ولا يفضَّل ذلك للسائق – ويومئ المصلي في ركوعه وسجوده، ويكون إيماؤه في سجوده أخفض من إيمائه في ركوعه.

والذي نرجحه: هو قول الجمهور، وهو أن صلاة النافلة جالسًا ولغير القبلة إنما هي لمن كان راكبًا على الراحلة السائرة، وفي السفر دون الحضر، وهو الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما يرجحه من المعاصرين الشيخان عبد العزيز بن باز والعثيمين رحمهما الله، وغيرهما كثير، ولسنا ننكر على أحدٍ أخذ بالقول الآخر؛ فهو قول قوي، وقال به أئمة معتَبرون.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة